الحكم الرابع عشر: في بيان تحريم الغلول في الغنيمة
٥٨ فقرة، ج ١ ص ٦٧٧
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٦٩٠
ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو المتقدم في قصة (كركرة) ٢ ".
قال ابن حجر: "قوله ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرق متاعه يعني في حديثه الذي ساقه في الباب في قصة الذي غل العباءة ".
-
وقوله: "وهذا أصح "، أشار إلى تضعيف ما روي عن عبد الله بن عمر في الأمر بحرق رحل الغال" .
-
والإشارة بقوله (هذا) إلى الحديث الذي ساقه ".
ثم قال ابن حجر: "والأمر بحرق رحل الغال، أخرجه أبو داود من طريق صالح بن محمد بن زائدة الليثي المدني أحد الضعفاء، قال: "دخلت مع مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فأتى رجل قد غل فسأل سالما أي- ابن عبد الله بن عمر - عنه فقال: " سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه" ٣.
-
ثم ساق من وجه آخر عن سالم موقوفا ثم قال أبو داود: "وهذا أصح٤" .
- (١)النووي: "شرح صحيح مسلم ٤/٤٩٦ وانظر فتح الباري ٦/١٨٦-١٨٨ وفيض القدير للمناوي ٦/٤٥١، والمنتقى للباجي ٣/٢٠٤".
- (٢)تقدم تخريج الحديث برقم (٢٨٨) .
- (٣)تقدم تخريجه برقم (٢٩٠) .
- (٤)وسياقه عند أبي داود: "حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي قال أنبأنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد قال: "غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه". قال أبو داود هذا أصح الحديثين (سنن أبي داود ٢/٦٣ كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال، قال في عون المعبود ٧/٣٨٣: "المعنى أن هذا الحديث الموقوف أصح من الحديث المرفوع الذي قبله". إهـ، والذي أمر الوليد بن هشام بحرق متاعه هو: "زياد بن سعد الملقب (زياد شعر) كما في سنن أبي داود". ١انظر سنن الترمذي ٣/١١ كتاب الحدود، باب ما جاء في الغال ما يصنع به، وانظر: "تاريخ البخاري الكبير ٤/٢٩١ والتاريخ الصغير ص ١٧١". ٢ وسياقه عند أبي داود ٢/٦٣: "حدثنا محمد بن عوف حدثنا موسى بن أيوب قال: "حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه". ٣ وسياقه قال أبو داود: "وحدثنا به الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة قالا حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب قوله". أهـ. وزهير بن محمد الراوي لهذا الحديث عن عمرو بن شعيب وعنه الوليد بن مسلم هو: "الخراساني نزيل مكة". قال البيهقي: "ويقال إن زهيراً هذا مجهول وليس بالمكي". (السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٢، وتهذيب التهذيب لابن حجر ٣/٣٥٠) . ٤ فتح الباري ٦/١٨٦-١٨٨". ٥ دليله حديث عمرو بن شعيب المتقدم برقم (٢٩١) وهو حديث ضعيف".
- ج ١ ص ٦٩١
وقال البخاري في (التاريخ) يحتجون بهذا الحديث في إحراق رحل الغال، وهو باطل ليس له أصل وراويه لا يعتمد عليه، ثم قال ابن حجر: "وروى الترمذي عنه أيضاً أنه قال: " (صالح) منكر الحديث ".
-
وقد جاء في غير حديث ذكر الغال وليس فيه الأمر بحرق متاعه١، ثم قال ابن حجر: "قلت وقد جاء من غير طريق صالح بن محمد ".
-
٢٩١- أخرجه أبو داود أيضا من طريق زهير بن محمد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده ٢".
-
ثم أخرجه من وجه آخر عن زهير عن عمرو بن شعيب موقوفا عليه وهو الراجح٣ ".
ثم قال ابن حجر: "وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد في رواية، وهو قول مكحول والأوزاعي ".
-
وعن الحسن يحرق متاعه إلا الحيوان والمصحف".
وقال الطحاوي: "لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال٤" .إهـ.
-
ورجح ابن قيم الجوزية عدم النسخ وقال: "الصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة، فإنه صلى الله عليه وسلم حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده٥" .
- ج ١ ص ٦٩٢
ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة١.
