تمهيد
٢٢١ فقرة، ج ١ ص ٢٢
الصفحة ٦ من ٦
- ج ١ ص ٧٦
٢٠- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق قال حدثني عبد الله١ بن أبي سلمة قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف-فيما بلغني-كلام٢ في ذلك، فقال له٣: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام، فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت، قد قتلت قاتل أبي. ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شيء، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مهلاً يا خالد، دع عنك صاحبي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته" ٤. والحديث مرسل.
- (١)عبد الله بن أبي سلمة الماجشون-بفتح الجيم وضم الشين-التيمي مولاهم، ثقة من الثالثة (ت١٠٦) / م د س. (ابن حجر: التقريب١/٤٢٠،وتهذيب التهذيب٥/٣٤٣) .
- (٢)هذا الكلام الذي حصل بين خالد وعبد الرحمن بن عوف جاء عند ابن إسحاق أن سببه أن بني جذيمة كانوا قد أصابوا في الجاهليه عوف بن عبد عوف، والد عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة. وذلك أن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعوف بن عبد مناف بن عبد الرحمن بن زهرة، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس قد خرجوا تجارة إلى اليمن، ومع عفان ابنه عثمان، ومع عوف ابنه عبد الرحمن، فلما أقبلوا حملوا مال رجل من بني جذيمة بن عامر - كان هلك باليمن إلى ورثته، فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام، ولقيهم بأرض بني جذيمة قبل أن يصلوا إلى اهل الميت، فأبوا عليه، فقاتلهم بمن معه من قومه على المال لياخذه، وقاتلوه، فقتل عوف بن عبد عوف، والفاكه بن المغيرة، ونجا عفان بن أبي العاص وابنه عثمان وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة، ومال عوف ابن عبد عوف، وانطلقوا به، وقتل عبد الرحمن بن عوف خالد بن هشام قاتل أبيه، فهمت قريش بغزو بني جذيمة، فقالت بنو جذيمة: ما كان مصاب أصحابكم عن ملأ منا، إنما عدا عليهم قوم بجهالة، فأصابوهم ولم نعلم، فنحن نعقل لكم ما كان لكم قبلنا من دم أو مال، فقبلت قريش ذلك، ووضعوا الحرب. (سيرة ابن هشام ٢/٤٣١، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٦٨، والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٢٩، وابن كثير: البداية النهاية ٤/٣١٤) .
- (٣)أي فقال عبد الرحمن بن عوف لخالد بن الوليد. (الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٦٦، وسيرة ابن هشام ٢/٤٣١) .
-
وهو يدل على ما وقع من خالد بن الوليد مع بني جذيمة، إنما هو انتقام وثأر لعمه الفاكه بن المغيرة، وهذا لا يليق بخالد بن الوليد وبصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامة، ولا ينبغي أن يظن بهم أنه يصدر منهم مثل هذا، والحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، والصحيح في ذلك ما جاء في حديث ابن عمر عند البخاري والنسائي وأحمد وعبد بن حميد، وهذا سياقه عند البخاري:
ج ١ ص ٧٧٢١- قال حدثني محمود١، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، -ح٢- وحدثني نعيم٣، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي - صلى الله خالد - بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا٤ صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر٥، ودفع إلى كل رجل منا أسيره٦، حتى إذا كان يوم٧ أمر خالد أن يقتل كل
ج ١ ص ٧٨رجل منا أسيره، فقلت١: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرناه٢، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين" ٣٤.
