باب الذال

١٦ فقرة، ج ٨ ص ١٣٤

  1. [٢٨٨٣] أبو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ (١) ، ويُقالُ: أبو الدَّرِّ، والأَوَّلُ أكثرُ وأشهرُ، واختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا؛ فقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنادة (٢) ، وهو أكثرُ وأَصَحُّ ما قيل فيه إن شاء الله، وقيل: بُرَيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وبُرَيرُ بنُ جُنادةَ، وبُرَيرُ بنُ عِشْرَقةَ، وقيل: بُرَيرُ بنُ جُنْدَبٍ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ سَكَنٍ.

    ج ٨ ص ١٣٤
  2. والمشهورُ: جُنْدَبُ بنُ جُنادةَ بن قيسِ بن عمرِو بن مُلَيلِ بن صُعَيرِ بن حرامِ بن غِفَارٍ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنَادةَ بن عُبيد بن الواقفة بن حرام (٣) بن غِفَارِ بن مُلَيلِ بن ضمرةَ بن كِنانةَ بن خُزَيمةَ بن مُدْرِكةَ بن إلياس بن مُضَرَ بن نزارٍ الغِفَارِيُّ، وأُمُّه رَمْلَةُ بنتُ (٤) الوَقِيعةِ (٥) ، مِن بني غِفَارِ بن مُلَيلٍ أيضًا.

  3. [وكان أبو ذرٍّ] (١) من كبارِ الصَّحابة قديم الإسلام، يُقالُ: أسلم بعد أربعةٍ، فكان (٢) خامسًا، ثم انصرف إلى بلادِ قومه، فأقام بها حتَّى قدم على (٣) النبي ﷺ المدينة (٤) ، وله في إسلامه خبرٌ حسنٌ رُوِي (٥) مِن حديث ابن عَبَّاسٍ عنه، ومن حديث عبدِ اللهِ بن الصَّامِتِ عنه (٦) .

    ج ٨ ص ١٣٥
  4. فأما حديث عبدِ اللهِ بن عَبَّاسٍ، فأخبرنا أبو محمد عبدُ اللَّهِ بنُ محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ بكرِ بن دَاسَةَ، قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون، قال: حدثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدثنا المُثَنَّى بن سعيدٍ، عن أبي جَمْرة (٧) ، عن ابن عَبَّاس، قال: لَمَّا بَلَغ أبا ذَرّ مَبْعَثُ النبيِّ ﷺ بمكة، قال لأخيه أُنيس: ارْكَبُ إلى هذا الوادي، [واعلَمْ] (٨) لي عِلْمَ هذا الرجل الذي يَزْعُمُ أَنَّه يَأْتِيه الخبرُ مِن السَّمَاءِ، واسْمَعْ مِن قوله، ثمَّ ائْتِني، فانْطَلَقَ الآخرُ (٩) حتَّى قدِم مَكَّةَ وسمِع مِن

    ج ٨ ص ١٣٦قوله ﷺ ، ثم رجع إلى أبي ذَرٍّ، فقال: رأيتُه يَأْمُرُ بمكارم الأخلاق، وسمِعتُ منه (١) كلاما ما هو بالشِّعْرِ، قال: ما شَفَيْتَنِي فيما أَرَدْتُ، فتَزَوَّدَ وحَمَل شَنَّةً (٢) له (٣) فيها ماءً حتَّى قدم مكَّةَ، فأتى المسجد، فالْتَمَسَ النبي ﷺ ولا يعرِفُه، وكره أنْ يَسأَلَ عنه حتَّى أدركه الليل فاضْطَجَعَ، فرآه عليُّ بن أبي طالب، فقال: كان الرجل غريبٌ، قال: نعم، قال: انطلِقْ إلى المنزل، قال (٤) : فانْطَلَقْتُ معه لا يَسْأَلُني عن شيءٍ ولا أسأله، قال: فلما أصبَحتُ مِن الغدِ رَجَعتُ إلى المسجدِ فبقيتُ يومي حتَّى أمسَيتُ، وسِرْتُ إلى مَضْجَعِي، فَمَرَّ بي عليٌّ، فقال: أمَا آنَ لِلرَّجُلِ أن يَعْرِفَ منزِلَه؟! فأَقامَه وذَهَب (٥) معه وما يسألُ واحدٌ منهما صاحبَه عن شيءٍ، حتّى إذا كان اليوم الثالثُ، فعل مثل ذلك، فأقامه عليٌّ معه، [فقال: أمَا] (٦) تُحَدِّثُنِي ما الذي أقدَمَك هذا البلد؟ قال: إِنْ أعطَيْتَني عَهْدًا وميثاقًا لَتُرْشِدُني فعَلتُ، ففعل، فأخبره على أنه نبيٌّ، وأن ما جاء به حقٌّ، وأنَّه رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتْبَعْني؛ فإنّي إنْ رأيتُ شيئًا أخافُ (٧) عليك قُمْتُ كأَنِّي (١) أُرِيقُ الماءَ،

