باب حرف السين

٨٧ فقرة، ج ٨ ص ٣٢٨

الصفحة ١ من ٣

  1. [٣٠٨٠] أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الأسدِ بن هلالِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ بن مخزومٍ القُرَشيُّ المَخْزوميُّ (٢) ، واسمُه عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الأسدِ، أُمُّه بَرَّةُ بنتُ عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، كان ممَّن هَاجَر بامرأتِه أَمِّ سَلَمَةَ بنتِ أبي أُمَيَّةَ إلى أرضِ الحبشةِ، ثم شهِد بدرًا بعدَ أن هاجَر الهجرتَيْنِ، وجُرِح يومَ أُحُدٍ جُرْحًا اندمَل ثم انتَقَضَ فماتَ منه، وذلك لثلاثٍ مَضَينَ لجُمادَى الآخرةِ سنة ثلاثٍ مِن الهجرةِ، وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ امرأتَه أمَّ سَلَمةَ، وقد مضَى في بابِ اسمِه كثيرٌ مِن خبرِه (٣) .

    ج ٨ ص ٣٢٨
  2. [٣٠٨١] أبو سَلَمةَ (٤) ، رجلٌ مِن الصَّحابةِ، حديثُه عندَ موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ يزيدَ بن مسلمٍ المِنْقَرِيُّ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ قُرَّةَ، قال: قال لي كَهْمَسٌ الهِلَالِيُّ: أَلَا أُحَدِّثُك بشيءٍ سمِعتُه مِن عمرَ؟ قلتُ: بَلَى، قال: بَيْنَا أنا عندَ عمرَ إِذْ جَاءَتْه امرأةٌ تَشْكُو (٥) زوجَها، تقولُ: إنَّه قد (٦) قَلَّ خيرُه وكَثُرَ شَرُّه، قال: ومَن

    ج ٨ ص ٣٢٩زَوْجُكَ؟ قال: أحْسَبُها: قالَتْ أبو سَلَمةَ، قال: ذاكَ رجلُ صِدْقٍ، وإنَّ له صُحْبةً مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ (١) .

  3. [٣٠٨٢] أبو سَبْرةَ بنُ أبي رُهْمِ بن عبدِ العُزَّى بن أبي قيسِ بن عبدِ وُدِّ بن نصرِ بن مالكِ بن حِسْلِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ القُرَشِيُّ العامِرِيُّ (٢) ، هاجَر الهجرتَيْنِ جميعًا، وكانَتْ معه في الهجرةِ الثانيةِ في قولِ ابن إسحاقَ والواقديِّ (٣) زوجتُه أمُّ كلثومٍ بنتُ سُهَيلِ بن عمرٍو (٤) ، وآخَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَه وبينَ سلمةَ بن سلامةَ بن وَقْشٍ، وشهِد أبو سَبْرةَ بدرًا وأُحُدًا وسائرَ (٥) المشاهدِ كلَّها مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أُمُّه بَرَّةُ بنتُ عبدِ المُطَّلِبِ، فهو أخو أبي سلمةَ بن عبدِ الأسدِ لأُمِّه.

  4. وقد اختُلِف في هجرتِه إلى الحبشةِ، ولم يُختلَفْ في أنَّه شهِد بدرًا، ذكره ابن عقبةَ وابنُ إسحاقَ في البدريِّين (٦) ، وقال الزُّبَيْرُ: لا

    ج ٨ ص ٣٣٠نعْلَمُ أحدًا مِن أهلِ بدرٍ رجَع إلى مكةَ فنزَلها غيرَ أبي سَبْرةَ، فإنَّه (١) رجَع بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى مكةَ فنزَلها، وولدُه يُنكِرون ذلك (٢) .

  5. وتوفِّيَ أبو سَبْرَةَ في خِلافةِ عثمان.