- (١)محمود: هو ابن غيلان العدوي مولاهم. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٥٧، وتهذيب التهذيب ١٠/٦٤) . (ح) هذه لها أربعة معان: أ - أن المراد بها التحويل من سند إلى سند آخر، وهذا هو المشهور. ب - أنها من الحيلولة أي حالت بين السند الأول والسند الثاني، بمعى فصلت بين إسنادين. ?- أنها إشارة إلى بقية الحديث، كأنه قال لك اقرأ الحديث. د- أن المراد بها صح، كأنه يقول: الإسناد الأول صحيح، هؤلاء رواته، والإسناد الثاني صحيح وهؤلاء رواته. وحسن إثبات صح هنا لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يركب الإسناد الثاني على الأول، فيجعلا إسنادا واحدا. (انظر: المقدمة ابن الصلاح ص٢١٨- ٢١٩ مع (التقييد والإيضاح) ، وتقريب النووي ص٣٠٣- ٣٠٤ مع (تدريب الراوي) . ٣ نعيم: هو ابن حماد، وعبد الله: هو ابن المبارك (ابن حجر: فتح الباري ٨/٥٧) . ٤ قوله: "صبأنا صبأنا" قال ابن حجر: هذا من ابن عمر راوي الحديث، يدل على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة، ويؤيد فهمه أن قريشا كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ، حتى اشتهرت هذه اللفظة، وصاروا يطلقونها في مقام الذم. ومن ثم لما أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمرا قالوا له: صبأت؟ قال: لا بل أسلمت، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء. وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم "صبأنا" أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة، ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولا قولهم. (فتح الباري ٨/٥٧) . ٥ وعند النسائي "وجعل خالد قتلا وأسرا". وعند أحمد "وجعل خالد بهم أسرا وقتلا". قال ابن حجر: وفي كلام ابن سعد أن خالدا أمرهم أن يستأسروا فاستأسروا فاكتف بعضهم بعضا، وفرقهم في أصحابه. ثم قال ابن حجر: فيجمع بأنهم أعطوا بأيديهم بعد المحاربة. (فتح الباري ٨/٥٧، وانظر: (الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٧- ١٤٨) . ٦ وعند أحمد "ودفع إلى كل رجل منا أسيراً". ٧ وعند النسائي وأحمد وعبد بن حميد "حتى إذا أصبح يوماً".
- (١)وعند النسائي وأحمد وعبد بن حميد "قال ابن عمر: فقلت".
- (٢)وعند أحمد "قال: فقدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له صنيع خالد". وعند النسائي "قال: فقدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له صنيع خالد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع يديه، "اللهم إني أبرأ إليك" ... الخ. وعند عبد بن حميد "فذكر له ما صنع خالد".
-
والحديث رواه أحمد، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر به٥.
- (٥)أحمد: (المسند ٢/١٥٠- ١٥١، وعبد بن حميد: المسند ١/١٠٠ بسم الله الرحمن الرحيم) .
-
ورواه النسائي من طريق هشام٦ بن يوسف، وعبد الرزاق، ومن طريق عبد الله بن المبارك ثلاثهم عن معمر به٧.
- (٦)هشام بن يوسف، هو: الصنعاني أبو عبد الرحمن. (ابن حجر: تهذيب التهذيب ١١/٥٧) .
- (٧)السنن ٨/٢٠٨ كتاب آداب القضاة (باب الرد على الحاكم إذا قضى بغير حق) . (البداية والنهاية ٤/٣١٣- ٣١٤) .
-
والحديث صريح في أن خالدا قتل بني جذيمة لعدم تصريهم بالإسلام، واقتصارهم على قولهم "صبأنا" فلم يقبل ذلك خالد منهم ولم يعتبره عاصما لدمائهم، وهذا يرد ما جاء في الروايات المتقدمة من أن خالدا قتلهم ثأرا بعمه الفاكه بن المغيرة.
-
ولذا فقد أورد ابن كثير الأحاديث التي ساقها ابن إسحاق، التي ظاهرها أن ما وقع من خالد بن الوليد مع بني جذيمة كان بدافع الانتقام والأخذ بثأر عمه، ثم عقب بقوله "وهذه مرسلات ومنقطعات" .
-
ثم أورد حديث ابن عمر بإسناد أحمد بن حنبل، ثم قال: ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه٨.
- (٣)وعند عبد بن حميد "مرتين أو ثلاثا".
- (٤)البخاري: (الصحيح ٥/١٣١ كتاب المغازي (باب بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن وليد إلى بني جذيمة) . و٩/١ كتاب الأحكام، باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد. و٨/٦٣ كتاب الدعوات، باب رفع الأيدي في الدعاء تعليقا مختصرا. و٤/٨٠ كتاب الجزية، باب إذا قالوا صبأنا، تعليقا أيضا.
- ج ١ ص ٧٩
وعند تفسير قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} الآية١،
قال: والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة ...
- (١)سورة الحديد – آية: ١٠.
-
٢٢- وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد٢ ابن عبد الملك، حدثنا زهير٣، حدثنا حميد٤، عن أنس٥، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "دعوا لي أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أُحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم" ٦.
ثم قال ابن كثير: ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة، الذين بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك٧.
- (٢)أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، أبو يحيى الأسدي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة (ت٢٢١) /خ س ق. (ابن حجر: التقريب١/٢٠،وتهذيب التهذيب١/٥٧) .
- (٣)زهير بن معاوية بن خديج، أبو خثيمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، من السابعة (ت٧٢ أو١٧٣ أو ١٧٤) /ع. (التقريب١/٢٦٥،وتهذيب التهذيب١/٣٥١) .
