باب معاذ
٣٥ فقرة، ج ٤ ص ٣٦٨
- ج ٤ ص ٣٦٨
[١٠٠٦] معاذُ بنُ جبلِ بن عمرِو بن أوسِ بن عائذِ بن عَدِيِّ بن كعبِ بن عمرِو بن أُدَيِّ (١) بن سعدِ بن عليِّ بن أسدِ بن سارِدةَ (٢) بن تزيدَ (٣) بن جُشَمَ بن الخَزْرجِ الأنصاريُّ الخَزْرَجِيُّ الجُشَمِيُّ (٤) ، يُكنَى أبا عبدِ الرحمنِ، وقد نسَبه بعضُهم في بني سَلِمةَ بن سعدِ بن عَلِيٍّ.
وقال ابن إسحاقَ (٥) : معاذُ بنُ جبلٍ مِن بني جُشَمَ بن الخَزْرِجِ، وإِنَّما ادَّعَتْه بنو سَلِمَةَ؛ لأنَّه كان أخا سهلِ بن محمدِ بن الجَدِّ بن قيسٍ لأُمِّه.
- ج ٤ ص ٣٦٩
ذكَر الزُّبَيْرُ، عن الأثرمِ، عن ابن الكلبيِّ، عن أبيه، قال: رهطُ معاذِ بن جبلٍ بنو أُدَيِّ بن سعدٍ أخي سَلِمةَ بن سعدِ (١) بن الخَزْرِجِ (٢) .
قال: ولم يَبْقَ مِن بني أُدَيٍّ أحدٌ، وعِدادُهم في بني سَلِمةَ، وكان آخِرَ مَن بَقِي منهم [عبدُ الرحمنِ بنُ] (٣) معاذِ بن جَبَلٍ؛ ماتَ بالشامِ في الطاعونِ فانقَرَضُوا (٤) .
قال الواقديُّ، وغيرُه: كان معاذُ بنُ جَبَلٍ طِوَالًا، حَسَنَ الشَّعَرِ، عظيمَ العَيْنَينِ، أبيضَ، بَرَّاقَ الثَّنَايَا، لم يُولَدْ له قَطُّ (٥) .
قال أبو عمرَ رضي الله عنه : قد قيل: إِنَّه وُلِدَ له وَلَدٌ يُسمَّى عبدَ الرحمنِ، وإنَّه قاتَل معه يومَ اليَرْموكِ، وبه كان يُكنَى، ولم يَخْتلِفوا أنَّه كان يُكنى أبا عبدِ الرحمنِ، وهو أحدُ السبعينَ الذين شهِدوا العَقَبةَ مِن الأنصارِ، وآخَى رسولُ اللهِ ﷺ بينَه وبينَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال الواقديُّ: هذا ما لا اختلافَ فيه عندَنا (٦) ، وقال ابن إسحاقَ (٧) : آخَى رسولُ اللهِ ﷺ
ج ٤ ص ٣٧٠بينَ معاذِ بن جبلٍ وبينَ جعفرِ بن أبي طالبٍ.
-
شهِد العَقَبةَ وبدرًا والمَشاهِدَ كلَّها، وبَعَثَهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ قاضيًا إلى الجَنَّدِ مِن اليمنِ، يُعَلِّمُ الناسَ القرآنَ وشَرائِعَ الإسلامِ، ويقضِي بينَهم، وجَعَلَ إليه قبضَ الصَّدَقَاتِ مِن العُمَّال الذين باليمنِ، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد قَسَّم اليمنَ على خمسةِ رجالٍ: خالدَ بنَ سعيدٍ على صنعاءَ، والمُهاجِرَ بنَ أبي أُمَيَّةَ على كِنْدةَ، وزيادَ بنَ لبيدٍ على حَضْرَموتَ، ومعاذَ بنَ جبلٍ على الجَنَدِ، وأبا (١) موسى الأَشْعَرِيَّ على زَبِيدٍ، [وزَمْعَةَ] (٢) ، وعَدَنَ، والسَّاحِلِ.