  6. [٣٠٨٣] أبو سَبْرةَ الجُعْفِيُّ (٣) ، اسمُه يزيدُ بنُ مالكِ بن عبدِ اللَّهِ بن [ذُؤَيب بن] (٤) سَلِمةَ بن عمرِو بن ذُهْلِ (٥) بن مُرَّانَ (٦) بن جُعْفِيٍّ، والدُ سَبْرةَ بن أبي سَبْرةَ وعبدِ الرحمنِ بن أَبي سَبْرة، له صحبةٌ؛ وفَد إلى النبيِّ ﷺ ومعه ابناه عَزيزٌ وسَبْرةُ، فَسَمَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ عَزِيزًا عبدَ الرحمنِ، روَى عنه ابناه في القراءةِ في الوترِ (٧) ، وفي الأسماءِ حديثًا مرفوعًا (٨) .

  7. هو جَدُّ خيثمةَ بن عبدِ الرحمنِ [صاحبِ ابن مسعودٍ] (٩) .

  8. [٣٠٨٤] أبو سنانٍ الأَسَدِيُّ (١) ، وهبُ بنُ عبدِ اللَّهِ، ويُقالُ: عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، [ويُقالُ: عامرٌ] (٢) ، ولا يَصِحُّ، ويُقالُ: بل اسمُه وهبُ بنُ محصنِ بن حُرْثانَ [بن قيسِ] (٣) بن مُرَّةَ بن كَبيرِ (٤) بن غَنْمِ بن دُودانَ بن أسدِ بن خُزَيمةَ، فإن يَكُنْ وهَبَ بنَ محصنِ بن حُرْثَانَ فهو أخو عُكَّاشةَ بن محصنٍ، وهو أَصَحُّ ما قيل فيه، واللهُ أعلمُ، أَنَّه أخو عُكاشةَ بن محصنٍ، وابنُه سنانُ بنُ أبي سنانٍ ابن أخي (٥) عُكَّاشةَ بن محصنٍ، وهم حلفاءُ بني عبدِ شمسٍ، شهِد أبو سنانٍ بدرًا، وهو أَوَّلُ مَن بايَع بيعةَ الرِّضوانِ تحتَ الشَّجرةِ، وهو أَسَنُّ مِن أخيه عُكَّاشةَ (٦) ، قال بعضُهم: بنحوِ عشرينَ سنةً، وعلى هذا قطَع الواقدِيُّ (٧) ، وقال: تُوفِّيَ وهو ابن أربعينَ سنةً، في سنةِ خمسٍ مِن الهجرةِ، وقال غيرُه: تُوفِّي أبو سنانٍ والنبيُّ ﷺ محاصِرٌ (٨) قُرَيظةَ، ودُفِن في مقبرةِ بني

    ج ٨ ص ٣٣٢قُرَيظةَ اليومَ (١) .

    ج ٨ ص ٣٣١
  9. ذكَر الحُلْوانيُّ، عن أبي أسامةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: أَوَّلُ مَن بايَع تحتَ الشَّجَرَةِ أَبو سِنَانِ بنُ وَهْبٍ الأَسَدِيُّ، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "علامَ تُبَايِعُ؟ " ، قال: على ما في نَفْسِك، فبايَعه، وتَتابَعَ الناسُ [وبايَعوه] (٢) .

  10. وكذا قال موسى بنُ عقبةَ: أبو سِنَانِ بنُ وهبٍ (٣) .

    وقال الواقدِيُّ (٤) : أَوَّلُ مَن بايَع بَيْعَةَ الرِّضْوانِ سِنَانُ بنُ أَبي سنانٍ، بايَعه قبلَ أبيه.

  11. ذكَر أبو العَبَّاسِ محمدُ بنُ إسحاقَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال (٥) : حدَّثنا وكيعٌ، عن ابن أبي خالدٍ، عن عامرٍ، قال:

    ج ٨ ص ٣٣٣أَوَّلُ مَن بايَع بَيْعةَ الرِّضْوَانِ أبو سِنَانٍ الأَسَدِيُّ (١) .

    قال: حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: أَوَّلُ مَن بايَع تحتَ الشَّجَرَةِ أَبو سِنَانِ بنُ وهبٍ (٢) .

    قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ، قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن (٣) إسماعيلَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: أَوَّلُ الناسِ يومَ الحُدَيْبيةِ بايَع أبو سِنَانٍ، انتهى إلى النبيِّ ﷺ عندَ الشَّجَرَةِ، وقد دَعا الناسَ إلى البَيْعةِ، فقال: يا محمدُ، ابْسُطُ يَدَك أُبايِعُك، قال: "عَلامَ (٤) تُبايِعُ؟ " ، قال: أُبايِعُ على ما في نفسِك (٥) .