- (٤)حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، من الخامسة (ت ١٤٢، ١٤٣) وهو قائم يصلي/ع. (التقريب ١/٢٠٢، وتهذيب التهذيب ٣/٣٨) .
- (٥)أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور (ت٩٢ وقيل ٩٣) وقد جاوز المائة/ع. (ابن خجر: التقريب ١/٨٤، وتهذيب التهذيب ١/٣٧٦) .
-
فهذا الصنيع من ابن كثير - رحمه الله تعالى - يدل على أنه لم يرتض ما قاله
ج ١ ص ٨٠ابن إسحاق وموافقوه من أن سبب الخصومة بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف هو قتل خالد لبني جذيمة ثأرا بعمه الفاكه١.
- (٦)الحديث في مسند أحمد ٣/٢٦٦ وفيه حميد وهو مدلس وقد عنعن ولكن أصل المشاجرة بين خالد وعبد الرحمن بن عوف ثابتة في صحيح مسلم ٤/١٩٦٧ كتاب فضائل الصحابة (باب تحريم سب الصحابة) من حديث أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه". (ابن كثير: التفسير ٤/٣٠٦) . ١ انظر ص٧٦ من هذا المبحث، تعليقة
- (١).؟؟؟ ٢ انظر ص: ٧٨- ٨٠.
-
والحق أن الاختلاف والمشاجرة بين عبد الرحمن وخالد، كان بسبب قول بني جذيمة "صبأنا صبأنا" .
-
ففهم منها عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر أن مراد القوم بهذه الكلمة الدخول في الإسلام.
-
وحملها خالد على أن القوم يتنقصون الإسلام ويحتقرونه وأنه لا بدّ من تصريهم بكلمة "أسلمنا" .
-
وهذا هو الذي يتعين المصير إليه إجلالا لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوقوع في مثل هذا.
-
وفيما يلي ننقل شيء ممّا قاله العلماء حول موقف خالد بن الوليد - رضي الله عنه - مع بني جذيمة، ليتجلى الموقف أكثر، ويتضح أن ما فعله خالد كان بهدف نصرة الإسلام والمسلمين:
- عذر خالد بن الوليد:
-
إن الذي فعله خالد بن الوليد رضي الله عنه مع بني جذيمة كان عن تأويل واجتهاد إذ لم يتيقن أن القوم أسلموا بقولهم "صبأنا" ، ومعلوم أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.
-
وهذا ما حصل من خالد - رضي الله عنه -، فإنه اجتهد في ذلك ولكنه أخطأ، ولذا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخذه على ما صنع، وإن كان تبرأ من فعله وغضب - صلى الله عليه وسلم - لتسرعه وعدم تثبته.
-
قال بن كثير- بعد أن ساق المشاجرة التي أوردها ابن إسحاق بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف٢:
ج ١ ص ٨١والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله، وإن كان أخطأ في أمر، واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم "صبأنا صبأنا" ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضا؛ ومع هذا لم يعزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل استمر به أمرا، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك، وودى١ ما كان جناه خطأ في دم أو مال ... ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك٢ ابن نويرة أيام الردة وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فإن في سيفه رهقا٣، فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين٤.
وقال ابن حجر: قوله: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" يعني من قتله الذين قالوا: "صبأنا" قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول، فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومنم تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من
ج ١ ص ٨٢المذكورين، ثم قال: وقال الخطابي١: الحكمة في تبرئه - صلى الله عليه وسلم - من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك، لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، لينْزَجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله.
وقال أيضا: إنما أنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خالد حيث لم يتثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا. ا.? كلام الخطابي٢.
وقال العامري: إنما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على خالد حيث لم يتثبت في أمرهم، ثم عذره في إسقاط القصاص، لأن هذا ليس تصريحا في قبولهم الدين٣.
وقال القسطلاني: إنما نقم على خالد استعجاله في شأنهم، وترك التثبت في أمرهم إلى أن سيرى المراد من قولهم صبأنا٤، ولم يرى عليه قودا لأنه تأول أنه كان مأمورا بقتالهم إلى أن يسلموا٥.
- (١)أي سلم دية القتلى، جاء ذلك عند ابن إسحاق من مرسل أبي جعفر محمد بن علي قال: ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه لا يدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي - رضوان الله عليه - حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مما يعلم ولا تعلمون ففعل. الحديث. (انظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٣٠) .