    ج ٨ ص ١٣٧فإِنْ مَضَيْتُ فاتْبَعْني، حتَّى تَدْخُلَ معي (١) ، قال: فَانْطَلَقْتُ أَقْفُوه حتَّى دخل على رسولِ اللهِ ﷺ ودخلتُ معه، وحَيَّيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بتحيَّةِ الإسلام، فقال (٢) : السلامُ عليك يا رسول الله، فكنتُ (٣) أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: "وعليك السَّلامُ، مَن أنتَ؟ " ، قلتُ: رجلٌ مِن بني (٤) غِفَارٍ، فعرض عليَّ الإسلام فأَسْلَمْتُ، وشهِدتُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدا رسولُ اللهِ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "ارجع إلى بلادِ (٥) قومِك وأخبرهم (٦) ، واكْتُمْ أمرَك عن أهلِ مَكَّةَ؛ فَإِنِّي أَخْشَاهُمْ (٧) عليك" ، فقلتُ: والذي نَفْسي بيده لأصَوِّتَنَّ بها بينَ أَظْهُرِهم (٨) ، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ، فَثَارَ القومُ إليه، فضربوه حتَّى أضجَعوه، وأتى العَبَّاسُ وأَكَبَّ عليه، وقال: وَيْلَكم! ألَسْتُم تعلمون أنَّه مِن غِفَارٍ، وأن طريق تُجَّارِكم (٩) إلى الشَّامِ عليهم؟ وأَنْقَذَه منهم، ثمَّ عادَ مِن الغدِ إلى مِثْلِها، وثارُوا إليه فضربوه، فأَكَبَّ عليه العَبَّاسُ فَأَنْقَذَه، ثمَّ لحِق

    ج ٨ ص ١٣٨بقومه، فكان هذا أَوَّلَ إسلام أبي ذَرٍّ (١) .

  5. وأخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا محمد بن بكرٍ، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمدُ بنُ سَلَمةَ المُرَادِيُّ، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني الليث بن سعدٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ (٢) ، قال: قدم أبو ذَرٍّ على النبي ﷺ وهو بمَكَّةَ، فأسلم ثمَّ رجع إلى قومه، فكان (٣) يَسْخَرُ بآلهتهم، ثمَّ إنَّه قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فلمَّا رآه رسول الله ﷺ وهم في اسمِه، فقال: "أنتَ أبو نَمْلةَ؟ " ، فقال: أنا أبو ذَرٍّ، قال: "نَعَمْ أبو ذَرٍّ" ، وقد تقدَّم في بابِ جُنْدَبِ مِن خبره ما لم يقع هنا (٤) .

  6. وتُوفِّيَ أبو ذَرِّ رحمه الله بالرَّبَذَةِ سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثَلاثين، وصَلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام، و (٥) قيل: تُوُفِّيَ سنة أربعٍ وعشرين، والأوَّلُ أصحُّ (٦) .

    ج ٨ ص ١٣٩قال عليٌّ رضي الله عنه : وعَى أبو ذَرٍّ علمًا عجز الناسُ عنه، ثم أوكَأ عليه، فلم يُخرج شيئًا منه (١) ، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أبو ذر في أُمَّتِي على زُهْدِ عيسى ابن مريم" (١) ، وقال أبو ذَرٍّ: لقد تَرَكَنا رسولُ الله ﷺ وما يُحَرِّكُ طائرُ جَناحَيْهِ فِي السَّماءِ إِلا ذَكَرَنا منه عِلْمًا (٢) .

  7. حدَّثنا أبو عثمان سعيد بن نصرٍ، قال: حدثنا قاسمٌ (٣) ، حدثنا ابن وضَّاحٍ، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا الحسن (٤) بن موسى الأَشْيَبُ، حدَّثنا حَمَّادُ بن سلمة، عن (٥) عليّ بن زِيدِ بن جدعان، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "ما أَظَلَّتِ الخضراء، ولا أَقَلَّتِ الغَبْراء، أصدق لهجةً مِن أبي ذَرٍّ" (٦) .