- (١)أخرجه أو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث معاوية بن أبي سفيان. وأبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمر. وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة. وأبو داود من حديث قبيصة بن ذؤيب". والترمذي من حديث جابر بن عبد الله. (سنن أبي داود ٢/٤٧٣-٤٧٤ كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر) . والترمذي: السنن ٢/٤٤٩-٤٥٠ كتاب الحدود، باب ما جاء مَن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه. والنسائي ٨/٢٨١ كتاب الأشربة باب ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر. وابن ماجة ٢/٨٥٩ كتاب الحدود، باب في شرب الخمر مرارا، وهو حديث صحيح وقد أخرجه غير هؤلاء.
-
فليس بحد ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام٢.إهـ.
- (٢)زاد المعاد ٣/١٠٦ و١٠٨ و ١٠٩.
-
ومال محمد الأمين الشنقيطي إلى اختيار ابن قيم الجوزية هذا، وقال: "وإنما قلنا: " إن هذا القول أرجح عندنا لأن الجمع واجب إذا أمكن وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة كما علم في الأصول٣ ".إهـ.
- (٣)أضواء البيان ٢/٤٠٧
-
وهذا الترجيح الذي مال إليه ابن قيم الجوزية وتابعه الشنقيطي في العقوبة بالمال وجيه، غير أن الحديث الوارد في حرق متاع الغال بخصوصه لم يثبت٤، وإنما يصار إلى الجمع بين الأدلة على هذا الوجه إذا كانت متكافئة في الصحة، ومادام الحديث في حرق متاع الغال لم يثبت فيكون الراجح في هذا قول جمهور العلماء وهو تعزير الغال بما يراه الإمام دون حرق المتاع، وذلك لأن في حرق المتاع مفسدة للمال الذي يمكن أن يستفيد منه المسلمون، خاصة أن الأحاديث الصحيحة الواردة عنه صلى الله عليه وسلم بعقوبة الغال، ليس فيها الأمر بحرق متاع الغال كما تقدم في حديث عبد الله ابن عمرو في قصة (كركرة) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هو في النار" ولم يأمر بحرق رحله٥.
- (٤)انظر: "السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٢-١٠٣".
- (٥)انظر: "الحديث رقم (٢٨٨) .
- ج ١ ص ٦٩٣
٢٩٢- وفي حديث زيد١ بن خالد الجهني، بإسناد صحيح، قال: "تفي رجل من أشجع بخيبر٢ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"صلوا على صاحبكم " فأنكر الناس ذلك وتغيرت له وجوههم، فلما رأى ذلك قال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله " ٣.
قال زيد: "فالتمسوا في متاعه، فإذا خرزات٤ من خرز يهود ما تساوي درهمين ٥ ".
- (١)زيد بن خالد الجهني المدني صحابي مشهور مات بالكوفة، سنة ٦٨ أو ٧٠ وله ٨٥ سنة"./ع". (التقريب ١/٢٧٤) .
- (٢)وقع في الموطأ (يوم حنين) قال العلماء: "وهو وهم". (المنتقى للباجي ٣/٢٠٠) .
- (٤)الخرز بفتحتين الذي ينظم، والواحدة خرزة". (لسان العرب ٧/٢٢١، ومختار الصحاح ص ١٧٢) .
-
ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بحرق رحله".
قال الكندهلوي: "قوله: " فتغيرت وجوه الناس لذلك ".
قال الباجي٦: "يحتمل أن يريد به وجه المؤمنين لامتناعه من الصلاة على من هو من جملتهم، ولا يعلمون له ذنباً انفرد به، فخافوا أن يكون المانع أمرا يشملهم فيهلكوا بذلك، ويحتمل أن يريد به قبيلة وطائفة تغيرت وجوههم لما يخصهم من أمره، ولما خافوا أن يكون ذلك المعنى شائع فيهم "٧" .
ج ١ ص ٦٩٤ثم قال الكاندهلوي: "قلت أو تغيرت وجوههم لأجل هذا الرجل خاصة لأنهم قد علموا من حاله أنه لا يمتنع من الصلاة إلا على لا ترضى حاله، وأنه قد علم أنه أحدث حدثا يمنعه من الصلاة" .
فقال زيد: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن صاحبكم قد غل في سبيل الله " أي خان في الغنيمة، فبين المعنى الذي امتنع به عن الصلاة عليه" .
ثم قال: "قال الشيخ١ في البذل: " فلهذا قالت الفقهاء إذا مات الفاسق المصر على الفسق يجوز أن لا يصلي عليه الأئمة الذين يقتدى بهم، بل يأمرون الناس أن يصلوا عليه ".
