الحكم الثامن: إقامة الحد في دار الحرب

٥٦ فقرة، ج ١ ص ٥٩٢

الصفحة ٢ من ٢

  1. وقد اختلف العلماء في بسر بن أرطأة هل له صحبة أوّلاً، قال ابن عبد البر: "يقال إنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو صغير، هذا قول الواقدي وابن معين وأحمد وغيرهم ".

    وقالوا: "خرف في آخر عمره ".

    ج ١ ص ٦٠١
  2. وأما أهل الشام: "فيقولون إنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: "ولبسر ابن أرطأة حديثان هذا أحدهما والثاني: " في الدعاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة" ٤.

  3. وكان يحيى بن معين يقول: "لا تصح له صحبة وكان يقول فيه رجل سوء" ٥ إهـ ".

    وقال المنذري: "وكان يحيى بن معين لا يحسن الثناء عليه، وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، وغمزه الدارقطني "٦" .أهـ.

    ج ١ ص ٦٠٢وقال الزيلعي: "قال البيهقي في " المعرفة " أهل المدينة ينكرون سماع بسر بن أرطأة من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يحيى بن معين يقول: " بسر بن أرطأة رجل سوء ".

    قال البيهقي: "وذلك لما اشتهر من سوء فعله في قتال أهل الحرة ".

    وقال ابن سعد في "الطبقات "١ قال الواقدي: " بسر بن أرطأة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم صغيرا ولم يسمع منه شيئا، وقال غيره إنه سمع منه ".

    ثم قال الزيلعي: "واستدل البيهقي للشافعي في إقامة الحدود بدار الحرب بإطلاق الآيات الواردة في حد الزاني، وقطع السارق، وجلد القاذف، وبما أخرجه أبو داود في "المراسيل٢ عن مكحول٣ عن عبادة ابن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقيموا حدود الله في السفر والحضر، على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم ". ورويناه بإسناد موصول في السنن٤" .

    1. (١)الأم ٧/٣٢٢-٣٢٣".
    2. (٣)سنن أبي داود ٢/٤٥٣ كتاب الحدود، باب السارق يسرق في الغزو أيقطع؟ ". وسنن الترمذي ٣/٥ كتاب الحدود، باب ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو". وسنن النسائي ٨/٨٤ كتاب السارق، باب القطع في السفر". ومسند أحمد ٤/١٨١". والدارمي ٢/١٥٠ كتاب السير، باب في أن لا يقطع الأيدي في الغزو". والطبراني: "المعجم الكبير ٢/١٩". والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٤".
    3. (٤)الحديث رواه أحمد في المسند ٤/١٨١، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص ٦٠١، والطبراني في المعجم الكبير ٢/١٩".
    4. (٥)الاستيعاب ١/١٥٤ و١٥٥ و١٥٦ مع الإصابة".
    5. (٦)عون المعبود ١٢/٨٣، وتحفة الأحوذي ٥/١٢".
    6. (٢)كتاب المراسيل ص ٢٦".
    7. (٣)مكحول هو الشامي ولم يسمع من عبادة كما في تهذيب التهذيب ١٠/٢٩٢".
  4. وحديث بسر قال فيه الترمذي: "حديث غريب" ، ثم قال: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد في الغزو وبحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار السلام أقام الحد على من أصابه" . كذلك قال الأوزاعي٥. إهـ.

    1. (٥)سنن الترمذي ٣/٥ كتاب الحدود، باب ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو".
  5. ٢٦١- واستدلوا أيضاً بما روى عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلاً من المسلمين حداً، وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار "٦" .

  6. وفيه الأحوص ضعيف الحفظ، وأبوه حكيم بن عمير، صدوق يهم٧".

    1. (١)انظر: "الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٤٠٩ وانظر تهذيب التهذيب ١/٤٣٥-٤٣٦ ونقل عن ابن عدي "أنه قال مشكوك في صحبته ولا أعرف له إلا هذين الحديثين".
    2. (٤)نصب الراية ٣/٣٤٤". والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٤".
    3. (٦)المغني لابن قدامة ٨/٤٧٣-٤٧٤ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٤٠".
    4. (٧)التقريب ١/٤٩ و١٩٤".
  7. وقد تابع الأحوص ثور بن يزيد وهو ثقة عند البيهقي ولكن الحديث فيه إبهام ".