-
وقال رسولُ اللهِ ﷺ لمعاذِ بن جبلٍ حينَ وَجَّهَه إلى اليمنِ: "بِمَ تَقْضِي؟ " ، قال: بما في كتابِ اللهِ، قال: "فإنْ لم تَجِدْ؟ " ، قال: بما في سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ، قال: "فإن لم تَجِدْ؟ " ، قال: أجتهِدُ رَأْيِي، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الحمدُ لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ اللَّهِ لِمَا يُحِبُّ رسولُ اللَّهِ" (٣) .
ج ٤ ص ٣٧١قال ابن إسحاقَ (١) : والذين كَسَروا آلهةَ بني سَلِمةَ معاذُ بنُ جبلٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ، وثَعْلبةُ بنُ عَنَمةَ (٢) .
وقال رسولُ اللهِ ﷺ : [أعلَمُهم (٣) بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ " (٤) .
وقال (٥) ﷺ ] (٦) : "يأتي معاذُ بنُ جبلٍ يومَ القيامةِ أمامَ العلماءِ برتْوةٍ (٧) ".
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسمِ، حدَّثنا ابن المُفَسِّرِ، حَدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن
ج ٤ ص ٣٧٢أبيه، قال: كان معاذٌ رجلًا شابًا جميلًا مِن أفضلِ شبابِ (١) قومِه، سَمْحًا لا يُمْسِكُ، فَلَمْ يَزَلْ يَدَّانُ حتَّى أُغْلِقَ مَالُهِ (٢) كلُّه مِن الدَّيْنِ، فأتَى النبيَّ ﷺ ، فطَلَبَ إليه أنْ يَسْأَلَ غُرَماءه أنْ يَضَعُوا له، فأَبَوْا، ولو ترَكوا لأحدٍ مِن أجْلِ أحدٍ لَتَرَكُوا لِمُعَاذٍ مِن أَجْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَاعَ النبيُّ ﷺ مالَه كلَّه في دَيْنِه، حتَّى قام معاذٌ بغيرِ شيءٍ (٣) ، حتَّى إذا كان عامُ فتحِ مكَّةَ بعَثه النبيُّ ﷺ إلى طائفةٍ مِن أهلِ اليمنِ لِيَجْبُرَه، فَمَكَثَ معاذٌ باليمنِ أميرًا، وكان أَوَّلَ مَن تَجِر (٤) في مالِ اللهِ هو، فمَكَثَ حتَّى أصابَ، وحتَّى قُبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فلَمَّا قدِم قال عمرُ لأبي بكرٍ: أرسِلْ إلى هذا الرجلِ فَدَعْ له ما يُعَيِّشُه، وخُذْ سائرَه منه، فقال أبو بكرٍ: إِنَّما بَعَثَه النبيُّ ﷺ ليجبُرَه (٥) ، ولَسْتُ بِآخِذ منه شيئًا إِلا أَنْ يُعطيني، فانْطَلَقَ عمرُ إليه؛ إذ لم يُطِعْه أبو بكرٍ، فذكَر ذلك لمعاذٍ، فقال معاذٌ: إنَّما أرسَلَني النبيُّ ﷺ لِيَجْبُرَني، ولَسْتُ بفاعلٍ، [ثمَّ لقِيَ] (٦) معاذٌ عمرَ، فقال: قد (٧) أَطَعْتُك وأنا فاعلٌ ما أمَرْتَنِي به؛ إِنِّي (٨) رأيتُ في
ج ٤ ص ٣٧٣المَنامِ أنِّي في حَوْمةِ ماءٍ قد خَشِيتُ الغَرَقَ، فَخَلَّصْتَنِي منه يا عمرُ، فَأَتَى معاذٌ أبا بكرٍ، فذكَر ذلك له، وحلَف [له أنَّه لا يكتُمُه] (١) شيئًا، فقال أبو بكرٍ: لا آخُذُ منك شيئًا، قد وَهَبْتُه لك، فقال عمرُ: هذا [حِينَ حَلَّ وطابَ] (٢) ، فخرَج معاذٌ عندَ ذلك إلى الشامِ (٣) .