ثم قال الكاندهلوي: "قال الباجي: "وهذه سنة في امتناع الأئمة، وأهل الفضل من الصلاة على أهل الكبائر على وجه الردع والزجر على مثل فعلهم، وأمر غيره - عليه الصلاة والسلام - بالصلاة عليه دليل على أن لهم حكم الإيمان لا يخرجون عنه بما أحدثوه من المعصية وقد روى ابن سحنون٢ عن أبيه٣ عن مالك أنه قال: " لا بأس أن يُصُلَّى على من غل وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: "أن يريد به أن يصلي عليه غير الإمام" .
- (٦)الباجي: "هو أبو الوليد سليمان بن خلف التجيبي، القرطبي، الذهبي المالكي، الحافظ العلامة صاحب الفنون، له مصنفات كثيرة من جملتها كتاب المعاني في شرح الموطأ عديم النظير". (وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٠٨-٤٠٩ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٧٨-١١٨٣ ومعجم المؤلفين لكحالة ٤/٢٦١-٢٦٢) .
- (٣)أخرجه أبو داود: "في السنن ٢/٦٢ كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول". والنسائي: "السنن ٤/٥٢ كتاب الجنائز، باب الصلاة على من غل". وابن ماجه: "السنن ٢/٥٥٠كتاب الجهاد باب في الغلول، وموطأ مالك ٢/٤٥٨ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الغلول". وأحمد: "المسند٤/١١٤ و٥/١٩٢ والحاكم: "المستدرك ٢/١٢٧-١٢٨". والبيهقي السنن الكبرى ٩/١٠١".
- (٥)قوله: "ما تساوي درهمين"، قال الكاندهلوي: "ليعلم لتفاهة قيمتها وأن أخذ هذا المقدار على تفاهته من جملة الكبائر التي تمنع من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم". (أوجز المسالك ٨/٣٣٣) .
- (٧)انظر: "المنتقى شرح موطأ الإمام مالك للباجي ٣/٢٠٠".
- (١)هو خليل الدين أحمد السهارنفوري المتوفى سنة (١٣٤٦هـ) واسم كتابه (بذل المجهود في حل أبي داود) .
- (٢)هو محمد بن عبد السلام بن سحنون بن سعيد التنوخي، القيرواني، المالكي أبو عبد الله، فقيه حافظ (٢٠٢-٢٥٦هـ) . (معجم المؤلفين لكحالة ١٠/١٦٩) .
- (٣)هو عبد السلام بن سعيد الملقب سحنون الفقيه المالكي، صاحب المدونة الكبرى في الفقه المالكي، (١٦٠-٢٤٠هـ) . (وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/١٨٠-١٨٢ ومعجم المؤلفين لكحالة ٥/٢٢٤) .
-
والثاني: "أن الإمام مخير إن شاء صلى، وإن شاء ترك وإن ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الامتناع لم يكن على وجه المنع على الصلاة عليه وإنما كان ذلك لأنه رأى ذلك في ذلك الوقت أفضل، وأن رأى الصلاة في وقت تكون الصلاة أفضل أن يصلي" . وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصلاة على المنافقين إني خيرت٤ فاخترت٥ ". إهـ" .
- (٤)يشير إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه في قصة الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وأن عمر قال: "يا رسول الله أتصلي عليه، وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال: "إني خيرت فاخترت". الحديث". (انظر صحيح البخاري ٢/٨٤ كتاب الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين) .
- (٥)أوجز المسالك ٨/٣٣٢، والمنتقى شرح موطأ مالك للباجي ٣/٢٠٠".
- ج ١ ص ٦٩٥
وفي هذه الأحاديث تظهر عناية الإسلام بالحقوق العامة وتقديمها على المصلحة الخاصة، وذلك أن الغنائم حق مشاع لجميع أفراد الجيش لا يجوز لفرد منهم أن تغلبه مصلحة نفسه فيأخذ من هذا الحق المشاع لنفسه بحجة أن له حقاً فيها، ولذلك جاءت هذه النصوص تنذر بالويل والعذاب الأليم لمن يغل ويخون في الغنائم قبل أن تتميز الحقوق وتظهر بالقسمة العادلة حصة كل فرد من أفراد الجيش الإسلامي، ويتضح ذلك جليا في تشديد الرسول صلى الله عليه وسلم في أخذ الخيط والمخيط وما فوق ذلك وما دون ذلك فهو أعظم حماية للحقوق العامة وأجل صيانة لاحترام المصالح العامة للأمة، وفي نفس الوقت فإن حقوق الفرد لا تضيع فسوف تقسم هذه الغنائم ويأخذ كل فرد حقه كاملا غير منقوص، وهذه خصائص الدين الإسلامي العظيمة التي يجب فهمها وتطبيقها بالعلم والعدل".