باب حكيم

٢٠ فقرة، ج ٣ ص ٣٠١

  1. [٤٨٨] حكيمُ بنُ حِزَامِ بنِ خُوَيلدِ بنِ أَسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ القُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ، يُكنَى أبا خالدٍ (١) ، هو ابنُ أخي خديجةَ بنتِ خُويلدٍ زوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وُلِد في الكعبةِ، وذلك أن أُمَّه دَخَلَتِ الكعبةَ في نسوةٍ مِن قريشٍ وهي حاملٌ، فضَرَبَها المَخَاصُ، فأُتِيَت بِنِطْعٍ فَوَلَدَتْ حكيمَ ابنَ حِزامٍ عليه.

    ج ٣ ص ٣٠١
  2. وكان مِن أشرافِ قريشٍ ووُجُوهِها في الجاهليةِ والإسلامِ، و (٢) كان مولدُه قبلَ الفيلِ بثلاثَ عشْرَةَ سنةً أو اثْنَتَي (٣) عشْرَةَ سنةً على اختلافٍ في ذلك، وتَأَخَّرَ إسلامُه إلى عامِ الفتحِ، فهو مِن مُسلِمةِ الفتحِ هو وبَنوه عبدُ اللهِ وخالدٌ ويحيى وهشامٌ، وكُلُّهم صَحِبَ (٤) النَّبِيَّ ﷺ ، وعاشَ حكيمُ بنُ حِزامٍ في الجاهليةِ ستينَ سنةً (٥) ، وفي الإسلامِ ستينَ

    ج ٣ ص ٣٠٢سنةً، وتُوفِّي بالمدينةِ في دارِه بها عندَ بلاطِ الفاكهةِ وزُقَاقِ الصَّوَّاغِينَ (١) في خلافةِ معاويةَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ، وهو ابنُ مائةٍ وعشرينَ سنةً، وكان عاقلًا سَرِيًّا، فاضِلًا تَقِيًّا، سيدًا بمالهِ غَنِيًّا.

    قال مصعبٌ: جاء الإسلامُ ودارُ النَّدْوةِ (٢) بيدِ حكيمِ بنِ حِزامٍ، فَباعَهَا بعدُ مِن معاويةَ بمائةِ ألفِ درهمٍ، فقال له ابنُ الزبيرِ: بِعْتَ مَكْرُمةَ قريشٍ! فقال (٣) حكيمٌ: ذَهَبتِ المكارمُ إلَّا التَّقْوى (٤) .

  3. وكان مِن المؤلَّفةِ قلوبُهم، وممَّن حَسُنَ إسلامُه منهم، أعتَقَ في الجاهليةِ مائةَ رَقَبةٍ، وحمَلَ على مِائةِ بعيرٍ، ثم أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بعدَ أن أسلَمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ أشياءَ كنتُ أفعلُها في الجاهليةِ أَتَحَنَّثُ بها، أَلِي منها (٥) أجرٌ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أسلَمْتَ على ما سَلَفَ لك مِن خيرٍ" (٦) .

  4. وحَجَّ في الإسلامِ ومعه مائةُ بَدَنةٍ قد جَلَّلَها بالحِبَرةِ، وكَفَّها عن أعجازِها، وأَهْدَاها، ووقَف بمائةِ وصِيفٍ بعرفةَ في أعناقِهم أطواقُ الفضةِ منقوشٌ (١) فيها: [عُتقاءُ للهِ] (٢) عن حكيمِ بنِ حِزامٍ، وأهدَى ألفَ شاةٍ.

    ج ٣ ص ٣٠٣
  5. [٤٨٩] حكيمُ بنُ طُلَيقِ بنِ سُفيانَ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عبدِ شمسٍ (٣) ، كان مِن المؤلَّفةِ قلوبُهم (٤) ، ذكَره أبو عبيدٍ عن ابنِ (٥) الكلبيِّ (٦) ، [وقال ابنُ الكلبيِّ] (٧) : دَرَجَ لا عَقِبَ له.