وقال المَدَائِنِيُّ: ماتَ معاذُ بنُ جبلٍ بناحيةِ الأُرْدُنِّ في طاعونِ عَمَوَاسَ سنةَ ثَمَانِ عَشرةَ، وهو ابن ثمانٍ وثلاثينَ سنةً (٤) ، قال: ولم يُولَدْ له قَطُّ (٥) ، كما قال الواقِدِيُّ، وذكَر أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ أنَّه ماتَ وهو ابن ثمانٍ وعشرينَ سنةً (٦) .
-
حدثنا أحمدُ بنُ فتحٍ (٧) ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن زكريَّا النَّيْسابُورِيُّ، حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ البَصْرِيُّ، حدَّثنا الحسينُ بنُ
ج ٤ ص ٣٧٤نصرٍ (١) ، عن أحمدَ بنَ صالحٍ المصْرِيِّ، قال: تُوفِّيَ معاذُ بنُ جبلٍ وهو ابن ثمانٍ وثلاثينَ سنةً.
وقال غيرُه: كانتْ سِنُّه يومَ ماتَ ثلاثًا وثلاثينَ سنةً.
قال أبو عمرَ رضي الله عنه : كان عمرُ رضي الله عنه قد اسْتَعْمَله على الشامِ إذ ماتَ أبو عُبَيدةَ، فماتَ مِن عامِه ذلك في ذلك الطَّاعونِ، فَاسْتَعْمَلَ موضِعَه عمرَو بنَ العاصي، وعَمَواسُ: قريةٌ بينَ الرَّمْلِةِ وبيتِ المَقْدِسِ (٢) .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسمِ، [حدَّثنا أبو] (٣) الميمونِ، حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثني (٤) محمدُ بنُ عائذٍ، عن أبي مُسْهِرٍ، قال: قرأتُ في كتابِ
ج ٤ ص ٣٧٥يزيدَ بن عُبَيدةَ: تُوُفِّيَ معاذُ بنُ جبلٍ وأبو عُبَيدةَ سنةَ سبعَ عَشْرةَ (١) .
قال أبو زُرعةَ (٢) : قال لي أحمدُ بنُ حنبلٍ: كان طاعونُ عَمَواسَ سنةَ ثَمَانِ عَشْرةَ، وفيه مات معاذٌ وأبو عُبَيدةَ، قال (٣) أبو زرعةَ (٤) : كان الطاعونُ سنةَ سبعَ عَشْرَةَ وثَمَانِ عَشرةَ، وفي سنةِ سبعَ عَشْرَةَ رجَع عمرُ مِن سَرْغَ (٥) بجيشِ المسلمين؛ لئلا يُقْدِمَهم على الطاعونِ، ثمَّ عاد في العامِ المقبلِ سنةَ ثَمَانِ عَشرةَ حَتَّى أتَى الجابيةَ (٦) ، فاجتَمَعَ إليه المسلمون، فَجَنَّدَ (٧) ، ومَصَّرَ الأمصارَ، وفرَض الأَعْطِيةَ والأرزاقَ، ثمَّ قَفَلَ إلى المدينةِ فيما حدَّثني دُحَيمٌ عن الوليدِ بن مسلمٍ.
-
[وذكرَ دُحَيمٌ، عن الوليدِ بن مسلمٍ] (٨) ، عن المُوَقَّرِيّ (٩) ، عن
ج ٤ ص ٣٧٦الزُّهْرِيِّ، قال: أصابَ الناسَ طاعونٌ بالجابِيةِ، فقام عمرُو بنُ العاصِي، فقال: تَفَرَّقُوا عنه؛ فإنَّما هو بمنزلةِ نارٍ، فقام معاذُ بنُ جبلٍ، فقال: لقد كُنْتَ فِينا ولأنتَ أَضَلُّ مِن حمارِ أهلِك، سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "هو رَحْمَةٌ لهذه الأُمَّةِ" ، اللَّهُمَّ فَاذْكُرْ وآلَ معاذٍ فيمَنْ تَذْكُرُه بهذه الرَّحْمةِ (١) .