  8. وقد ذكَرْنا مِن أخبارِه في باب الجيم مِن الأسماء ما هو أَتَمُّ مِن هذا (٧) .

  9. [ذكَر سيفُ بنُ عمرَ، عن القَعْقاعِ بنِ الصَّلْتِ عن رجلٍ، عن (٢) كُلَيبِ بنِ الحَلْحالِ، عن الحَلْحالِ بنِ ذُرَيٍّ (٣) الضَّبِّيِّ (٤) ، قال: خرَجْنا حُجَّاجًا مع ابنِ مسعودٍ سنةَ أربعٍ وعشرينَ ونحنُ أربعةَ عَشَرَ راكبًا حتَّى أَتَيْنا على الرَّبَذةِ، فشَهِدْنا أبا ذَرٍّ، فَغَسَلْناه وكَفَّنَّاه ودَفَنَّاه هناك] (٥) (٦) .

    ج ٨ ص ١٤٠
  10. [٢٨٨٤] أبو ذَرَّةَ (٧) ، اسمُه الحارثُ بنُ معاذِ بنِ زُرارةَ الأنصارِيُّ الظَّفَرِيُّ، هو أخو أبي نملةَ الأنصارِيِّ، شهِد هو وأخوه أبو نملةَ مع أبيهما معاذٍ أُحُدًا، ذكَرَه الطبريُّ (٨) .

  11. [٢٨٨٥] أبو ذُبَابٍ (٩) ، والدُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ذُبَابٍ، له [في إسلامِه] (١٠) خبرٌ طريفٌ (١١) حسنٌ، وكان شاعرًا.

  12. [٢٨٨٦] أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ الشاعرُ (١) ، كان مسلِمًا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولم يَرَه، ولا خِلافَ أنَّه جاهليٌّ إسلاميٌّ، قيل: اسمُه خُوَيلدُ بنُ خالدِ بنِ مُحَرِّثِ بنِ زُبَيدِ بنِ مخزومِ بن صاهِلةَ بنِ كاهلِ بنِ الحارثِ بنِ تميمِ (٢) بنِ سعدِ بنِ هُذَيلٍ، وقال ابنُ الكلبيِّ (٣) : هو خُوَيلدُ بنُ مُحَرِّثٍ (٤) ، مِن (٥) بنى مازنِ بنِ معاويةَ (٦) بن تميمِ بن سعدِ بنِ هُذَيلٍ.

    ج ٨ ص ١٤١
  13. ذكر محمدُ بنُ إسحاقَ [بنِ يَسَارٍ] (٧) ، قال: حدَّثني أبو الإكَامِ (٨) الهُذَلِيُّ، عن الهِرْمَاسِ بنِ صَعْصعةَ الهُذَلِيِّ، عن أبيه، [أنَّ أبا] (٩) ذُؤَيْبٍ الشَّاعِرَ حَدَّثه، قال: بَلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عَلِيلٌ، فَاسْتَشْعَرْتُ

    ج ٨ ص ١٤٢حُزْنًا وبِتُّ بأطولِ ليلةٍ لا يَنْجابُ دَيْجُورُها (١) ، ولا يَطْلُعُ نورُها، فظَلَلْتُ أُقَاسِي طُولَها حتَّى إذا كان قُرْبُ السَّحَرِ أَغْفَيْتُ، فهتَف بي هاتفٌ، وهو يقولُ:

    خَطْبٌ أَجَلُّ أَنَاخَ بالإسلامِ … بينَ (٢) النَّخِيلِ ومَعْقِدِ الآطَامِ

    قُبِضَ النَّبِيُّ محمدٌ فعُيُونُنا … تُذْرِي الدُّمُوعَ عليه بِالتَّسْجَامِ (٣)

    قال أبو ذُؤَيْبٍ: فوَثَبْتُ مِن منامِي (٤) فَزِعًا، فنظَرْتُ إلى السَّماءِ، فلم أرَ إلا سعدَ الذَّابِحَ (٥) ، فتفَاءَلْتُ به [ذَبْحًا يقعُ] (٦) في العربِ، وعلِمتُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَد قُبِضَ، وهو مَيِّتٌ مِن عِلَّتِه، فرَكِبْتُ ناقتِي وسِرْتُ، فلمَّا أصبَحتُ طلَبتُ شيئًا أَزْجُرُ به، فَعَنَّ لي شَيْهمٌ - يعني القُنْفُذَ (٧) - قد قَبَضَ على صِلٍّ - يعني الحَيَّةَ - فهي تَلْتَوِي عليه، والشَّيْهَمُ يَقْضَمُها حَتَّى أكَلها، فزَجَرتُ ذلك، [وقلتُ: شَيْهَمٌ] (٨) : شيءٌ مُهِمٌّ، والتواءُ الصِّلِّ: التواءُ الناسِ عن (٩) الحقِّ على القائمِ بعدَ