  12. [٣٠٨٥] أبو سَلِيطٍ الأنصارِيُّ (١) ، اسمُه أُسَيرةُ بنُ عمرِو بن قيسِ بن مالكِ بن عَدِيِّ بن عامرِ بن غَنْمِ بن عَدِيِّ بن النَّجَّارِ الأنصارِيُّ النَّجَّارِيُّ، وقيل (٢) : أَسَيرٌ، هو والدُ عبدِ اللَّهِ بن أبي سَلِيطٍ، وقد قيل في اسمِه سَبْرةُ بنُ عمرٍو، وقيل: أَسَيدُ بنُ عمرٍو، وقيل: أُسَيرُ (٣) بنُ عمرٍو، والأَوَّلُ أَصَحُّ، أُمُّه آمنةُ بنتُ عُجْرَةَ أَختُ كعبِ بن عُجْرَةَ البَلَوِيِّ، وكان أبوه (٤) عمرٌو يُكنَى أبا خارجةَ، مشهورٌ بكُنيتِه أيضًا، وشهِد أبو سَلِيطٍ بدرًا وما بعدَها مِن المشاهدِ مع النبيِّ ﷺ ، روَى عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي سَلِيطٍ، عن النبيِّ ﷺ في النَّهْيِ عن أكلِ لحومِ الحُمُرِ الإنسيَّةِ (٥) ، يُعَدُّ في أهلِ المدينةِ.

    ج ٨ ص ٣٣٤
  13. [٣٠٨٦] أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بن عبدِ المُطَّلِبِ بن هاشمٍ القُرَشِيُّ

    ج ٨ ص ٣٣٥الهاشِميُّ (١) ، ابن عَمِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكان أخا رسولِ اللهِ ﷺ مِن الرَّضاعةِ، أرضَعَتْهما حَلِيمةُ بنتُ أبي ذُؤَيبٍ السَّعْديَّةُ، وأُمُّه غزيَّةُ (٢) بنتُ قيسِ بن طَرِيفٍ، مِن ولدِ فهرِ بن مالكِ بن النضرِ بن كنانةَ، قال قومٌ - منهم إبراهيمُ بنُ المنذرِ -: اسمُه المُغِيرةُ (٣) ، وقال آخرون: بل اسمُه كنيتُه، والمُغِيرةُ أخوه.

  14. يُقالُ: إِنَّ الذينَ كانوا يُشْبِهُون [رسولَ اللَّهِ] (٤) ﷺ : جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، والحسنُ بنُ عليِّ بن أبي طالبٍ، وقُثَمُ بنُ العَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، والسَّائبُ بنُ عبيدِ بن عبدِ يزيدَ بن هاشمِ بن المُطَّلِب بن عبدِ مَنَافٍ (٥) .

  15. وكان أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بن عبدِ المُطَّلِبِ مِن الشُّعَرَاءِ المَطْبوعِين، وكان سَبَق له هجاءٌ في رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وإِيَّاه عارَض حَسَّانُ بنُ ثابتٍ بقولِه:

    أَلَا أبلِغْ أبا سفيانَ عَنِّي … مُغَلْغَلَةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ

    هَجَوتَ مُحَمَّدًا (١) فَأَجَبتُ (٢) عنه … وعندَ اللهِ في ذاكَ (٣) الجَزَاءُ

    وقد ذكَرْنا الأبياتَ في بابِ حَسَّانَ (٤) ، والشِّعرُ محفوظٌ.

    ج ٨ ص ٣٣٦
  16. ثم أسلَم فحَسُنَ إسلامُه، فيُقالُ: إنَّه ما رفَع رأسَه إلى رسولِ اللهِ ﷺ حَيَاءً منه.

