الحكم السابع عشر: عمرة الرسول صلى الله عليه وسلم من الجعرانة
٧٨ فقرة، ج ١ ص ٧٢٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٧٣٢
إلى أن قال: "والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها٢ ".
وقال ابن حجر: "وقد خفيت عمرة الجعرانة على ابن عمر كما خفيت على غيره كما ذكر ذلك محرش٣ الكعبي فيما أخرجه الترمذي٤ ".
قلت: "الحديث أيضاً، أخرجه أبو داود والنسائي والحميدي والدارمي والفسوي والشافعي وأحمد وابن سعد والبيهقي وهذا سياقه عند الترمذي:
٣٠٣- قال: "حدثنا محمد٥ بن بشار أخبرنا يحيى بن سعيد٦ عن ابن جريج٧
ج ١ ص ٧٣٣عن مزاحم١ بن أبي مزاحم عن عبد العزيز٢ بن عبد الله عن محرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة٣ ليلاً معتمراً فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرف حتى جاء مع الطريق، طريق جمع ببطن سرف فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس ".
قال أبو عيسى: "هذا الحديث حسن غريب، ولا نعرف لمحرش الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث٤ ".
- (٢)البداية والنهاية ٤/٣٦٦".
- (٣)محرش - بضم أوله وفتح المهملة وكسر الراء الثقيلة - وشين معجمة، ويقال: "بسكون الحاء المهملة - وفتح الراء وكسر الميم - وهو ابن سويد بن عبد الله بن مرة الخزاعي الكعبي، عداده في أهل مكة، صحابي له حديث في عمرة الجعرانة". وهكذا قال الحميدي وعمرو بن علي الفلاس، بأنه بالحاء المهملة، وقيل: "إنه مخرش - بالخاء المعجمة"./ د ت س". (التقريب ٢/٢٣٢ وتهذيب التهذيب١٠/٥٨-٥٩ والإصابة ٣/٣٦٩، والاستيعاب٣/٥٠٤ معالإصابة وأسد الغابة٥/١٠٤، والخلاصة للخزرجي ٣/٧٧) .
- (٤)فتح الباري ٣/٦٠٠و ٦/٢٥٣".
- (٥)محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار - بضم الباء الموحدة وسكون النون - ثقة من العاشرة (ت ٢٥٢) . / ع". (التقريب ٢/١٤٧، وتهذيب التهذيب ٩/٧٠، والمغني لابن طاهر الهندي ص ١١) .
- (٦)يحيى بن سعيد هو القطان "ثقة متقن حافظ" تقدم في حديث (٧٤) .
- (٧)ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز "ثقة فقيه فاضل يدلس" (التقريب١/٥٢٠) .
- (١)مزاحم بن أبي مزاحم المكي، مولى عمر بن عبد العزيز، ويقال مولى طلحة، مقبول، من السادسة". / د ت س". (التقريب ٢/٢٤٠ وفي تهذيب التهذيب ١٠/١٠١, والخلاصة ٣/٢٠ وثقة ابن حبان، وقيل هو: "مزاحم بن زفر بن الحارث الضبي ورده ابن حجر، ولم يذكر البخاري وابن أبي حاتم في مزاحم بن أبي مزاحم جرحا ولا تعديلا". (التاريخ الكبير للبخاري ٨/٢٣ والجرح والتعديل ٨/٤٠٥) .
- (٢)عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد - بفتح الهمزة- الأموي، ثقة: "من الثالثة، ولي إمرة مكة، لعبد الملك بن مروان، (ت في خلافة هشام بن عبد الملك) ووهم من ذكره في الصحابة"./ د ت س". (التقريب١/٥٠١، وتهذيب التهذيب٦/٣٤٢ والإصابة ٣/١٥٦) .