    ج ٨ ص ١٤٣رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم أَوَّلتُ أكلَ الشَّيْهَمِ إِيَّاها (١) ، غَلَبَةُ القائمِ بعدَه على الأمرِ، فَحَثَثتُ، ناقَتي، حتى إذا كنتُ بالغابةِ [زَجَرتُ الطيرَ] (٢) ، فأخبرَني بوفاتِه، ونَعَبَ غرابٌ سانِحٌ (٣) ، فنطَق بمثلِ ذلك، فَتَعَوَّذتُ باللَّهِ مِن شَرِّ ما عَنَّ لي في طريقي، وقَدِمتُ المدينةَ ولها ضَجِيجٌ بالبكاءِ كَضَجيجِ الحاجِّ (٤) إذا أَهَلُّوا بالإحرامِ، فقلتُ: مَهْ؟ قالوا: قُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فجئتُ (٥) المسجدَ فوَجَدتُه خاليًا، فأَتَيتُ بيتَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأَصَبْتُ بابَه مُرْتَجًا، وقيل: هو مُسَجًّى، وقد خلا به أهلُه، فقلتُ: أين الناسُ؟ فقيل: في سقيفةِ بني ساعدةَ، صاروا إلى الأنصارِ، فجئتُ إلى السَّقِيفةِ فَأَصَبتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وأبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ، وسالمًا، وجماعةً من قريشٍ، ورأيتُ الأنصارَ فيهم سعدُ بنُ عبادةَ (٦) ، وفيهم شعراؤهم، وهم حَسَّانُ بنُ ثابتٍ، وكعبُ بنُ مالكٍ، ومَلَأٌ منهم، فأوَيتُ إلى قريشٍ، وتكَلَّمتِ الأنصارُ فأَطَالوا الخطابَ، وأكثَروا الصَّوابَ، وتَكَلَّمَ أبو بكرٍ، فللهِ دَرُّه مِن رجلٍ لا يُطِيلُ الكلامَ، ويعلَمُ مواضعَ فصلِ الخِصَامِ، واللهِ لقد تكَلَّمَ بكلامٍ لا يسمعُه سامعٌ إلا انقادَ له ومالَ إليه، ثم تكلَّم عمرُ بعدَه بدونِ كلامِه، ومَدَّ يدَه فبايَعه

    ج ٨ ص ١٤٤وبايَعوه، ورجَع أبو بكرٍ ورجَعتُ معه، قال أبو ذُؤَيبٍ: فشَهِدْتُ الصلاةَ على محمدٍ ﷺ ، وشَهِدْتُ دفنَه ﷺ ، ثم أنشَد أبو ذُؤَيبٍ يبكِي النبيَّ ﷺ :

    لمَّا رأيتُ الناسَ في عَسَلانِهم (١) … ما بينَ مَلْحودٍ له ومُضَرَّحِ

    مُتَبَادِرِينَ لِشَرْجَعٍ (٢) بأَكُفِّهِمْ … بُضِّ (٣) الرِّقَابِ لفقدِ أبيضَ أَرْوَحِ

    فهناكَ صِرْتُ إِلَى الهُمُومِ وَمَن يَبِتْ … جارَ الهمومِ يَبِيتُ غيرَ مُرَوَّحِ

    كَسَفَتْ لمَصْرَعِه النُّجُومُ وبَدْرُها … وتَزَعْزَعَتْ آطَامُ بطنِ الأَبطَحِ

    وتَزَعْزَعتْ أجبالُ يثربَ كلُّها … ونخيلُها لحُلولِ خَطْبٍ مُفْدِحِ

    ولقد زَجَرتُ الطيرَ قبلَ وَفَاتِه … بمُصابِه وزَجَرتُ سعدَ الأَذْبُحِ

    وزَجَرتُ أنْ نَعَبَ المُشَحِّجُ سَانِحًا … مُتَفَائِلًا فيه بِفَأْلٍ أَفْيَحِ (٤)

    قال: ثم انصرَف أبو ذُؤَيبٍ إلى باديتِه فأقام بها (٥) .