-
روَى عن معاذِ بن جبلٍ مِن الصحابةِ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بن العاصي، [وعبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ] (٢) ، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوفَى، وأنسُ بنُ مالكٍ، وأبو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، وأبو قتادةَ الأنصارِيُّ، وأبو ثَعْلبةَ الخُشَنِيُّ، وعبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ العَبْشَمِيُّ، وجابرُ بنُ سَمُرَةَ السُّوَائِيُّ.
-
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سلمانَ (٣) النَّجَّادُ ببغدادَ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: قُبِضَ معاذُ بنُ جبلٍ وهو ابن ثلاثٍ أو أربعٍ وثلاثينَ سنةً (٤) .
- ج ٤ ص ٣٧٧
روَى (١) الثوريُّ، عن ثورِ بن يزيدَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، يقولُ: حَدِّثونا (٢) عن العَاقِلَينِ العالِمَينِ (٣) ، قال: مَن هُما؟ قال (٤) : معاذُ بنُ جبلٍ وأبو الدَّرْداءِ (٥) .
-
وروَى الشعبيُّ، عن فَرْوةَ (٦) الأشجَعِيِّ ومسروقٍ، ولفظُ الحديثِ لِفَرْوَةَ الأَشْجَعيِّ، قال: كنتُ جالِسًا مع ابن مسعودٍ، فقال: إن معاذًا كان أُمَّةً قانِتًا للهِ حَنِيفًا ولم يَكُ مِن المُشرِكين، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] ، فأعادَ قولَه: إِنَّ مُعاذًا، فلمَّا رأيتُه أعاد عَرَفتُ أَنَّه تَعَمَّدَ الأَمرَ، فَسَكَتُّ، فقال: أتدرِي ما الأُمَّةُ؟ وما القانِتُ؟ قلتُ: اللهُ أعلمُ، قال: الأُمَّةُ الذي يُعَلِّمُ الخيرَ ويُؤْتَمُّ به ويُقْتَدى، والقانِتُ المُطِيعُ لله، وكذلك كان
ج ٤ ص ٣٧٨معاذُ بنُ جبلٍ مُعَلِّمًا للخيرِ مُطِيعًا للهِ ولرسولِه (١) .
-
[١٠٠٧] معاذُ بنُ عمرِو بن الجَموحِ بن زيدِ (٢) بن حرامِ بن كعبِ بن غَنْمِ بن كَعَبِ بْنِ سَلِمةَ بن سعدِ بن عليِّ بن أَسَدِ بن سارِدةَ بن تزيدَ (٣) بن جُشَمَ بن الخَزْرِجِ السَّلَمِيُّ الخَزْرجِيُّ الأنصارِيُّ (٤) ، شهِد العقبةَ وبدرًا هو وأبوه عمرُو بنُ الجَموحِ، وَقُتِل عمرُو بنُ الجَموحِ يومَ أُحُدٍ، وأَمَّا معاذُ بنُ عمرِو بن الجَموحِ، فذكر ابن هشام (٥) ، عن زيادٍ، عن ابن إسحاقَ، أنَّه الذي قطَع رِجْلَ أبي جهلِ بن هشامٍ، وصرَعه، قال: وضرَب ابنُه عكرمةُ بنُ أبي جهلٍ يدَ مُعاذٍ فطرَحها، ثمَّ ضرَبه مُعَوِّذُ بن عَفْراءَ حتَّى أثبَته، ثمَّ ترَكه وبه رَمَقٌ، ثمَّ ذَفَّفَ (٦) عليه عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، واحتَزَّ رأسَه حينَ أَمره رسولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَلْتَمِسَ
ج ٤ ص ٣٧٩أبا جهلٍ في القَتْلَى.