- (٣)قال ابن قيم الجوزية: "ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعمرة من الجعرانة ودخلها في هذه العمرة ليلا، وخرج ليلا، فلم يخرج من مكة إلى الجعرانة ليعتمر كما يفعل أهل مكة اليوم، وإنما أحرم منها في حال دخوله إلى مكة، ولما قضى عمرته ليلا، رجع من فوره إلى الجعرانة، فبات بها فلما أصبح وزالت الشمس، خرج من بطن سرف حتى جامع الطريق، طريق جمع ببطن سرف، ولهذا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس". (زاد المعاد ٢/٩٥) . وقال ابن حجر: "وقد نقل أنه عليه الصلاة والسلام اعتمر من الجعرانة مرتين مرة في عمرة القضاء، ومرة في عمرة هوازن، ثم قال: "وهو غلط واضح، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في عمرة القضاء من الجعرانة، وكيف يتصور أن يتوجه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى جهة الطائف حتى يحرم من الجعرانة، ويتجاوز ميقات المدينة؟ وكيف يلتئم هذا؟ مع قول من نقل هذا القيل إنه صلى الله عليه وسلم لم يحرم إلا من الميقات، بل في الصحيحين من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة". إلا التي مع حجته: "عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته". ثم قال: "وذكر الواقدي أن إحرامه من الجعرانة كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة، بقيت من ذي القعدة". (التلخيص الحبير ٢/٢٣٠-٢٣١ ومغازي الواقدي ٣/٩٥٨) .
- (٤)سنن الترمذي ٢/٢٠٧ كتاب الحج، باب ما جاء في العمرة من الجعرانة".
-
والحديث رواه أحمد والنسائي والدارمي وابن سعد والبيهقي والشافعي الجميع من طريق ابن جريج قال: " أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم به٥".
- (٥)مسند أحمد ٣/٤٢٦و ٤٢٧، وسنن النسائي ٥/١٥٧ كتاب المناسك، باب دخول مكة ليلا". وسنن الدارمي١/٣٨٠ كتاب المناسك، باب الميقات في العمرة". والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٧١". والسنن الكبرى للبيهقي ٤/٣٥٧". ومسند الشافعي ٥/١٣٦ مع الأم". ١ سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم الأموي مولاهم، مقبول، من الثامنة". /د س". (التقريب ١/٣٠٥ وتهذيب التهذيب ٤/٨٢) . ٢ سنن أبي داود ١/٤٦١ كتاب المناسك، باب المُهِلَّة بالعمرة تحيض فيدركها الحج". ٣ إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ثقة ثبت، تقدم في حديث
- ج ١ ص ٧٣٤
ورواه أبو داود من طريق سعيد١ بن مزاحم بن أبي مزاحم حدثني أبي مزاحم به٢ ".
- (١). ٤ سنن النسائي ٥/١٥٧-١٥٨ كتاب المناسك، باب دخول مكة ليلا". ومسند الشافعي ٥/١٣٦ مع الأم، ومسند أحمد ٣/٤٢٦و ٥/٣٨٠ ومسند الحميدي ٢/٣٨٠ والاستيعاب ٣/٥٠٤ مع الإصابة ٥ المعرفة والتاريخ ٣/٢٧٩ ٦ السنن الكبرى ٤/٣٥٧ ٧ الموطأ ١/٣٣١ ٨ ٢/٢٤٠". ٩ ٣/٣٦٩". ١٠ تقدم حديث أنس برقم ٢٩٩".وحديث ابن عباس برقم ٣٠٠، و٣٠١".
-
ورواه الشافعي وأحمد والحميدي والنسائي وابن عبد البر كلهم من طريق سفيان بن عيينة قال: "ثنا إسماعيل٣ بن أمية عن مزاحم بن أبي مزاحم به ". بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا كأنه سبيكة فضة فاعتمر ثم أصبح بها كبائت " لفظ النسائي٤.
-
ولفظ الحميدي وأحمد "فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة ".
-
ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي من طريق الحميدي٥".
-
والبيهقي من طريق الشافعي٦ ".
-
ورواه مالك بلاغاً٧".
-
والحديث مداره على مزاحم بن أبي مزاحم، وقد قال عنه ابن حجر في التقريب "مقبول" ٨ ".
-
وحسن حديثه هذا في الإصابة ٩".إهـ ".
-
وعمرة الجعرانة ثابتة من حديث أنس بن مالك وعبد الله بن عباس١٠".