  6. [٤٩٠] حكيمُ بنُ حَزْنِ بنِ أبي وهبِ بنِ عمرِو بنِ عائذِ بنِ عِمْرانَ ابنِ مخزومٍ (٨) ، عمُّ سعيدِ بنِ المسيَّبِ بنِ حَزْنٍ أخو أبيه المُسَيَّبِ

    ج ٣ ص ٣٠٤ابنِ حَزْنٍ، أسلَم عامَ الفتحِ مع أبيه (١) ، وقُتِل يومَ اليمامةِ شهيدًا هو وأبوه حَزْنُ بنُ أبي وهبٍ المَخْرُوميُّ، هذا قولُ ابنِ إسحاقَ (٢) ، وقال أبو معشرٍ: استُشهِدَ يومَ اليمامةِ حَزْنُ بنُ أبي وهبٍ، وحكيمُ بنُ أبي وهبٍ (٣) ، فجعَلَ حكيمًا أخا حَزْنٍ فغَلِطَ، والصوابُ ما قاله ابنُ إسحاقَ، وكذلك قال الزبيرُ كما قال ابنُ إسحاقَ (٣) ، قال الزبيرُ: كان المُسيَّبُ بنُ حَزْنٍ وحكيمُ بنِ حَزْنٍ أَخَوَينِ لعَلَّاتٍ، كانت أمُّ حكيمِ بنِ حَزْنٍ فاطمةُ بنتُ السائبِ بنِ عُوَيمرِ بنِ عائذِ (٤) بنِ عِمْرانَ بنِ مخزومٍ، وأمُّ المُسَيَّبِ بنِ حَزْنٍ أمُّ الحارثِ بنتُ شُعبةَ، مِن بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ (٥) .

  7. [٤٩١] حكيمُ بنُ معاويةَ النُّمَيريُّ (٦) ، مِن بني نُمَيرِ بنِ عامِرِ بنِ صَعْصَعةَ، قال البخاريُّ: في صحبتِه نَظَرٌ (٧) .

    ج ٣ ص ٣٠٥قال أبو عمرَ رضي الله عنه : كلُّ مَن جمَعَ في الصحابةِ ذكَرَه فيهم، وله أحاديثُ منها: أنَّه سمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا شُؤْمَ، وقد يكونُ اليُمنُ في الدارِ والمرأةِ والفَرسِ" (١) .

    وقال ابنُ أبي حاتمٍ (٢) عن أبيهِ: حكيمُ بنُ معاويةَ النُّمَيريُّ (٣) له صحبةٌ، روَى عنه ابنُ أخيهِ (٤) معاويةُ بنُ حكيمٍ، وقتادةُ مِن روايةِ سعيدِ بنِ بشيرٍ (٥) ، عنه.

  8. [٤٩٢] حكيمٌ أبو معاويةَ بنِ حكيمٍ (٦) ، ذكَره ابنُ أبي خيثمةَ

    ج ٣ ص ٣٠٦في الصحابةِ (١) .

  9. وهو عندي غَلَطٌ وخطأٌ بَيِّنٌ، ولا يُعرَفُ هذا الرجلُ في الصحابةِ، ولم يذكُرْه أحدٌ غيرُه فيما علِمتُ، والحديثُ الذي ذكَرَه له هو حديثُ بهزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، وجَدُّه معاويةُ بنُ حَيْدةَ.

  10. حدَّثَناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، حدَّثنا ابنُ أبي خَيثَمةَ، قال: حدَّثنا الحَوطيُّ، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سِنَانٍ، عن يحيى بنِ جابرٍ الطَّائِيِّ، عن معاويةَ بنِ حكيمٍ، عن أبيه حكيمٍ أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، رَبُّنَا بِمَ أرسَلك؟ قال: "تَعْبُدُ اللهَ ولا تُشرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتِي الزَّكاةَ، كلُّ مُسلِمٍ مِن (٢) مُسلِمٍ مُحْرِمٌ (٣) ، هذا دِينُك، وأينَما تَكُنْ يَكْفِكَ" .

  11. هكذا ذكَرَه ابنُ أَبي خَيثَمةَ (٤) ، وعلى (٥) هذا الإسنادِ عَوَّلَ فيه،

    ج ٣ ص ٣٠٧وهو إسنادٌ ضعيفٌ، ومِن قِبَلِهِ أُتِيَ ابنُ أبي خَيثَمةَ فيه.