  17. وكان إسلامُه عامَ (٥) الفتحِ قبلَ دُخُولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مكةَ، لَقِيَه هو وابنُه جعفرُ بنُ أبي سفيانَ بالأَبْوَاءِ فأسلَما، وقيل: بل لَقِيَه هو وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي أُمَيَّةَ بينَ السُّقْيَا والعَرْجِ، فأعرَض رسولُ اللَّهِ ﷺ عنهما، فقالت له أمُّ سَلَمةَ: لا يَكُنِ ابن عَمِّك وأخي ابن عَمَّتِكَ أشْقَى (٦) الناسِ بك (٧) ، وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ لأبي سفيانَ بن الحارثِ: ائتِ رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن قِبَلِ وجهِه، فقُلْ له ما قال إخوةُ يوسفَ

    ج ٨ ص ٣٣٧ليوسفَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) ﴾ [يوسف: ٩١] ، فإنَّه لا يَرْضَى أن يكونَ أحدٌ أحسنَ منه قولًا، ففعَل ذلك أبو سفيانَ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : " ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) ﴾ " [يوسف: ٩٢] ، وقبِل منهما، وأسلَما وأنشَده أبو سفيانَ قولَه في إسلامِه واعتذارِه مما سلَف منه:

    لعَمْرُكَ إِنِّي يومَ أحمِلُ (١) رايةً … لتَغْلِبَ خِيلُ اللَّاتِ خِيلَ مُحَمَّدِ

    لكالمُدْلِجِ (٢) الحيرانِ أظلَم ليلُه … فهذا أوانِي حينَ أُهْدَى [وأَهْتَدِي] (٣)

    هَدَانِيَ هَادٍ غيرُ نَفْسِي ودَلَّنِي … على اللَّهِ مَن طَرَّدْتُه كلَّ مَطْرَدِ

    أَصُدُّ وأَنْأَى جَاهِلًا (٤) عن مُحَمَّدٍ … وأُدْعَى وإن لم أَنْتَسِبْ مِن مُحَمَّدٍ

    قال ابن إسحاقَ (٥) : فذكَروا أنَّه حينَ أنشَد رسولَ اللَّهِ ﷺ (٦) :

    مَن طَرَّدْتُه كلَّ مَطرَدِ

    ضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ صدرَه، وقال: "أنتَ طَرَّدتَني كلَّ مَطْرَدِ؟ " (٧) .

  18. وشهِد أبو سفيانَ حُنَينًا، فأبلَى فيها بلاءً حسنًا، وكان ممن ثبَت

    ج ٨ ص ٣٣٨ولم يَفِرَّ يومَئذٍ، ولم تُفارِقْ يَدُه لِجَامَ بغلةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انصرَف الناسُ إليه، وكان يُشْبِهُ النبيَّ ﷺ ، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّه، وشهِد له بالجَنَّةِ، وكان يقولُ: "أرجو أن يكونَ خَلَفًا مِن حمزةَ" (١) ، وهو معدودٌ في فضلاءِ الصَّحابةِ.

  19. وروَى عَفَّانُ، عن وُهَيبٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أبو سفيانَ بنُ الحارثِ مِن شبابِ أهلِ الجَنَّةِ، أو سَيِّدُ فتيانِ أهلِ الجَنَّةِ" (٢) .

  20. ويُروَى عنه أنَّه لَمَّا حَضَرتْه الوفاةُ، قال: لا تَبْكُوا عليَّ؛ فإنِّي لم أَتَنَطَّفْ (٣) بخطيئةٍ منذُ أسلَمتُ (٤) .

  21. وذكَر ابن إسحاقَ أنَّ أبا سفيانَ بنَ الحارثِ بكَى النبيَّ ﷺ كثيرًا ورَثَاه، فقال (٥) :

    ج ٨ ص ٣٣٩أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لا يَزُولُ … وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ

    وأسعَدني البكاءُ وذاكَ فيما … أُصِيبَ المسلمون به قليلُ

    لقد عَظُمَتْ مُصيبتُنا وجَلَّتْ … عَشِيَّةَ قبل قد قُبِضَ الرسولُ

    وأَضْحَتْ أَرضُنا مِمَّا عَرَاها … تكادُ بِنا جَوَانِبُها تَمِيلُ

    فقَدْنا (١) الوَحْيَ والتنزيلَ فينا (٢) … يَرُوحُ به ويَغْدُو جَبْرَئِيلُ

    وذاكَ أَحَقُّ ما سالَتْ عليه … نفوسُ الناسِ أو كَرَبتْ (٣) تَسِيلُ

    نبيٌّ كان يجلُو (٤) الشَّكَّ عَنَّا … بما يُوحَى إليه وما يقولُ

    ويَهْدِينا فلا نَخْشَى ضَلَالًا … علينا والرسولُ لنا دَلِيلُ

    أَفَاطِمُ إِن جَزِعتِ فذاكِ عُذْرٌ … وإن لم تَجْزَعِي ذاكِ السَّبِيلُ

    فقيرُ أبيكِ سَيِّدُ كلِّ قَبْرٍ … وفيه سَيِّدُ الناسِ الرَّسُولُ

  22. [وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ هو القائلُ (٥) ] (٦) ):
  23. لقد عَلِمَتْ قريشٌ غير فخرٍ … بأنَّا نحنُ أجودُهم حِصَانَا

    وأكثرُهم دُرُوعًا سابِغاتٍ … وأَمْضَاهم إذا طعَنوا سِنَانَا

    وأَدْفَعُهم لَدَى الضَّرَّاءِ عنهم … وأَبْيَنُهم إذا نَطَقُوا لِسَانا

    وروَى أبو حَبَّةَ البدريُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أبو سفيانَ خيرُ

    ج ٨ ص ٣٤٠أَهْلِي، أو من خير أَهْلِي " (١) .

    وقال ابنُ دُرَيدٍ وغيرُه مِن أهلِ العلمِ بالخبرِ: إِنَّ قولَ رسولِ اللهِ ﷺ : "كلُّ الصَّيدِ في جوفِ الفَرَأِ" (٢) : إنَّه أبو سفيانَ بنُ الحارثِ ابنُ عمِّه هذا، وقد قيل: إنَّ ذلك كان منه ﷺ في أبي سفيانَ بنِ حربٍ (٣) ، وهو الأكثرُ، فاللهُ أعلمُ.

    وقال عروةُ: وكان سببُ موتِه أنَّه حَجَّ، فلمَّا حلَق الحَلَّاقُ رأسَه قطَع تُؤْلُولًا (٤) كان في رأسِه، فلم يَزَلْ (٥) مريضًا منه حتَّى ماتَ بعدَ

    ج ٨ ص ٣٤١مَقْدَمِه مِن الحَجِّ بالمدينةِ سنةَ عشرينَ، ودُفِن في دارِ عَقِيلِ بنِ أبي طالبٍ، وصَلَّى عليه عمرُ بنُ الخَطَّابِ (١) .

  24. وقيل: بل ماتَ أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بالمدينةِ بعدَ أخيه نوفلِ بنِ الحارثِ بأربعةِ أشهرٍ إلا ثلاثَ (٢) عَشْرةَ ليلةً، وكان هو الذي حفَر قبرَ نفسِه قبلَ أن يموتَ بثلاثةِ أيامٍ، وكانَتْ وفاةُ نوفلِ بنِ الحارثِ على ما ذكَرْناه (٣) فى بابِه سنةَ خمسَ عَشْرةَ (٤) .

  25. [٣٠٨٧] أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ قيسِ بن زيدِ بنِ ضُبَيعةَ بنِ زيدِ (٥) بنِ مالكِ بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ عوفٍ الأنصارِيُّ (٦) ، قُتِل يومَ أُحُدٍ شهيدًا، [وقيل: بل قُتِل يومَ خيبرَ شهيدًا] (٧) .

  26. [٣٠٨٨] أبو سفيانَ صخرُ بنُ حربِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنَافِ القُرَشيُّ الأُمويُّ (٨) ، هو والدُ معاويةَ ويزيدَ وعُتْبةَ وإخوتِهم، وُلِد