-
ومن حديث أبي هريرة ابن خزيمة، وابن حبان من طريقه، وهذا سياقه عند ابن خزيمة:
ج ١ ص ٧٣٥٣٠٤- قال حدثنا أحمد١ بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق أخبرني معمر عن الزهري عن ابن المسيب٢ عن أبي هريرة في قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، [سورة التوبة، من الآية: "١] . قال: " لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة " ٣.
- (١)أحمد ابن منصور ابن سيار البغدادي، الرمادي - موضع باليمن - أبو بكر، ثقة حافظ، طعن فيه أبو دواد لمذهبه في الوقف في القرآن، من الحادية عشرة (ت ٢٦٥) ./ق". (التقريب ١/٢٦ وتهذيب التهذيب ١/٨٣، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٢/٣٦) .
- (٢)هو سعيد بن المسيب".
-
والحديث أخرجه ابن حبان من هذه الطريق وبهذا المتن دون قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، [سورة التوبة، من الآية: ١] ٤.
-
والحديث رجاله ثقات".
-
وقد عزاه ابن كثير لعبد الرزاق بهذا الإسناد والمتن ثم قال: "وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد فأما أبو بكر فإنما كان أميرا سنة تسع٥" .
-
٣٠٥- وأخرج ابن سعد قال: "أخبرنا موسى٦ ابن داود أخبرنا ابن لعيهة٧ عن عياض٨ بن عبد الرحمن عن محمد٩ بن جعفر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة، وقال: "اعتمر منها سبعون نبيا" ١٠. والحديث معضل ".
-
وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى فقال: "وأخرج ابن سعد عن محمد بن جعفر ثم ساق الحديث١١".
- (٣)صحيح ابن خزيمة ٤/٣٦٢". ((٤موارد الظمآن ص ٢٥١". ((٥تفسير ابن كثير ٢/٣٣٢". وحديث (١٠٧) . ((٦موسى ابن داود الضبي "صدوق فقيه زاهد له أوهام" تقدم في حديث (٢١٩) . ((٧عبد الله بن لهيعة "صدوق" تقدم في حديث ٦٤". ٨ عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن، الفهري المدني، نزيل مصر، فيه لين، من السابعة". /م د س ق". (التقريب ٢/٩٦ وتهذيب التهذيب ٨/٢٠١ والخلاصة للخزرجي ٢/٢١٥، وفي ميزان الاعتدال ٣/٣٠٧ رمز له ب (صح) إشارة إلى أنه ثقة ثم قال: "عن ابن المنكدر، وثق، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي، سمع منه ابن وهب، وعلم له بـ (م س ق) ، وأسقط (د) فالله أعلم بالصواب". ٩ لعله محمد بن جعفر بن الزبير الأسدي، وهو ثقة من السادسة". ١٠ الطبقات الكبرى ٢/١٧٢". ١١ الخصائص ٢/٩٩، قال محقق الخصائص الدكتور / محمد خليل هراس: "قوله: "اعتمر منها سبعون نبيا" فهي زيادة لم أقف لها على أصل".
- ج ١ ص ٧٣٦
ومما تقدم يتّضح لنا أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح، وأن من نفاها فلا حجة معه في مقابلة من أثبتها، وأن الأحاديث الصحيحة دلت أيضا على أن هذه العمرة كانت في ذي القعدة ".
قال ابن كثير: "والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها ".
-
وهم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين".
-
وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير قائلا:
٣٠٦- حدثنا الحسن١ بن إسحاق التستري ثنا عثمان٢ بن أبي شيبة ثنا محمد٣ بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم٤ بن طهمان عن أبي الزبير٥ عن عمير٦ مولى ابن عباس عن ابن عباس، قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم، اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال٧" .
- (١)كذا هنا "الحسن" وفي المعجم الكبير للطبراني والصغير ١/ ١٣٩ "الحسين" ولم أجد ترجمة "الحسن" ولا "الحسين".
- (٢)عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، من العاشرة (ت ٢٣٩) . / خ م د س ق". (التقريب ٢/١٣-١٤ وتهذيب التهذيب ٧/١٤٩) .