  14. وتُوفِّي أبو ذُؤَيبٍ في خلافةِ عثمانَ بنِ عَفَّانَ بطريقِ مكةَ قريبًا

    ج ٨ ص ١٤٥منها، ودفَنه ابنُ الزُّبَيْرِ، وغَزا أبو ذُؤَيبٍ مع عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ إفريقيةَ ومدَحه، وقيل: إنَّه ماتَ في غزوةِ إفريقيةَ بمصرَ مُنصرِفًا بالفتحِ مع ابنِ الزُّبَيْرِ، فدفَنه ابنُ الزُّبَيْرِ، ونفَذَ بالفتحِ وحدَه.

  15. وقيل: إِنَّ أبا ذُؤَيبٍ ماتَ غازيًا بأرضِ الرومِ، ودُفِن هناك، وإنَّه لا يُعلَمُ لأحدٍ من المسلمين قبرٌ وراءَ قبرِه، وكان عمرُ قد ندَبه إلى الجهادِ، فلم يَزَلْ مجاهدًا حتَّى ماتَ بأرضِ الرُّومِ (١) ، ودفَنه هناك ابنُه أبو عُبَيدٍ، وعندَ موتِه قال له (٢) :

    أبا عُبَيدٍ رُفِع الكتابُ … واقْتَرَبَ المَوعِدُ والحِسَابُ

    في أبياتٍ.

    قال محمدُ بنُ سَلَّامٍ (٣) : قال أبو عمرٍو: سُئِل حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ: مَن أشعرُ الناسِ؟ فقال: حَيًّا أم رجلًا؟ قالوا حَيًّا، قال: هُذَيلٌ أشعرُ الناسِ حَيًّا، قال ابنُ سَلَّامٍ: وأقولُ: إِنَّ أشعرَ هُذَيلٍ أبو ذُؤَيبٍ (٤) .

    قال عمرُ بنُ شَبَّةَ: تَقَدَّمَ أبو ذُؤَيبٍ على جميعِ شعراءِ هُذَيلٍ بقصيدتهِ العَيْنِيَّةِ التي يَرْثِي فيها بَنِيه (٤) ، وقال الأصمعيُّ: أبرعُ بيتٍ قالَتْه العربُ بيتُ أبي ذُؤَيبٍ:

    ج ٨ ص ١٤٦والنَّفْسُ راغبةٌ إذا رَغَّبتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ (١)

  16. وهذا البيتُ مِن شعرِه المُفَضَّلِ الذي يَرْثِي به (٢) بَنِيه، وكانوا خمسةً أُصِيبوا في عامٍ واحدٍ، وفيه حِكَمٌ وشواهدُ، أَوَّلُه حيثُ يقولُ (٣) :

    أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِه (٤) تَتَوَجَّعُ … والدَّهْرُ ليس بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ

    قالَتْ أُمَامَةُ (٥) ما لجسمِك شَاحِبًا … منذُ ابْتُذِلتَ ومثلُ مالِك يَنْفَعُ

    أمْ ما لجَنْبِك لا يُلائِمُ مَضْجَعًا … إلَّا أَقَضَّ عليكَ ذاك المَضْجَعُ

    فَأَجَبْتُها [أنْ ما لِجِسْمِيَ] (٦) أنَّه … أَوْدَى (٧) بنيَّ مِن البلادِ فَوَدَّعُوا

    أَوْدَى بَنِيَّ فَأَعْقَبُونِي حَسْرةً … بعد الرُّقَادِ وعَبْرَةً ما (٨) تُقْلِعُ

    فالعينُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَها … سُمِلتْ (٩) بِشَوكٍ فهْيَ (١٠) عُورٌ (١١) تَدْمَعُ

    ج ٨ ص ١٤٧سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعْتَقُوا لِهَوَاهُمُ … فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ

    فَغَبَرتُ بَعْدَهُمُ بعَيْشٍ ناصِبٍ … وإخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ

    ولقد حَرَصتُ بأن أُدافِعَ عَنْهُمُ … فإذا المَنِيَّةُ أقبَلتْ لا تُدْفَعُ

    وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها … أَلْفَيتَ كلَّ تَمِيمةٍ لا تَنْفَعُ

    وتَجَلُّدِي للشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ … أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَضَعْضَعُ

    حتَّى كأَنِّي للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا المُشَقَّرِ (١) كلَّ يومٍ تُقْرَعُ

    والدَّهْرُ لا يَبْقَى على حَدَثَانِه … جَوْنُ السَّرَاةِ (٢) له جَدَائِدُ أَرْبَعُ