- (٢)هو: مالك بن نويرة اليربوعي، ومحصل قصة قتله أن خالد بن الوليد سار إليه وكان بالبُطحاء، فلما وصل خالد البطحاء بث السرايا، فأسروا مالكا في جملة من أصحابه، وكانت ليلة شديدة البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد قتلهم فقتلوهم، وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة. وقيل: إن خالدا استدعى مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال له: ألم تعلم أن الزكاة قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم - يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يزعم ذلك. فقال خالد: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟. يا ضرار اضرب عنقه، فضرب ضرار عنقه، واصطفى خالد امرأته أم تميم بنت المنهال. (ابن كثير: البداية والنهاية ٦/٣٢٢) .
- (٣)رهقا: بالتحريك: أي عجلة (ابن الأثير: النهاية ٢/٢٨٣) . (ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣١٤) . وفي مسند أحمد ٣/٤٧٥- ٤٧٦ أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، خطب الناس بالجابية ووزع عليهم الأعطيات حسب سبقهم في الإسلام الحديث مطول وفيه "فقال له أبو عمرو بن حفص بن المغيرة يعاتبه في عزل خالد ابن الوليد: لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله، وغمدت سيفا سله رسول الله، ووضعت لواء نصبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
- (١)هو الإمام العلامة المفيد المحدث الرحال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف، وكان ثقة متثبتا من أوعية العلم، من تصانيفه الكثيرة: "أعلام السنن"، شرح به صحيح البخاري، و"معالم السنن" شرح به سنن أبي داود، توفي الخطابي رحمه الله سنة (٣٨٨هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/١٠١٨-١٠٢٠، والمباركفوري: مقدمة تحفة الأحوذي١/١٢٦،٢٥٣-٢٥٤) .
- (٢)ابن حجر: (فتح الباري ٦/٢٧٤، ٨/٥٧- ٥٨، ١٣/١٨٢، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٣-٤) .
- (٣)بهجة المحافل ١/٤٤٤.
- (٤)قال الزرقاني: وهذا إنما هو على رواية الصحيح، وأما ما ذكره ابن سعد من أن بني جذيمة عندما جاءهم خالد فقال لهم: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحتنا وأذّنا فيها. فيحمل على أن خالدا تأول أن هذا القول منهم تقية، كما تأول أسامة بن زيد في الرجل الذي قتله بعد أن قال لا إله إلا الله، ظنا منه أنه قالها خوفا من السيف. (شرح المواهب اللدنية ٣/٤) . وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٧ فقد ساق قصة خالد مع بني جذيمة بدون إسناد. وساقها الواقدي في مغازيه ٣/٨٧٥ من مرسل أبي جعفر محمد بن علي بن حسين الباقر.
- (٥)إرشاد الساري ٦/٤١٦- ٤١٧. وقال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي، وقال أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام. (سيرة ابن هشام٢/٤٣٠) .
-
وقد تبين ممّا سبق من أقوال العلماء أن هذه المسألة بين خالد قائد السرية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر مسألة اجتهادية أخطأ فيها خالد حينما تسرع في قتل القائلين "صبأنا" ، ورأى عبد الرحمن وابن عمر أن مراد القوم بهذه الكلمة الإسلام.
- ج ١ ص ٨٣
ولم يفهم ذلك خالد، ولذلك وقع النزاع، وبما أن خالدا هو أمير السرية فقد أنفذ القتل فيهم، إذ فهم أن القوم يسخرون من الإسلام بقولهم "صبأنا" لأن قريشا كانت تنبز الذي يدخل في الإسلام بأنه صابئ، تعييرا له، وكان هذا مشهورا وقد وقع لخالد نفسه حين أسلم، فقال له عكرمة بن أبي جهل صبأت يا خالد، قال بل أسلمت، وكذلك وقع مثله لثمامة بن أثال، وعمر بن الخطاب١ وغيرهم من الصحابة، فعذر خالد في إسراعه بقتل أولئك القوم قائم، وهو أنه لم يفهم منهم إلا رفض الإسلام، لأنهم لم يصرحوا به، ولكنه لم يستفسرهم عن مرادهم ولم يأخذ برأي عبد الرحمن بن عوف وابن عمر فكان ذلك خطأ منه تبرأ من صنيعه فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وودى أولئك القتلى وأقر خالدا على إمرته، لأنه مجتهد ولم يكن يقصد إلا نصرة الإسلام بما فعل٢.
- (١)انظر: (أسد الغابة لابن الأثير ١/٢٩٤. والإصابة لابن حجر: ١/٢٠٣، ٢٤٤) .
- (٢)انظر: (صادق العرجون في كتابه: خالد بن الوليد ص٨١، ٨٣، ٨٩، ٩٠، ٩١) .