- (٣)محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي الكوفي، لقبه، التل - بفتح المثناة وتشديد اللام - صدوق فيه لين، من التاسعة (ت ٢٠٠) / خ س ق". (التقريب ٢/١٥٤وتهذيب التهذيب ٩/١١٧، والخلاصة ٢/٣٩٣، وفي هدي الساري، له في البخاري حديثان وروى له أبو داود والنسائي ورمز لمن أخرج له (خ د س ت) انظر ص ٤٣٨". وذكر (ت) ، خطأ فإن المباركفوري لم يذكر محمد بن الحسن بن الزبير في رجال الترمذي (مقدمة تحفة الأحوذي ٢/١٠٨) .
- (٤)إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، سكن نيسابور ثم مكة، ثقة يغرب، تكلم فيه، للإرجاء، ويقال رجع عنه، من السابعة (ت ١٦٨) ./ع". (التقريب ١/٣٦ وتهذيب التهذيب ١/١٢٩) . ورمز له الذهبي بـ (صح) إشارة منه إلى أنه ثقة". (ميزان الاعتدال ١/٣٨) .
- (٥)هو محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، إلا أنه يدلس، تقدم في حديث (١٠٩) .
- (٦)عمير بن عبد الله الهلالي، أبو عبد الله المدني، مولى أم الفضل، ثقة، ويقال له مولى ابن عباس (ت ١٠٤) / خ م د س". (التقريب ٢/٨٦ وتهذيب التهذيب ٨/١٤٨، الخلاصة للخزرجي ٢/٣٠٤) .
-
فإنه غريب جدا وفي إسناده نظر٨ ".إهـ" .
ج ١ ص ٧٣٧قلت: "والحديث رواه ابن سعد عن محمد بن سابق١" .
- (٨)البداية والنهاية ٤/٣٦٦-٣٦٧".
- (٧)الحديث في المعجم الكبير للطبراني ١١/٤٣١".
-
وابن أبي شيبة عن محمد بن الحسن الأسدي كلاهما عن إبراهيم ابن طهمان به إلاّ أنهما قالا: "عتبة مولى ابن عباس" ٢ بدل "عمير" .
-
وعزاه الهيثمي لأبي يعلى، وقال: "وفيه عتبة مولى ابن عباس ولم أعرفه ولم ينسبه إلى الطبراني٣" .
-
والحديث ضعيف لأن أبا الزبير عنعنه وهو مدلس، وقد ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من طبقات المدلسين، وهذه المرتبة لا يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع٤، وعلى فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يقوى على دفع حديث الصحيحين المصرح فيه بأن عمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة ".
- (٤)طبقات المدلسين ص ٧، ٣٢".
-
وأطبق على ذلك أهل المغازي والسير".
وقال الواقدي: "وكان الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العمرة، أبا هند٥ عبد بني بياضة، ويقال حلقهخراش٦ بن أمية٧" .
- (٥)أبو هند الحجام البياضي، مولى بني بياضة، واسمه عبد الله، وقيل يسار تخلف عن بدر، وشهد ما بعدها من المشاهد". (أسد الغابة ٦/٣٢٢، والإصابة ٤/٢١١) .
- (٦)خراش بن أمية الكعبي الخزاعي، شهد الحديبية وخيبر وما بعدها، وذكر ابن عبد البر بأن خراشا إنما حلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية". وقال ابن حجر: "في عمرة الحديبية أو في عمرة القضاء". (الاستيعاب ١/٤٢٧-٤٢٨، مع الإصابة، وأسد الغابة ٢/١٢٥-١٢٦، والإصابة ١/٤٢١) .
-
وصوب النووي والمحب٨ الطبري وابن قيم الجوزية وابن كثير أن الذي قصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استنباطا مما رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي الجميع من طريق ابن جريج قال:
ج ١ ص ٧٣٨٣٠٧- حدثني الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: "قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص١ وهو على المروة" لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "عن معاوية قال: " قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص ".
- (٨)المحب الطبري: "هو الإمام المحدث المفتي فقيه الحرم وحافظ الحجاز بلا مدافعة محب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري، ثم المكي الشافعي مصنف "الأحكام الكبرى" (٦١٥-٦٧٤ هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٤-١٤٧٥ وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٨/١٨-٢٠) .