قال ابن إسحاقَ: كما (١) حدَّثني ثورُ بنُ يزيدَ (٢) ، عن عكرمةَ، عن ابن عَبَّاسٍ - وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرٍ قد حدَّثني بذلك أيضًا - قالا: قال معاذُ بنُ عمرِو بن الجَمُوحِ أحدُ بني سَلِمةَ: سَمِعتُ القومَ وأبو جهلٍ في مثلِ الحَرَجَةِ - قال ابن هشامٍ: الحَرَجةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ - وهُم يقولون: أبو الحَكَمِ (٣) لا يُخْلَصُ إليه، قال: فَلَمَّا سَمِعْتُها جَعَلْتُه مِن شأنِي، فصَمَدْتُ (٤) نحوَه، فلَمَّا أَمْكَنَني حَمَلْتُ عليه فَضَرَبْتُه ضَرْبةً أَطَنَّتْ (٥) قَدَمَه بنِصْفِ ساقِه، فواللهِ ما شَبَّهتُها حينَ طَاحَتْ إلا بالنَّوَاةِ تَطِيحُ مِن تحتِ مِرْضَخةِ (٦) النَّوَى، قال: وضرَبني ابنُه عكرمةُ على عَاتِقِي فطرَح يَدِي، فتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ مِن جَنْبِي، وأَجْهَضَنِي القتالُ (٧) ؛ فلَقَدْ قاتَلْتُ عامَّة نهارِي وإنِّي لأسحَبُها خَلْفِي، فلمَّا آذَتْني وَضَعْتُ عليها قَدَمِي، ثمَّ تَمَطَّيْتُ بها حتَّى طَرَحْتُها.
قال ابن إسحاقَ: ثمَّ عاشَ بعدَ ذلك حتَّى كان زمانُ عثمانَ.
ج ٤ ص ٣٨٠قال: ثمَّ مَرَّ بأبي جهلٍ وهو عَقِيرٌ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ، فضربه حَتَّى أثبَتَه، فتَرَكَه وبه رَمَقٌ، وقاتَل مُعَوِّذُ بن عَفْراءَ حَتَّى قُتِل يومئذٍ، ومَرَّ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ بأبي جهلٍ فأجهَز عليه، وأخَذ رأسَه.
-
هكذا ذكَر ابن إسحاقَ هذا الخبرَ في السِّيرِ مِن روايةِ ابن هشامٍ، عن زيادٍ (١) البَكَّائِيِّ، عنه، لمعاذِ بن عمرِو بن الجَموحِ، وذكَرَه ابن إدريسَ، عن ابن إسحاقَ لمُعاذِ بن عَفْراءَ (٢) واللهُ أعلمُ.
-
وقد ذكَر ابن سَنْجَرَ (٣) ، عن موسى بن إسماعيلَ، عن يوسفَ بن يعقوبَ الماجِشُونِ، عن صالحِ بنِ إبراهيمَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: بينَما أنا وَاقِفٌ في الصَّفِّ يومَ بدرٍ فإذا أنا بينَ غُلامَيْنِ مِن الأنصارِ حدِيثةٍ أسنانُهما، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكونَ بينَ أَضْلَعَ (٤) منهما، فَغَمَزَنِي أحدُهما، فقال: يا عَمِّ، أَتَعْرِفُ أَبا جهلٍ؟ قلتُ: نَعَمْ، وما حاجتُك إليه يا ابنَ أخي؟ قال: أُنْبِئْتُ أَنَّه يَسُبُّ رسولَ اللهِ ﷺ ، والذي نفسي بيدِه، لو رأيتُه لا يُفارِقُ سَوَادِي سَوَادَه حتَّى يُقتلَ الأعجلُ مِنَّا موتًا، قال: فعَجِبْتُ، وغَمَزَنِي الآخَرُ، فقال مِثْلَها، فلَمُ ألبَثْ أن نَظَرتُ إلى أبي جهلٍ يَجُولُ في النَّاسِ، فقلتُ: أَلَا
ج ٤ ص ٣٨١تَرَيَانِ؟ هذا صاحِبُكما (١) الذي تَسْأَلانِ عنه، فابْتَدَاره بأسْيافِهِما فضرَباه حتَّى قتَلاه، ثمَّ انصَرَفا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخبَراه، فقال: "أَيُّكُما قتَله؟ " ، فقال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قَتَلْتُه، قال: "هل مَسَحْتُما سَيْفَيْكُما؟ " ، قالا: لا، فنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فقال: "كِلاكُما قتَله" ، وقضَى بِسَلَبِه لِمُعَاذِ بن عمرِو بن الجَمُوحِ [أحدِ بني سلِمَةَ] (٢) ، والآخَرُ معاذُ بن عَفْرَاءَ (٣) .