    ج ٨ ص ٣٤٢قبلَ الفيلِ بعشرِ سنينَ، وكان مِن أشرافِ قريشٍ في الجاهليةِ، وكان تاجرًا يُجَهِّزُ التُّجَّارَ بمالِه وأموالِ قريشٍ إلى الشامِ وغيرِها مِن أرضِ العجمِ، وكان يَخْرُجُ أحيانًا بنفسِه، وكانَتْ إليه رايةُ الرُّؤَساءِ المعروفةُ بالعُقابِ، وكان لا يَحبِسُها إلَّا رئيسٌ، فإذا حَمِيتِ الحربُ اجْتَمَعَتْ قُرَيشٌ فَوَضَعتْ [تلك الرَّايةَ] (١) بيدِ الرئيسِ، ويُقالُ: كان أفضلَ قريشٍ رَأْيًا في الجاهليةِ ثلاثةٌ: عُتْبَةُ، وأبو جهلٍ، وأبو سفيانَ، فلمَّا أتَى اللهُ (٢) بالإسلامِ أدبَروا في الرأيِ، وكان أبو سفيانَ صديقَ العَبَّاسِ ونَدِيمَه بالجاهليةِ (٣) .

  27. أسلَم أبو سفيانَ يومَ الفتحِ، وشهِد مع رسولِ اللهِ ﷺ حُنَينًا، وأَعْطَاه مِن غنائمِها مائةَ بعيرٍ وأربعينَ أُوقيَّةً وزَنها له بلالٌ، وأعطَى ابنَيهِ يزيدَ ومعاويةَ.

  28. واختُلِف في حينِ إسلامِه؛ فطائفةٌ تَرْوِي (٤) أَنَّه لَمَّا أَسلَم حَسُنَ إسلامُه، وذكَروا عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: رأيتُ أبا سفيانَ [يومَ اليرموكِ] (١) تحتَ رايةِ ابنِه (٥) يزيدَ يُقاتِلُ، ويقولُ:

    ج ٨ ص ٣٤٣يا نصرَ اللهِ اقترِبْ (١) .

  29. ورُوِى أنَّ أبا سفيانَ بن حربٍ كان يومَ اليَرْموكِ يَقِفُ على الكَرَادِيسِ (٢) ، فيقولُ للناسِ (٣) : اللهَ اللهَ، إنَّكم (٤) ذادة (٥) [العربِ وأنصارُ الإسلامِ، وإنَّهم ذادةُ] (٥) الرُّومِ وأنصارُ المشركين، اللَّهمَّ هذا يومٌ مِن أيامِك، اللَّهمَّ أَنزِلْ نصرَك على عبادِك (٦) .

  30. وطائفةٌ تَرْوِي (٧) أَنَّه كان كَهْفًا للمُنافِقِينَ منذُ أسلم، وكان في الجاهليةِ يُنسَبُ إلى الزَّندقةِ.

  31. وفي حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، عن أبيه أنَّه قال (٨) : لمَّا أتَى به العَبَّاسُ، وقد أردَفه خلفَه يومَ الفتحِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وسأله أن يُؤَمِّنَه، فلما رَآه رسولُ اللهِ ﷺ ، قال له: "وَيْحَك يا أبا سفيانَ، [أمَا آنَ لكَ] (٩) أن

    ج ٨ ص ٣٤٤تعلمَ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ؟ "، فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي، ما أوصَلَك وأحلَمَك وأكرَمَك! واللهِ لقد ظَنَنتُ أنَّه لو كان مع اللهِ إلهٌ (١) غيرُه لقد أغنَى عَنِّي شيئًا، فقال: " وَيْحَكَ يا أبا سفيانَ! ألم يَأْنِ لك أن تعلم أنّي رسولُ اللهِ؟ "، فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي، ما أوصَلَك وأحلَمَك وأكرَمَك! أمَّا هذه ففي النفسِ منها شيءٌ، فقال له العَبَّاسُ: وَيْحَكَ (٢) ! اشهَدْ بشهادةِ (٣) الحقِّ قبل أن تُضرَبَ عُنقك، فشهد وأسلم (٤) ، ثم سأل له العَبَّاسُ رسول الله ﷺ أن يُؤَمِّنَ مَن دخل داره، وقال: إنَّه رجلٌ يُحِبُّ الفخر والذكر، فأسعفه رسولُ اللهِ ﷺ في (٥) ذلك، وقال: " مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومَن دخل الكعبة فهو آمِنٌ، ومَن ألقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَق بابه على نفسه فهو آمِنٌ" (٦) .