  12. والصَّوَابُ في هذا الحديثِ ما أخبَرَنا به يَعِيشُ بنُ سَعِيدٍ الوَرَّاقُ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ ابن محمدٍ البِرْتِيُّ (١) القاضي، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ المُقْعَدُ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بَهزُ بنُ حكيمِ بنِ معاويةَ بنِ حَيدَةَ القُشَيرِيُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن جدِّي، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما أَتَيتُك حَتَّى حَلَفْتُ أكثرَ مِن عددِ أولاءِ (٢) -وطَبَّقَ بينَ كَفَّيهِ إحداهما على الأُخرَى- ألَّا آتِيَكَ، ولا آتِيَ دينَك، فقد أَتَيتُك امرأً لا أَعقِلُ شيئًا إلَّا ما عَلَّمَنِي اللهُ، وإنِّي أسألُك بِوَجهِ اللهِ: بِمَ بَعَثَكَ رَبُّنا إلينا؟ قال: "بِدِينِ الإسلامِ" ، قال: وما دِينُ الإسلامِ؟ قال: "أن تقولَ: أَسلَمتُ وجهِيَ للهِ وَتَخَلَّيتُ (٣) ، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزَّكاةَ، كلُّ مسلمٍ على كلِّ مسلمٍ مُحْرِمٌ (٤) ، أَخَوَانِ نَصِيرَانِ، لا يقبلُ اللهُ ممّن أشرَك بعدما أسلَم عَمَلًا حتَّى يُفارِقَ المُشرِكِين، ما لِي أُمسِكُ بِحُجَزِكُم (٥) عن النَّارِ؟! أَلا وإنَّ رَبِّي دَاعِيَّ، وإنَّه سَائِلِي: هل بَلَّغتُ عِبَادَه (٦) . فأقُولُ: رَبِّ قد بَلَّغتُ، ألَا فَلَيُبَلِّغْ شَاهِدُكُم غَائِبَكُم، أَلَا ثُمَّ إنَّكم

    ج ٣ ص ٣٠٨تُدْعَونَ مُقَدَّمَةً (١) أَفَوَاهُكم بالفِدَامِ (٢) ، ثمَّ إنَّ أَوَّلَ شيءٍ يُنبِئُ عن أحدِكُم لَفَخِذُه وكَفُّه "، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذا دِينُنا؟ قال: " هذا دِينُك، وأينما تُحسِنُ يَكْفِكَ"، وذكَرَ تمامَ الحديثِ (٣) .

  13. فهذا هو الحديثُ الصحيحُ بالإسنادِ الثَّابِتِ المعروفِ، وإنَّما هو لمعاويةَ بنِ حيدَةَ لا لحكيمٍ (٤) أبي معاويةَ (٥) ، سُئِل يحيى بنُ مَعِينٍ، عن بَهزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، فقال: إسنادٌ صَحِيحٌ، وجَدُّه معاويةُ بنُ حَيْدَةَ (٦) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : ومَن دونَ بهزِ بنِ حكيمٍ في هذا الإسنادِ

    ج ٣ ص ٣٠٩فأئمةُ (١) حديثٍ (٢) .

  14. [٤٩٣] حَكيمُ - ويُقالُ: حُكَيمُ- بنُ جَبَلةَ (٣) ، وهو الأكثرُ، ويُقالُ: ابنُ جبلٍ، وابنُ جَبَلةَ أكثَرُ، العَبديُّ، مِن عبدِ القَيسِ، أدرَك النَّبِيَّ ﷺ ولا أعلَمُ له عنه روايةً ولا خبرًا يَدُلُّ على سماعِه منه، ولا رؤيتَه (٤) له، وكان رجلًا صالحًا له دينٌ، مُطاعًا في قومِه، وهو الذي بَعَثَه عثمانُ على (٥) السِّندِ فنَزَلَها، ثم قدِمَ على عثمانَ فسألَه عنها، فقال: ماؤُها وشَلٌ (٦) ، ولِصُّها بَطَلٌ، وسهلُها جَبَلٌ، إِن كَثُرَ الجندُ بها جَاعُوا، وإن قَلُّوا بها (٧) ضَاعُوا، فلم يُوجِّهْ عثمانُ إليها أَحَدًا حتى قُتِلَ (٨) .

  15. ثمَّ كان حَكِيمُ بنُ جَبَلَةَ هذا ممن يَعِيبُ عثمانَ مِن أجلِ عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ وغيرِه مِن عُمَّالِه.

  16. ولمَّا قدِمَ طلحةُ والزبيرُ وعائشةُ البصرةَ وعليها عثمانُ بنُ حُنَيفٍ واليًا لعليٍّ رضي الله عنه ، بَعَثَ عثمانُ بنُ حُنَيفٍ حَكِيمَ بنَ جَبَلَةَ العَبْدِيَّ في

    ج ٣ ص ٣١٠سبعِمائةٍ مِن عبدِ القيسِ وبكرِ بنِ وائلٍ، فلَقِيَ طلحةَ والزبيرَ بالزَّابُوقةِ قُرْبَ البصرةِ، فقاتَلَهم قِتالًا شديدًا فقُتِلَ، قَتَلَه رجلٌ مِن بني حُدَّانَ (١) .