- (١)محمد بن سابق التميمي، أبو جعفر، أو أبو سعيد البزار، الكوفي نزيل بغداد، صدوق من كبار العاشرة (ت ٢١٣ وقيل ٢١٤) . / خ م د ت س". (التقريب ٢/١٦٣، وتهذيب التهذيب ٩/١٧٤) .
- (٢)الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٧١ وتاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٧أ - برقم ٦٦٥".
- (٣)مجمع الزوائد ٣/٢٧٩".
- (٧)مغازي الواقدي ٣/٩٥٩".
- (١)المشقص: "كمنبر: "نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فإذا كان عريضا فهو المعبلة، وقيل: "المراد به المقص، وهو الأشبه في هذا المحل". (النهاية لابن الأثير٢/٤٩٠ ولسان العرب لابن منظور٨/٣١٥ والقاموسالمحيط٢/٣٠٦، والتعليق على صحيح مسلم لفؤاد عبد الباقي٢/٩١٣، قال النووي: "في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق أفضل، وسواء في ذلك الحاج والمعتمر إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين، وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة، لأنها موضع تحلله كما يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره بمنى، لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله جاز". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨٧) .
-
وعند النسائي: "عن معاوية أنه قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص في عمرة على المروة " ٢.
-
والحديث رواه أيضا مسلم والنسائي كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال: "قال لي معاوية: "أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص؟ فقلت له: " لا أعلم هذا إلا حجة عليك " ٣. لفظ مسلم" .
-
ولفظ النسائي: "قال معاوية لابن عباس: " أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة؟
ج ١ ص ٧٣٩قال: " لا، يقول ابن عباس: " هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتع النبي صلى الله عليه وسلم ١ ".
- (٢)مسند أحمد٤/٩٦و٩٨وصحيح البخاري٢/١٤٥كتاب الحج، باب الحلق والتقصير، وصحيح مسلم٢/٩١٣،كتاب الحج، باب التقصير في العمرة، وسنن أبي داود ١/٤١٨ كتاب المناسك، باب الإقران، وسنن النسائي ٥/١٩٦، كتاب المناسك، باب أين يقصر المعتمر؟ ".
- (٣)أخذ ابن حجر من رواية مسلم هذه ورواية النسائي أن ابن عباس رضي الله عنه حمل حلق معاوية هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على حجة الوداع، لقول ابن عباس: "لا أعلم هذا إلا حجة عليك" إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة". ثم قال: "وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد عن عطاء "أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم". ثم قال: "وفي كونه في حجة الوداع نظر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله فكيف يقصر عنه على المروة". (فتح الباري ٣/٣٦٥) . قلت: "وتمام الرواية عند أحمد: " "وهي أيضا عند النسائي من طريق قيس عن عطاء" قال قيس: "والناس ينكرون هذا على معاوية". (مسند أحمد ٤/٩٢، وسنن النسائي ٥/١٩٧ كتاب المناسك، باب كيف يقصر) . وردّها ابن قيم الجوزية، فإنه قال: "وأما رواية من روى "في أيام العشر" فليست في الصحيح وهي معلولة، أو وهم من معاوية، قال قيس بن سعد راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه "والناس ينكرون هذا على معاوية"ثم قال ابن قيم الجوزية وصدق قيس، فنحن نحلف بالله: "أن هذا ما كان في العشر قط". (زاد المعاد ٢/١٣٧) .
-
ورواه أبو داود والنسائي كلاهما من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس٢ عن أبيه عن ابن عباس أن معاوية قال له: "ما علمت أنى قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أعرابي على المروة " ٣" .
- (٢)هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد، من السادسة (ت ١٣٢) . / ع". (التقريب ١/٤٢٤ وتهذيب التهذيب ٥/٢٦٧) .
-
ورواه أحمد من طريق خصيف٤ عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس أن معاوية أخبره أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر من شعره بمشقص، فقلنا لابن عباس ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية، فقال: "ما كان معاوية على رسول الله صلى الله عليه وسلم متهما٥" .
قال النووي: "وحديث معاوية هذا محمول على أنه قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى، وفرق أبو طلحة رضي اله عنه شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح
ج ١ ص ٧٤٠المشهور١، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعا، لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: "ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ فقال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي " ٢.