    ج ١ ص ٦٠٣
  8. ورى أيضاً نحو هذا الحديث عن مكحول عن زيد بن ثابت، وفيه إبهام أيضا ومكحول قال الشافعي لم ير زيد بن ثابت ١".

  9. وروى البوصيري٢ من طريق حسان بن زاهر أن حصين بن حدير أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: "لا تقطع اليد في الغزو ولا عام سنة" ٣.

    1. (٢)البوصيري: "هو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي القاهري شهاب الدين أبو العباس محدث (٧٦٢-٨٤٠) . (كحالة؛ معجم المؤلفين ١/١٧٥) .
  10. وحسان بن زاهر وحصين بن حدير، ذكرهما ابن أبي حاتم والبخاري ولم يذكرا فيهما جرحا ولا تعديلاً٤ ".

  11. والخلاصة أن الأحاديث في هذا كلها لا تخلو من ضعف".

    وقال أبو حنيفة: "لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع إلا إذا غزا من له ولاية الإقامة بنفسه كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على مرتكبيه لأنه تحت يده، بخلاف أمير العسكر والسرية لأنه لم تفوض إليهما الإقامة، ولا تقام الحدود بعد الرجوع إلى بلاد الإسلام؛ لأنه عندما ارتكب الحد في دار الحرب لم يكن للإمام عليه قدرة، فلم تنعقد موجبة، فلا ينقلب موجبة بعد الخروج من دار الحرب" .

  12. واستدل الأحناف على هذا بما استدل به الحنابلة من أنه لا تقام الحدود في دار الحرب، إلا أن الحنابلة أوجبوا إقامة الحد بعد الرجوع إلى بلاد المسلمين والأحناف عمموا عدم إقامة الحد في السفر والحضر٥".

  13. والذي يظهر في هذا هو وجوب إقامة الحد على مرتكبيه في أي زمان ومكان لأن النصوص الواردة في ذلك عامة وصحيحة فلا يترك الحد مخافة أن يلحق من أقيم عليه الحد بالمشركين لأن احتمال لحقوقه بالمشركين لا يكون مبررا في إسقاط الحد عمن ارتكبه.

    ج ١ ص ٦٠٤قال الشافعي: "فإن لحق بالمشركين من أقيم عليه الحد، فهو أشقى له، ومن ترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين، تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم التي تتصل ببلاد الحرب" ١ ".

    1. (١)الأم للشافعي٧/٣٢٢والسنن الكبرى للبيهقي٩/١٠٥ونصب الراية٣/٣٤٣-٣٤٤".
    2. (٣)إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة مجلد ٢/جزء ٣ص ١٤٤ أرقم ٢٣٧".
    3. (٤)الجرح والتعديل لابن أبي حاتم٢/١٩٢،و٢٣٦".والتاريخ الكبير للبخاري٣/ و٣٣".
    4. (٥)الهداية للمرغيناني ٢/١٠٢-١٠٣ ونصب الراية للزيلعي ٣/٣٤٣-٣٤٤". ١الأم للشافعي٧/٣٢٢-٣٢٣و٤/١٩٩-٢٠٠والسنن الكبرى للبيهقي٩/١٠٤-١٠٥". ٢ انظر إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ٣/٥-٨".
  14. هذا هو الواجب على المسلمين عملا بقوله صلى الله عليه وسلم "أقيموا حدود الله في السفر والحضر على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم ".

  15. لكن يمكن أن يقال إن أمير الجيش في دار الحرب إذا خشي مفسدة كبيرة تترتب على إقامة الحد على ذي شوكة في أفراد الجيش فإن الأمر يرجع حينئذ إلى اجتهاده فلا بأس أن يؤخر عنه الحد إلى الحضر نظرا لهذه المصلحة الراجحة، وَالحَدُّ سيقام على مرتكبيه بكلّ حال وأكثر ما فيه تأخير الحدّ لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحقوه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى"٢ ".

  16. وأما ما قاله الأحناف من سقوط الحد مطلقا في السفر والحضر فهذا غير وجيه لأن فيه تضيعا لحدود الله، بتعليلات واهية".