  17. هذه روايةٌ في قتلِ حَكِيمِ بنِ جَبَلةَ، وقد رُوِي أنَّه لمَّا غَدَرَ ابنُ الزبيرِ بعثمانَ (٢) بنِ حُنَيفٍ بعدَ الصلحِ الذي كان عَقَده عثمانُ بنُ حُنَيْفٍ مع طلحةَ والزبيرِ أَتَاه ابنُ الزبيرِ ليلًا في القصرِ، فقَتَلَ نحوَ أربعينَ رجلًا مِن الزُّطِّ (٣) على بابِ القصرِ، وفتَحَ بيتَ المالِ، وأخَذ عثمانَ بنَ حُنَيفٍ فصَنَعَ به ما قد ذكَرْتُه في غيرِ هذا الموضعِ (٤) ، وذلك قبلَ قُدُومِ عليٍّ رضي الله عنه ، فبلَغَ ما صنَع ابنُ الزبيرِ بعثمانَ بنِ حُنَيفٍ حكيمَ بنَ جَبَلَةَ، فخَرَجَ في سبعِمائةٍ من ربيعةَ فقاتَلهم حتَّى أخرَجَهم مِن القصرِ، ثم كَرُّوا عليه فقاتَلَ حتَّى قُطِعتْ رِجْلُه، ثم قاتَلَ ورِجْلُه مقطوعةٌ حتى ضَرَبَه سُحَيمٌ الحُدَّانيُّ العُنُقَ (٥) فقَطَعَ عُنُقَه، واستَدَارَ رأسُه في جلدةِ عُنُقهِ حتى سَقَطَ وجهُه على قَفَاه.

    وقال أبو عُبيدةَ: قُطِعَتْ رِجْلُ حَكِيم بنِ جَبَلةَ يومَ الجملِ، فأخَذها ثم زَحَفَ إلى الذي قطَعها فلم يَزَلْ يضرِبُه بها حتى قتَله، وقال:

    ج ٣ ص ٣١١يا نفسُ لن تُرَاعِي

    [رعاكِ خيرُ راعِي] (١)

  18. إن قُطِعتْ كُرَاعِي

    [إنَّ مَعِي] (٢) ذِرَاعِي

    قال أبو عُبيدةَ: وليس يُعرفُ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ أحدٌ (٣) فعَل مثلَ (٤) فعلِه (٥) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : كذا قال أبو عبيدةَ: قُطِعتْ رِجْلُه يومَ الجملِ، وهذا منه على المُقاربةِ؛ لأنَّه كان (٦) قُتِلَ (٧) قبلَ (٨) يومِ الجملِ بأيامٍ،

    ج ٣ ص ٣١٢ولم يَكنْ عليٌّ رضي الله عنه لحِقَ حينَئذٍ، وقد عرَضَ لمعاذِ بنِ عمرِو بنِ الجَموحِ يومَ بدرٍ في قطعِ يدِه مِن الساعدِ قريبٌ مِن هذا، وقد ذكَرْنا ذلك في بابِه مِن هذا الكتابِ (١) .

  19. وذكَر المدائنيُّ، عن شيوخِه، عن أبي نَضْرَةَ العَبْدِيِّ، وابنِ شهابٍ الزُّهريِّ، وأبي بكرٍ الهُذَليِّ، وعامرِ بنِ حفصٍ، وبعضُهم يزيدُ على بعضٍ: أنَّ عثمانَ بنَ حُنَيفٍ لِمَا كَتَب الكتابَ بالصُّلحِ بينَه وبينَ الزبيرِ وطلحةَ وعائشةَ أن يَكُفُّوا عن الحربِ، ويَبْقَى هو في دارِ الإمارةِ خليفةً لعليٍّ على حالِه حتَّى يَقْدَمَ عليٌّ، فَيَرون رأيَهم، قال عثمانُ بنُ حُنَيْفٍ لأصحابِه: ارجِعوا وضَعوا سلاحَكم، فلمَّا كان بعدَ أيامٍ جاء (٢) عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ في ليلةٍ ذاتِ ريحٍ وظُلمةٍ وبَرْدٍ شَدِيدٍ، ومعه جماعةٌ مِن عسكرِهم، فطَرَقوا عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ في دارِ الإمارةِ فأخَذوه، ثم انتَهَوْا (٣) إلى بيتِ المالِ فوَجَدوا أُنَاسًا (٤) مِن الزُّطِّ يَحْرُسونَه، فقتَلوا منهم أربعينَ رجلًا، وأرسَلوا بما فعَلوه مِن أخذِ عثمانَ، وأخذِ ما في بيتِ المالِ إلى عائشةَ يَسْتَشِيرونَها في عثمانَ [بنِ حُنَيْفٍ] (٥) ، وكان الرسولُ إليها أبانَ بنَ عثمانَ، فقالت عائشةُ: اقتُلوا

    ج ٣ ص ٣١٣عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ، فقالت لها امرأةٌ: ناشَدْتُكِ اللهَ يا أمَّ المؤمنينَ في عثمانَ بنِ حُنَيفٍ وصُحبتِه لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقالت: رُدُّوا أَبَانًا، فَرَدُّوه، فقالت: احبِسوه ولا تَقْتُلوه، فقال أبانٌ: لو أعلمُ (١) أنَّك رَدَدْتَني لهذا لم أرجِعْ، وجاء فأخبَرهم، فقال لهم مجاشعُ بنُ مسعودٍ: اضرِبوه وانْتِفوا شَعَر لحيتِه، فضرَبوه أربعين سوطًا، ونَتَفوا شعَرَ لحيتِه وحاجِبَيه وأشفارَ عينِيه، فلمَّا كان الليلةُ التى أُخِذَ فيها عثمانُ بنُ حُنيفٍ غَدا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ إلى الزَّابُوقَةِ ومدينةِ الرِّزْقِ (٢) وفيها طعامٌ يَرْزُقونَه الناسَ، فأرادَ أن يَرْزَقَه أصحابَه، وبَلَغَ حَكِيمَ بنَ جَبَلةَ ما صُنِعَ بعثمانَ بنِ حُنَيْفٍ، فقال: لستُ أخاه إن لم أَنصُرْه، فجاء في سبعِمائةٍ مِن عبدِ القيسِ وبكرِ بنِ وائلٍ، وأكثرُهم عبدُ القيسِ، فأتَى ابنَ الزبيرِ في مدينةِ الرِّزْقِ، فقال: ما لك يا حكيمُ؟ قالَ (٣) : نُريدُ أن نَرتَزِقَ (٤) مِن هذا الطعامِ، وأن تُخَلُّوا عثمانَ بنَ حُنَيفٍ فيقيمَ في دارِ الإمارةِ على ما كنتُم كتبْتُم بينَكم وبينَه حتَّى يَقْدَمَ عليٌّ عَلَى ما تَراضَيتُم (٥) عليه، وايْمُ اللهِ لو أَجِدُ أعوانًا عليكم ما رَضِيتُ بهذا منكم حتَّى أَقْتُلَكم بمَن قَتَلتُم، ولقد أصبحْتُم وإن دماءَكم لحلالٌ بمَن قَتَلتُم مِن إخوانِنا، أمَا

    ج ٣ ص ٣١٤تَخافُونَ اللهَ؟ بِمَ تَسْتَحِلُّون الدماءَ؟ قالوا: بدمِ عثمانَ، قال: فالذين قَتَلتُموهم قتَلوا عثمانَ أو حضَروا قتلَه؟ أمَا تَخافون اللهَ؟ فقال ابنُ الزبيرِ: لا نرزُقُكم مِن هذا الطعامِ، ولا نُخَلِّي عثمانَ حتَّى نخلَعَ عَلِيًّا، فقال حَكِيمٌ: اللهمَّ اشْهَدْ، اللهمَّ اشهَدْ، وقال لأصحابِه: إنِّي لستُ في شَكٍّ مِن قتالِ هؤلاءِ، فمَن كان في شَكٍّ فلينصرِفْ، فقَاتَلَهم فاقْتَتَلوا قِتالًا شديدًا، وضرَب رجلٌ ساقَ حَكِيمٍ فقطَعَها، فَأَخَذَ حَكِيمٌ الساقَ فَرَمَاه بها فأصابَ عُنُقَه فصرَعه ووَقَذَه، ثم حَجَلَ إليه فقَتَله، وقُتِل يومَئِذٍ سبعونَ رجلًا مِن عبدِ القيسِ (١) .

  20. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٣١٥