-
ماتَ معاذُ بنُ عمرِو بن الجَمُوحِ في خلافةِ عثمانَ.
-
[١٠٠٨] معاذُ بن عَفْراءَ (٤) ، نُسِبَ إلى أُمِّه عَفْراءَ بنتِ عُبَيدِ بن ثَعلبةَ بن عُبَيدِ بن ثَعْلَبَةَ بن غَنْمِ بن مالكِ بن النَّجَارِ، وهو معاذُ بنُ الحارثِ بن رفاعةَ بن سَوَاد، هكذا قال ابن إسحاقَ (٥) ، وقال ابن هشامٍ (٥) : هو معاذُ بنُ الحارثِ بن [عَفْراءَ بن الحارثِ بن] (٦) سَوَادِ بن
ج ٤ ص ٣٨٢مالكِ بن غَنْمِ بن مالكِ بن النَّجَّارِ (١) .
وقال موسى بنُ عقبةَ: معاذُ بنُ الحارثِ بن رفاعةَ بن الحارثِ، شهِد بدرًا هو وأخواه عوفٌ ومُعَوِّذٌ بنو عَفْراءَ، وهم بنو الحارثِ بن رفاعةَ (٢) .
-
وقُتِل عوفٌ ومُعَوِّذٌ ببدرٍ شهيدَيْنِ، وشهِد معاذٌ بعدَ بدرٍ أُحُدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها في قولِ بعضِهم، وبعضُهم يقولُ (٣) : إنَّه جُرح يومَ بدرٍ؛ جرحَه ابن ماعِصٍ أحدُ بني زُرَيقٍ، فماتَ مِن جِرَاحتِه بالمدينةِ، كذا ذكَره خليفةُ (٤) ، وذكَر ابن إدريسَ عن ابن إسحاقَ أنَّه عاشَ إلى زمنِ عثمانَ (٥) ، وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ (٦) : ماتَ معاذُ بن عَفْراءَ في خلافةِ عليِّ بن أبي طالبٍ.
وقال الواقِدِيُّ: يُروَى أنَّ معاذَ بنَ الحارثِ ورافعَ بنَ مالكٍ الزُّرَقِيَّ
ج ٤ ص ٣٨٣أَوَّلُ مَن أسلمَ مِن الأنصارِ بمكةَ، ويُجعلُ معاذٌ هذا [في النَّفرِ الثمانيةِ الذين أسلَموا أَوَّلَ مَن أسلَم مِن الأنصارِ بِمَكَّةَ، ويُجعَلُ] (١) في [السِّتَّةِ النَّفَرِ] (٢) الذين يُروَى أَنَّهم أَوَّلُ مَن لقِي رسولَ اللهِ ﷺ مِن الأنصارِ فأسلَموا، لم يَتَقَدَّمُهم أَحَدٌ (٣) .
وقال الواقدِيُّ: وأمرُ السِّتَّةِ أثبتُ الأقاويلِ عندَنا (٣) .