- (٤)خصيف - بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون المثناة التحتية آخره فاء- ابن عبد الرحمن الجزري، أبو عون الخضرمي - بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين وكسر الراء بعدها ميم، هذه النسبة إلى خضرمة - صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره، ورمى بالإرجاء، من الخامسة (ت١٣٧) وقيل غير ذلك"./عم". (التقريب ١/٢٢٤وتهذيب التهذيب٣/١٤٣ وميزان الاعتدال١/٦٥٣ والخلاصة للخزرجي ١/٢٩٩ واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير١/٤٥٠) . وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية "الخصيب" بالباء الموحدة ووقع في تهذيب التهذيب "الحضرمي" بالحاء المهملة، والصواب "الخصيف" بالفاء، و"الحضرمي" بالخاء المعجمة".
- (١)مسلم ٢/٩١٣ كتاب الحج، والنسائي ٥/١١٩ كتاب المناسك باب التمتع".
- (٣)سنن أبي داود ١/٤١٩ كتاب المناسك، باب في الإقران، وسنن النسائي ٥/١٩٦-١٩٧ كتاب المناسك، باب أين يقصر المعتمر؟
- (٥)مسند أحمد ٤/٩٥و١٠٢".
- (١)قال ابن حجر: "والذي رجحه النووي من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، ولكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح، وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضية وأنه كان يُخفي إسلامه خوفا من أبويه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة في عمرة القضية خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظرونه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة لسبب اقتضاءه". (فتح الباري ٣/٥٦٥ وفي الإصابة ٣/٤٣٣ نسب القول بإسلام معاوية بعد الحديبية للواقدي وابن سعد ذكر ذلك بدون إسناد فقال: "وكان يذكر أنه أسلم عام الحديبية وكان يكتم إسلامه، إهـ، فعل عمدة ابن عساكر هو الواقدي". (انظر مغازي الواقدي ٣/٩٥٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٤٠٦) .
-
وأورد ابن كثير حديث معاوية المذكور، ثم قال: "والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة بل صد عنها، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الأيام، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق ".
-
فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا٣".إهـ.
-
وجمع ابن حجر بين قول من قال بأن الذي حلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة: "أبو هند عبد بني بياضة، وقول من قال الذي حلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العمرة هو معاوية بن أبي سفيان" .
فقال: "أخرج الحاكم في " الإكليل" في آخر قصة غزوة حنين أن الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة أبو هند٤ عبد بني بياضة، فإن ثبت هذا وثبت أن معاوية كان حينئذ معه، أو كان بمكة فقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية
ج ١ ص ٧٤١قصر عنه أولا وكان الحلاق غائبا في بعض حاجته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل ".
- (٢)شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨٧". ((٣البدايةوالنهاية٤/٣٦٧-٣٦٨وزادالمعاد٢/١٣٦-١٣٨،وفتح الباري٣/٥٦٥-٥٦٦". ٤ تقدم تحت حديث (٣٠٦) أن هذا قول الواقدي، ولعل الحاكم رواه عنه".
-
وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضية وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخبار كلها".
ثم قال: "وهذا مما فتح الله علي به في هذا الفتح ولله الحمد ثم الحمد لله أبدا ١" .إهـ.
-
هذه نماذج يسيرة مما تضمنت غزوة حنين من أحكام ولم أرد الاستقصاء خوف الإطالة والخروج إلى مباحث فقهية موسعة تطغى على الغرض الأساسي من دراسة هذه الغزوة وتحقيق مروياتها سندا ومتنا، ومن أراد أن يستقصي أحكام هذه الغزوة تفصيلا فإنه يحتاج إلى مؤلف مستقل، بل إن كل حكم من أحكامها يكفي لرسالة متخصصة ".
-
ولعل هذه اللمحات اليسيرة من أحكام هذه الغزوة تكون بمثابة البرهان على غزارة مادتها العلمية وتعدّد معطياتها المتكاثرة وفوائدها العظيمة".
-
وصلى الله على سيدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً".
- (١)فتح الباري ٣/٥٦٦.