  32. وفي خبر ابنِ الزُّبَيْرِ أَنَّه رَآه يومَ اليرموك، قال: وكانت الرُّومُ إذا

    ج ٨ ص ٣٤٥ظَهَرتْ (١) قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر، وإذا كشفهم المسلمون، قال أبو سفيان:

    وبَنُو الأصفرِ المُلُوكُ مُلُوكُ الـ … ـــــرُّومِ لم يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ

    فَحَدَّثَ به ابنُ الزُّبَيْرِ أباه لما فتح الله على المسلمين، فقال الزُّبَيْرُ: قاتله الله! يأبَى إلا نفاقًا، أوَ لسنَا خيرًا له من بني الأصفر (٢) .

  33. وذكر ابنُ المبارك، عن مالك بن مِغْوَلٍ، عَن ابنِ أَبْجَرَ، قال: لَمَّا بويع لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ جاء أبو سفيان إلى عليٍّ، فقال: غَلَبَكم (٣) على هذا الأمرِ أَقَلُّ بيتٍ في قريش؟! أمَا وَاللَّهِ لَأَمْلأَنَّها خَيْلًا ورجالًا إِنْ شئتَ، فقال عليٌّ: ما زِلْتَ عَدُوًّا للإسلام وأهله، فما ضَرَّ ذلك الإسلام وأهلَهُ شيئًا، إنَّا رَأَيْنا أبا بكرٍ لها أهلًا، وهذا الخبرُ مما رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، عن ابن المُبارَكِ (٤) .

  34. ورُوِي عن الحسن أنَّ أبا سفيانَ دخَل على عثمانَ حينَ صارتِ الخلافةُ إليه، فقال: قد صارَتْ لك (١) بعدَ تَيْمٍ وعَدِيٍّ، فَأَدِرْها كالكرة، واجعَلْ أوتادَها بنى أُمَيَّةَ، فإنَّما هو المُلْكُ، ولا أدري ما جَنَّةٌ ولا نارٌ، فصاحَ به عثمانُ: قُمْ عَنِّي، فعَل الله بك وفَعَلَ (٢) .

    ج ٨ ص ٣٤٦
  35. وله أخبارٌ من نحو هذا رديَّةٌ ذكرها أهل [الأخبار لم أذكُرْها] (٣) ؛ لأن (٤) في بعضها ما يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ إسلامه سالمًا، ولكن حديثُ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ يَدُلُّ على صحة إسلامه، والله أعلمُ.

  36. حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن سعدٍ، قال حدَّثنا أبي، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: فُقِدَتِ الأصواتُ يومَ اليَرْمُوكِ إلا رجلٌ واحدٌ يقولُ: يا نصر الله اقْتَرِبْ، والمسلمون يَقْتَتِلون هُمْ والرُّومُ، فَذَهَبْتُ أنظرُ، فإذا هو أبو سفيانَ تحت رايةِ ابنه يزيدَ (٥) .

  37. وكانَتْ له كُنْيةٌ (١) أُخرَى: أبو حنظلة، بابنه حنظلة المقتول يومَ بدرٍ كافرًا.

    ج ٨ ص ٣٤٧
  38. وشهد أبو سفيانَ حُنَينًا مُسلِمًا وفُقِئتْ عينه يومَ الطائف، فلم يَزَلْ أعور حتَّى فُقِئتْ عينُه الأُخرَى يومَ اليَرْموك، أصابَها حَجَرٌ فَشَدَخَها فعَمِيَ، ومات سنة ثلاثٍ وثلاثين في خلافة عثمان، وقيل: سنةَ اثنتَيْنِ وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وصَلَّى عليه ابنه معاوية، وقيل: بل صَلَّى عليه عثمانُ بموضع الجنائز، ودفن بالبقيع، وهو ابنُ ثَمَانٍ وثمانين سنةً، وقيل: ابنُ بضع وتسعين سنة.

  39. وكان رَبْعةً دَحْدَاحًا ذا هامةٍ عظيمةٍ.

  40. [٣٠٨٩] أبو سفيان والد عبدِ اللهِ بن أبي سفيان (٢) ، حديثه عن النَّبيِّ ﷺ : "عُمْرةٌ في رمضانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" (٣) ، إِسنادُه مَدَنيٌّ أخشَى أَن يكون مرسلًا (٤) .