قال: وآخَى رسولُ اللهِ ﷺ بينَ معاذِ بن الحارثِ بن عَفْراءَ ومَعْمَرِ بن الحارثِ (٣) .
قال الواقِدِيُّ: وتُوفِّي معاذُ بنُ الحارثِ بعدَ قتلِ عثمانَ أيامَ حربِ عليٍّ ومعاويةَ (٣) .
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ بُهْلُولٍ، قال: حدَّثنا ابن إدريسَ، عن ابن إسحاقَ، قال: وحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ ورجلٌ (٤) آخَرُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال معاذُ بن عَفْرَاءَ: سَمِعتُ القومَ وهُمْ في مثلِ الحَرَجَةِ، وأبو جهلٍ فيهم، وهُمْ يقولون: أبو الحَكَمِ لا
ج ٤ ص ٣٨٤يُخْلَصُ إليه، قال: فَلَمَّا سَمِعْتُها جَعَلْتُه مِن شَأْنِي، فَقَصَدْتُ نحوَه، فلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عليه فَضَرَبْتُه ضَرْبةً، فَطَنَّتْ قَدَمُه بنصفِ ساقِه، وضَرَبَنِي ابنُه عكرمةُ على عاتِقِي فطرَح يَدِي، فَتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ مِن جَنْبِي، وأَجْهَضَني القتالُ عنه، ولقد قاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي وإِنِّي لأَسْحَبُها خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عليها قَدَمِي، ثمَّ تَمَطَّيْتُ (١) بها حتَّى طَرَحْتُها، ثم عاشَ حتَّى كان زمنُ عثمانَ (٢) .
-
هكذا ذكَر ابن أبي خَيْثمةَ هذا الخبرَ بالإسنادِ المذكورِ عن ابن إسحاقَ لمعاذِ بن عَفْراءَ، وذكَره عبدُ الملكِ بنُ هشامٍ، عن زيادٍ، عن ابن إسحاقَ لمعاذِ بن عمرِو بن الجَموحِ (٣) ، فاللهُ أعلمُ.
-
وأَصَحُّ مِن هذا كُلِّه - والله أعلمُ - ما رواه أبو خَيْثمةَ زهيرُ بنُ معاويةَ، عن سليمانَ التَّيْمِيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ (٤) النبيَّ ﷺ قال يومَ بدرٍ: "مَن يَنْظُرُ ما صنَع أبو جَهْلٍ؟ " ، فانطلَق ابن مسعودٍ فوجَده قد ضرَبه ابنا عَفْراءَ حتَّى بَرَدَ (٥) .
- ج ٤ ص ٣٨٥
وصَحَّ أيضًا عن ابن مسعودٍ أنَّه وجَده يومَئِذٍ وبه رَمَقٌ، فأجهَزَ عليه، وأخَذ سيفَه وبه أجهَز عليه، فَنَفَّلَه رسولُ اللَّهِ ﷺ إيَّاه (١) .
-
ولمعاذِ بنِ عَفْراءَ عن النبيِّ ﷺ روايةٌ في النهيِ عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ (٢) .
-
ماتَ معاذُ بنُ عَفْراءَ في خلافةِ عليِّ بن أبي طالبٍ.
-
[١٠٠٩] معاذُ بنُ زُرَارَةَ بن عمرِو بن عَدِيِّ بن الحَارِثِ بن مُرَّ بن ظفَرٍ الأنصارِيُّ الظَّفَرِيُّ (٣) ، شهد أُحُدًا هو وابناه أبو نَمْلةَ وأبو ذَرَّةَ (٤) .
-
[١٠١٠] معاذُ بنُ ماعصِ (٥) بن قيسِ بن خَلَدَةَ بن عامرِ بن زُرَيَقٍ الأنصارِيُّ الزُّرَقِيُّ (٦) ، شهِد بدرًا وأُحُدًا، وقُتِل يومَ بئرِ معونةَ في قولِ
ج ٤ ص ٣٨٦الواقديِّ (١) ، وقال غيرُه: إنَّه جُرِحَ ببدرٍ وماتَ مِن جُرْحِه ذلك بالمدينةِ، وكان فارِسًا، أعطاه رسولُ اللَّهِ ﷺ فرسَ أَبي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ؛ إذ سقَط عنها أبو عَيَّاشٍ، في خبرٍ ذكَره ابن إسحاقَ (٢) ، وقيل: بل أَعْطاها أخاه عائذَ بنَ ماعِصٍ (٣) .
-
[١٠١١] معاذُ بنُ مَعْدانَ (٤) ، روَى عن النبيِّ ﷺ أن قُطْبةَ بنَ جَرِيرٍ (٥) أتِى النبيَّ ﷺ فأسلَم وبايَعه (٦) ، روَى عنه عمرانُ بن حُدَيرٍ، قيل: إن حديثه مرسلٌ.
-
[١٠١٢] معاذُ بنُ أنسٍ الجُهَنِيُّ (٧) ، معدودٌ في أهلِ مصرَ،
ج ٤ ص ٣٨٧هو (١) والدُ سهلِ بن معاذٍ، وسهلُ بنُ معاذٍ لَيِّنُ الحديثِ، إلَّا أَنَّ أحاديثَه حِسَانٌ في الرَّغائبِ والفضائلِ.
-
[١٠١٣] معاذُ بنُ الحارثِ الأنصارِيُّ (٢) ، مِن بني النَّجَّارِ، شهِد الخندقَ، [وقد قيل: إنَّه لم يُدْرِكْ مِن حياةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا سِتَّ سنينَ] (٣) ، يُكنى أبا حَليمةَ، وقال الطبريُّ: يُكنَى أبا الحارثِ (٤) ، يُعرفُ بالقارِئَ، مَدَنيٌّ.
-
روَى عنه عِمْرانُ بنُ أبي أنسٍ، غلَب عليه معاذٌ القارِئُ، وعُرِف بذلك، وهو الذي أقامَه عمرُ بنُ الخطابِ فيمَن أقامَ في شهرِ رمضانَ ليُصَلِّيَ التَّراويحَ، وكان ممن شهِد يومَ الجسرِ مع أبي عُبَيدٍ، فَفَرَّ حِينَ فَرُّوا، فقال عمرُ: أنا لهم فئةٌ (٥) .
- ج ٤ ص ٣٨٨
روَى عنه نافعٌ، وسعيدٌ المَقْبُرِيُّ، وعبدُ اللهِ بنُ الحارثِ البَصْرِيُّ (١) .
-
قُتِل يومَ الحَرَّةِ سنةَ ثلاثٍ وستينَ (٢) .
-
[١٠١٤] معاذٌ أبو زُهَيْرٍ الثَّقَفِيُّ (٣) ، هو وَالِدُ أَبي بكرِ بن أَبِي زُهَيْرٍ، واسمُ أبي زُهَيْرٍ معاذٌ، حديثُه عن النبيِّ ﷺ : "يُوشِكُ أَن تَعْلَموا أَهلَ الجنةِ مِن أهلِ النارِ بالثَّنَاءِ [السَّيِّيءُ مِن الحسنِ] (٤) " (٥) .
- ج ٤ ص ٣٨٩
[١٠١٥] معاذُ بنُ عثمانَ، أو عثمانُ بنُ معاذٍ، القُرَشِيُّ التَّيمِيُّ (١) ، هكذا قال ابن عُيَينةَ، عن ابن قيسٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارثِ التّيمِيِّ، عن رجلٍ مِن قومِه، يُقالُ له: عثمانُ بنُ معاذٍ أو معاذُ بنُ عثمانَ، مِن بني تَيْمٍ، أَنَّه سمِع رسولَ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُ الناسَ مناسكَهم، فكان فيما قال لهم: "فارْمُوا (٢) الجَمْرة بمثلِ حَصَى الخَذْفِ" (٣) .
- ج ٤ ص ٣٩٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .