المبحث الرابع: عوامل انتصار المسلمين في حنين

١١٩ فقرة، ج ١ ص ١٨٥

الصفحة ١ من ٣

  1. كانت معركة حنين تجربة عسكرية خطيرة في معارك المسلمين، وكانت أيضا مدرسة تربوية عظيمة إذ ذاق فيها المسلمون مرارة الاندحار، ووطأة الفرار أمام زحف المشركين ونبالهم وعظيم تخطيطهم واشتداد هجمتهم عليهم في بداية المعركة هجمة رجل واحد، كما مضى بيان ذلك١.

    1. (١)تقدم ذلك في "مبحث سبب هزيمة المسلمين" ص: (١٤١) .
    ج ١ ص ١٨٥
  2. كما أذاقهم الله في هذه المعركة نفسها حلاوة النصر وبهجة الغلبة على أعدائهم، وتلك إحدى الحسنيين، وهذا من خصائص معركة حنين التي كانت المعركة الفاصلة الأخيرة بين المسلمين والمشركين في الجزيرة كما كانت بدرا المعركة الفاصلة الأولى بين الطائفتين.

  3. وفي هذا المبحث نود أن نتلمس من خلال النصوص والمرويات عوامل انتصار المسلمين، ويمكن ان تكون على النحو التالي:

    أ- ثبات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ساحة المعركة يناشد ربه النصر والعون، ويعلن لأعداه من هوازن وغيرهم بأنه نبي حقا لا ينبغي له أن يَفِرّ مهما تكاثرت جموعهم، فكان يركض بغلته نحوهم وهو يقول:

    أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب٢

    ج ١ ص ١٨٦ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته واستنصر ودعا، فكان من دعائه وتضرعه ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد من حديث أنس بن مالك، وهذا سياقه:

    ٧٨- حدثنا يزيد بن هارون١، أنا حميد، عن أنس قال: كان من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم" ٢.

    1. (٢)قوله: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه يقول أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذبٍ فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر، حق فلا يجوز علي الفرار. "وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله" فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم: "أيكم ابن عبد المطلب" وقيل: لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة، وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - تنبيه أصحابه بأنه لابد من ظهوره وأن العاقبة له، لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٣١- ٣٢، والنووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٦، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١٧، ٢٠- ٢١ وزاد: وفي الروض قال الخطابي: إنما خص عبد المطلب بالذكر في هذا المقام تثبيتا لنبوته وإزالة للشك لما اشتهر وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة به - صلى الله عليه وسلم -، ولما أنبأت به الأحبار والكهان فكأنه يقول: أنا ذاك فلا بد ممّا وعدت به لئلا ينهزموا عنه ويظنوا أنه مغلوب أو مقتول، فالله أعلم أراد ذلك رسوله أم لا. إهـ. ثم قال الزرقاني: "فليس هذا من الافتخار بالآباء في شيء، وبفرض تسليمه فهو جائز في الحرب لإرهاب العدو". وانظر: الروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠٦- ٢٠٧، والمواهب للقسطلاني ١/١٦٣، وفيض القدير للمناوي ٣/٣٨.
    2. (١)تقدمت تراجم رجال الإسناد في حديث (٢٢) و (٢٦) .
  4. ورواه الخطيب البغدادي من طريق يزيد بن هارون، حدثنا سفيان٣ بن حسين، عن الزهري، عن أنس٤.

    قال الزرقاني: "قوله: " إنك إن تشأ لاتعبد بعد اليوم "؛ لأنه أول يوم لقي فيه المشركين بعد الفتح الأعظم ومعه المشركون والمؤلفة قلوبهم، والعرب في البوادي كانت تنتظر بإسلامها قريشا فلو وقع - والعياذ بالله تعالى - خلاف ذلك لما عبد الله" ٥.

    وقال السفاريني: "في قوله: " إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم "، أي: لأن معظم المسلمين أو كلهم إلا القليل قد كان حاضرا، وأهل مكة يومئذ لم يستحكم الإيمان فيهم، ولم تخالط بشاشته قلوبهم، بل كانوا ما بين مؤلف ومستأمن، ومظهر للإيمان على مضض منه وكره، والعرب أيضا معظمهم في ذلك اليوم حاضر، وقبائل الكفار قد تألبت واجتمعت اجتماعا لا مزيد عليه، فإذا لم ينصر الله دينه ويؤيد عبده ويعز جنده، ويكبت الكفار ويخذلهم، ويجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، نجم النفاق، وظهر الكفر والشقاق، وتكلمت الألسن بما أكنت الضمائر من العداوة والبغضاء والجحود والشرك الذي لا يرضى" ٦.

    1. (٣)سفيان بن حسين بن حسن، ثقة في غيرالزهري باتفاقهم، تقدم في حديث (٧٧) . (تاريخ بغداد ٣/٣٩٤) . (شرح المواهب اللدنية ٣/١١) . (السفاريني: شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨٦) . ٧ يريد بأصحاب الكتب: البخاري، ومسلما، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. (البداية والنهاية ٤/٣٢٨) . (شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨٦) . (شرح المواهب اللدنية ٣/١١) . ٣ تقدم هذا الحديث برقم (٥٥) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١١، وانظر: ابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٩٧- ٩٨) . ٥ قوله: "أنا النبي لا كذب". قال النووي: "قال الإمام ابو القاسم علي بن جعفر السعدي الصقلي المعروف "بابن القطاع" في كتابه "الشافي في علم القوافي": قد رأى قوم منهم الأخفش وهو شيخ الصناعة بعد الخليل: أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الله مولانا ولا مولى لكم"، وقوله عندما كان في غار فنكبت أصبعه: "هل أنتِ إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت"، وقوله: "أنا النبي لاكذب أنا ابن عبد المطلب" وأشباه هذا. ثم قال ابن القطاع: "وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بين، وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه منها: أنه شعر القول وقصده، وأراده واهتدى إليه، وأتى به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى، فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لا يكون شعرا، ولا يكون قائله شاعرا بإجماع العلماء والشعراء، وكذا لو قفاه وقصد به الشعر، ولكن لم يأت به موزونا لم يكن شعرا، وكذا لو أتى به موزونا ةمقفى، ولكن لم يقصد به الشعر لا يكون شعرا. ويدل عليه أن كثيرا من الناس يأتون بكلام موزون مقفى غير أنهم ما قصدوه ولا أرادوه، ولا يسمى شعرا، فدل على أن الكلام الموزون لا يكون شعرا إلا بالشروط المذكورة، وهي القصد وغيره مما سبق. والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد بكلامه ذلك الشعر ولا أراده فلا يعد شاعرا وإن كان موزونا". وقد أجاب ابن حجر بأجوبة عن هذا، وارتضى أن ذلك خرج موزونا ولم يقصد به الشعر، قال: "وهذا أعدل الأجوبة". (انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٥-٤٠٦، ٥/١١١، ١١٣، وفتح الباري لابن حجر ٧/٣٩٤، ٨/٣١، ١٠/٥٣٨-٥٤٢، والتفسير لابن كثير ٣/٥٧٨-٥٨٠، والمواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٦٤، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي ٦/٣٩٠.
  5. والحديث أورده ابن كثير ثم قال: إسناده ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب٧ من هذا الوجه٨.

    ج ١ ص ١٨٧وقال السفلريني أيضا: "سنده على شرط الصحيحين" ١.

    وقال الزرقاني: "رجاله رجال الصحيح" ٢.

    1. (٢)ابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٠ب، وأحمد: المسند٣/١٢١وهو من ثلاثيات الإمام أحمد.
  6. وجاء في هذا المعنى ما رواه أحمد والدارمي من حديث صهيب - رضي الله عنه - بإسناد صحيح، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو أيام حنين: "اللهم بك أحاول، وبك أصاول وبك أقاتل" ٣.

  7. ٧٩- وعند موسى بن عقبة بن نافع: فرفع - صلى الله عليه وسلم - يديه وهو على البغلة يدعو: "اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا" ٤.

  8. وعند البخاري من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: "سمعت البراء وسأله رجل: أكنتم فررتم يا أبا عمارة يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس بسلاح، فأتوا قوما رماة، جمع هوازن وبني النصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر، ثم قال:

    أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب٥

    ج ١ ص ١٨٨ثم صف أصحابه١.

    1. (١)تقدم الحديث رقم (٥٩) . (المنتقى ص: ٣٥٦) . ٣ قال النووي: احمرار البأس كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة، أو لاستعار الحرب واشتعالها كاحمرار الجمر، كما في رواية "حمي الوطيس". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٧) . ٤ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) .
  9. وهو عند أبي عوانة من طريق زهير أيضا دون قوله: "ثم صف أصحابه" .

  10. واقتصر ابن جارود على قوله: "فنزل فاستنصر ثم قال:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    ثم صف أصحابه"٢.

  11. وعند مسلم والبيهقي: (فأقبلوا هناك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل فاستنصر وقال:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    ثم صفهم".

  12. وعند مسلم والبيهقي أيضا وابن ابي شيبة وأبي عوانة: الجميع من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر، إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو سفيان بن الحارث يقود به، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    اللهم نزل نصرك.

    قال البراء: كنا والله إذا احمر٣ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ٤.

  13. وعند البخاري ومسلم من طريق شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق، قال رجل للبراء بن عازب - رضي الله عنهما -: أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين؟

    قال: لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا١، فأقبل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وأن ابا سفيان آخذ٢ بلجامها والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    والحديث أخرجه أيضاً أحمد، وابن أبي عاصم، وأبو يعلى، والروياني، والطبري، وأبو عوانة: الجميع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق٣.

    1. (١)هذا حديث صريح في أن المسلمين لم يفروا بمجرد التلاقي، بل قاتلوا المشركين حتى كشفوهم، ثم اشتغلوا بالغنائم، فانهال العدو عليهم بالسهام، وهو يدفع ما يوهمه حديث جابر وغيره من أن المسلمين فروا بمجرد ملاقاة الكفار لهم، وقد تقدم حديث جابر برقم (٥٨) . (انظر: الزرقاني: شرح المواهب ٣/١١) .
    2. (٢)قوله: "وأن أبا سفيان آخذ بلجامها" هكذا ورد من حديث البراء أن الذي كان آخذا بلجام البغلة هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ورد ذلك عند البخاري، ومسلم، والترمذي، والطيالسي، وابن سعد، وأحمد، والروياني، والطبري، وأبي عوانة، والبيهقي. وورد في حديث العباس بن عبد المطلب عند مسلم وابن إسحاق وعبد الرزاق وابن سعد وأحمد وأبي يعلى والطبري وأبي عوانة: "أن الذي كان آخذا بلجام البغلة هو العباس، وكان أبو سفيان آخذا بركاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وفي لفظ: "كان آخذا بغرز النبي صلى الله عليه وسلم" "والغرز هو الركاب". وقد أجاب ابن حجر: "أن أبا سفيان كان آخذاً أوّلاً بزمامها، فلما ركضها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة المشركين خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له لأنه عمه". (فتح الباري ٨/٣٠، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١١) . ووقع في منتخب كنز العمال ٤/١٦٦: عن ابن إسحاق قال: قال رجل للبراء: هل كنتم وليتم يوم حنين؟ ... الخ، وفي آخره: "وأبو سفيان بن حرب" يقود البغلة، أي بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقوله: "ابن إسحاق" وقوله "أبو سفيان بن حرب يقود بغلته" خطأ، والصواب: "وإسحاق السبيعي، وأبو سفيان بن الحارث". وعند البزار، وابن أبي شيبة من حديث بريدة بن حصيب قال: تفرق الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد، وهو آخذ بعنان بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء - وعند ابن أبي شيبة - أهداها له النجاشي. ولم ينعرض ابن حجر لهذه الرواية من حيث الجمع، ويمكن أن يقال لعل زيداً أيضا كان ممن أخذ بعنان البغلة. (كشف الأستار ٢/٣٤٧- ٣٤٨، وتاريخ ابن أبي شيبة ص٩١أ، والهيثمي: مجمع الزوائد ٦/١٨١ وقال: رواه البزار ورجاله ثقات، وعلي المتقي الهندي: كنز العمال ١٠/٣٥٢، ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٧ مع مسند أحمد. وانظر ص: ١٧١.
    3. (٣)أبو يعلى: المسند ٢/١٨٩ رقم (٣٠٢) ، والروياني: مسند الصحابة ١/١١٢ رقم (٥٧٥) ، وتقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) .
    ج ١ ص ١٨٩
  14. ورواه أبو داود الطيالسي، وأبو عوانة، والبيهقي: كلهم من طريق شعبة وعمرو بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق١.

    1. (١)أبو داود الطيالسي: كما في منحة المعبود٢/١٠٨، والبيهقي: دلائل النبوة٣/٤٣أ.
    ج ١ ص ١٩٠
  15. وفي لفظ عند البخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق: قيل للبراء وأنا أسمع: أوليتم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين؟ قال: أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا، كانوا رماة، فقال:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    وفي لفظ عند البخاري أيضا من طريق شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين؟.

    فقال: "لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لاكذب" .

    قال إسرائيل وزهير: "نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته" ٢.

  16. والحديث أخرجه أيضا مسلم، وأحمد، والروياني، والطبري: الجميع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق٣.

    1. (٣)مسلم: الصحيح٣/١٤٠١ كتاب الجهاد والسير، وأحمد: المسند٤/٢٨١، والروياني: مسند الصحابة١/٧٨أ-ب رقم (٥٧٥) ، والطبري: جامع البيان١٠/١٠٢.
  17. وفي لفظ عند البخاري، وابن سعد، والطبري، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء فقال: يا أبا عمارة، أوليتم يوم حنين؟ قال البراء - وأنا أسمع -:أما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يول يومئذ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته، فلما غشيه٤ المشركون نزل فجعل يقول:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    قال: "فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه " ٥.

    1. (٤)غشيه المشركون: أي ازدحموا عليه، قال العلماء: وفي نزوله عن البغلة حين غشوه مبالغة في الشجاعة والثبات والصبر، وقيل: فعله مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين. (الزرقاني: شرح المواهب ٣/١٤) .
    2. (٢)تقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) .
    3. (٥)البخاري: الصحيح ٤/٥٣ كتاب الجهاد، باب من قال: خذها وأنا ابن فلان. وابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/٥١، والطبري: جامع البيان ١٠/١٠٣، وتقدم الحديث برقم (٥٩) .
  18. وعند ابن أبي شيبة والروياني: "من طريق شريك - هو ابن عبد الله النخعي - عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لا والله ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين دبره" ، قال: والعباس وسفيان آخذان بلجام بغلته وهو يقول

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب

    لفظ ابن أبي شيبة.

    ج ١ ص ١٩١
  19. ولفظ الروياني: "ولقد كان العباس آخذا بلجام بغلته وأبو سفيان عن يساره فقال: من أنت؟ قال: ابن أمك١ يا رسول الله، قال: وهو يقول:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب ٢

    وفي لفظ عند ابن أبي عوانة من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب - ويسأل -: يا أبا عمارة: أولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين؟ فقال: معاذ الله! قال: أما أنا فأشهد أن النبي لم يول ولكن ولى سرعان من الناس حين رشقهم هوازن بالنبل، وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، والنبي - صلى الله عليه - وسلم يقول:

    أنا النبي لا كذب

    أنا ابن عبد المطلب ٣

    والحديث عند البخاري وابن سعد والبيهقي كلهم من طريق سفيان به بنحوه٤.

    1. (١)قوله: ابن أمك: إنما هوابن عمك، لكنه أراد أن يتقرب إليه، لأن الأم التي هي الجدة تجمعهما في النسب. (التعليق على سيرة ابن هشام ٢/٤٤٦) .
    2. (٢)ابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٠أ، والروياني: مسند الصحابة ١/٦٧ رقم (٥٧٥) . وعند ابن إسحاق والطبري: من حديث جابر بن عبد الله: والتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سفيان بن الحارث، وكان مّمن صبر فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمك يا رسول الله (سيرة ابن هشام٢/٤٤٦، وتاريخ الرسل والملوك ٣/٧٦) .
    3. (٣)أبو عوانة: المسند ٤/٢٠٨ وتقدم الحديث برقم (٥٩) . (ابن سعد: الطبقات الكبرى ١/٢٤- ٢٥ وتقدم الحديث برقم (٥٩) . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي عاصم والطبراني والبيهقي كلهم من حديث سيابة - بالسين المهملة المكسورة والمثناة التحتية الخفيفة وبعد الألف الموحدة - ابن عاصم السلمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: "أنا ابن العواتك من سليم". انظر ابن أبي عاصم: كتاب الجهاد ص٦٠أرقم (٥٣٥) ضمن مجموعة (٢٧) . والطبراني: المعجم الكبير٧/٢٠١. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٣ب. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد٨/٢١٨-٢١٩،وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. والحديث صححه السيوطي كما في فيض القدير للمناوي ٣/٣٨. وقال الألباني: "حسن" كما في صحيح الجامع الصغير ٢/١٣ حديث (١٤٥٩) . والحديث فيه هشيم بن بشير. قال ابن حجر في الإصابة ٢/١٠٢: "اختلف عليه فيه". وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٤/٣٢٨ إلا أنه وقع عنده "شبابة عن ابن عاصم السلمي" بالشين المعجمة بعدها موحدة وهو خطأ. والصواب: سيابة بن عاصم. والعواتك ثلاث جدات من سليم كل تسمى عاتكة وهن عاتكة بنت هلال بن فالج ابن ذكوان وهي أم عبد مناف، والثانية: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم هاشم بن عبد مناف، والثالثة: عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال وهي أم وهب أبي آمنة أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (انظر ابن الأثير: النهاية ٣/١٧٩-١٨٠. والمناوي: فيض القدير ٣/٣٨) .
  20. وعند أبي عوانة أيضا من طريق عمرو بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء قال: ما كان معنا يوم كذا وكذا - ذكر يوما من أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارس إلا المقداد١ بن الأسود - رضي الله عنه - فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل يمازحه٢: فررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فقال البراء: "إني أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فر يومئذ، كان والله إذا اشتد القتال واحمر البأس، اتقينا به" ٣.

    1. (١)المقداد بن عمرو بن ثغلبة بن مالك بن ربيعة البهراني ثم الكندي، ثم الزهري، حالف أبوه كندة، وتبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فنسب إليه،، صحابي مشهور من السابقين، لم يثبت أنه كان ببدر فارسا غيره، (ت ٣٣) وهو ابن سبعين سنة. /ع. (التقريب ٢/٢٧٢) .
    2. (٢)الضمير: للبراء.
    ج ١ ص ١٩٢
  21. وعند أبي داود: "لما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - المشركين يوم حنين فانكشفوا٤ نزل عن بغلته فترجل" ٥.

    1. (٤)فانكشفوا: يعني المسلمين، والمراد: انهزموا.
  22. وحديث البراء بجميع طرقه، يدور على أبي إسحاق السبيعي.

    قال ابن حجر: "اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى قوله:

    "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب "

  23. إلاّ رواية زهير٦ بن معاوية فزاد في آخرها "ثم صف أصحابه " وزاد مسلم: في حديث البراء من رواية زكريا٧ عن أبي إسحاق قال البراء: " كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه " يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -." ا?٨.

    1. (٦)وزهير بن معاوية تلميذ لأبي إسحاق انظر: من هذا الكتاب ص١٤٥ تعليقة (٤) .
    2. (٧)زكريا: هو ابن أبي زائدة أبو يحيى الكوفي الهمداني الوادعي. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٣١) .
    3. (٣)أبو عوانة: المسند ٤/٢٠٩.
    4. (٥)أبو داود: السنن ٢/٤٦ كتاب الجهاد، باب في الرجل يترجل عند اللقاء، ومعنى ترجل: مشى على رجليه، وفي كتب اللغة: ترجل: نزل عن ركوبته ومشى. (عون المعبود ٧/٣٢٠. والقاموس ٢/٣٨١- ٣٨٢) .
  24. فهذا الحديث على اختلاف ألفاظه وكذا حديث أنس بن مالك وجابر بن عبد الله والعباس بن عبد المطلب وغيرهم من الصحابة تدل دلالة واضحة على شجاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتناهية، ولقد نفى البراء بن عازب نفيل قاطعا كون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرَّ أو خطر بباله الفرار، فقال: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به" .

    وفي حديث العباس عند مسلم وغيره ... قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار.

    ج ١ ص ١٩٣
  25. وقد أوضح ابن حجر سبب نفي البراء الفرار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإثباته لبعض الصحابة.

    فقال: قول السائل: "يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين" .

  26. وفي رواية: "أوليتم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين" وفي رواية: "أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ - " وكلها بمعنى.

  27. وقوله: "أما انا فأشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يول" ١.

  28. تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي صلى الله عليه وسلم لظاهر رواية "أوليتم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - " ويمكن الجمع بين هذه الرواية، ورواية "أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بحمل المعية ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد منه - صلى الله عليه وسلم -.

    ثم قال: قال النووي: هذا الجواب الذي أجاب به البراء من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: "فررتم كلكم" ، فيدخل فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح ان فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام.

    ثم قال ابن حجر: "وكأنه يستحضر رواية " أوليتم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - "، وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصة أن الجميع لم يفروا، ويحتمل أن البراء فهم من

    ج ١ ص ١٩٤السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع١، الذي خرجه مسلم بلفظ "مررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزماً" ، فلذلك حلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم لم يول.

    1. (١)تقدم الحديث برقم (٥٩) .
    2. (١)سيأتي برقم (٨٢) . (ابن حجر: فتح الباري٨/٢٨-٢٩، والنووي شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٤) . (النووي: شرح صحيبح مسلم ٤/٤٠٨، والقسطلاني: المواهب اللدنية ١/١٦٣) . (الزرقاني: شرح المواهب ٣/١٧) . ٥ الكماة: جمع كمي وهو الشجاع المتكمي في سلاحه، أي المتغطي المتستر بالدرع والبيضة. (مختار الصحاح ص٥٧٩) . (القاضي عياض: الشفاء ١/١١٤- ١١٨) . (فتح الباري: ٨/٣٢، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١٧) . (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠١- ٤٠٢) . (المواهب اللدنية ١/١٦٣ وانظر ابن كثير: التفسير ٢/٣٤٥) . ٣ سةرة الأنفال: الآية ٤٥. ٤ فروة بن نفاثة - بنون مضمومة ثم فاء ثم ثاء مثله - اختلف في اسم أبيه، فقيل: فروة بن نفاثة، وقيل: ابن نباتة، وقيل: ابن عامر، أو ابن عمرو، قال ابن حجر: "وهو أشهر، أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعث إليه بإسلامه، ولم ينقل انه اجتمع به، وسمي أبو عمر: جده النافرة" قال ابن إسحاق: "وبعث فروة ابن عمرو ابن النافرة النفاثي الجذامي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولا بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حوله من أرض الشام، فبلغ الروم إسلامه فطلبوه فحبسوه ثم قتلوه فقال في ذلك أبياتا منها قوله: أبلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي وبناني" وأخرج ابن شاهين وابن مندة قصته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس بسند ضعيف إلى الزهري. (الإصابة ٣/٢١٣، وسيرة ابن هشام ٢/٥٩١) . وقال النووي: "فروة بن نفاثة وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال: (فروة بن نعامة) بالعين والميم، والصحيح المعروف الأول (نفاثة) . قال القاضي عياض: واختلفوا في إسلامه فقال الطبري: أسلم وعمّر عمرا طويلا، وقال غيرهم: لم يسلم، وفي صحيح البخاري أن الذي أهدى له بغلة هو ملك أيلة، واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحاق (يحنة بن رؤبة) ". (شرح صحيح مسلم ٤/٤٠١، وأبو عوانة: المسند ٤/٤٠٣. وابن عبد البر الاستيعاب ٣/١٩٩ مع الإصابة. وابن الأثير: أسد الغابة ٤/٣٥٦- ٣٥٧. وابن هشام: السيرة النبوية ٢/٥٢٥ و٥٩١. وابن سعد: الطبقات الكبرى ١/٢٦٢- ٢٨١) .
  29. ودل ذلك على أن "منهزماً" حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى "ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما وهو على بغلته، فقال لقد رأى ابن الأكوع فزعا" .

  30. ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] ، فبين له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص. ا?٢.

    وقال النووي حول حديث سلمة بن الأكوع: "قال العلماء: قوله (منهزماً) حال من ابن الأكوع، كما صرح أولا بانهزامه، ولم يرد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم: أنه - صلى الله عليه وسلم - ما انهزم، ولم ينقل أحد أنه انهزم - صلى الله عليه وسلم - في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز ذلك عليه، بل كان العباس وأبو سفيان بن الحارث آخذين بلجام بغلته يكفانها عن إسراع التقدم نحو العدو" . ا?٣.

  31. ونقل الزرقاني: "نحو قول النووي ثم قال: وقوله " قالت الصحابة كلهم أنه - صلى الله عليه وسلم - ما انهزم، فلا يجوز أن ينقل عن سلمة ما يخالفهم بمجرد لفظ محتمل دفعته الرواية الأخرى عنه، فهذا من جملة ما استند إليه العلماء في أنه (حال من ابن الأكوع) ". ا?٤.

  32. وقد عقد القاضي عياض فصلا في شجاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونجدته فقال: "وأما الشجاعة والنجدة: فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان - صلى الله عليه وسلم - منهما بالمكان الذي لا يجهل قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة٥ والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت

    ج ١ ص ١٩٥لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه - صلى الله عليه وسلم -، وأن الصحابة كانوا إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". ا?١.

    قال ابن الحجر: "وفي حديث البراء بن العازب من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه: جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وفيه: جواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متيقناً بالنصر لوعد الله تعالى بذلك وهو حق لأن أبا سفيان بن الحارث - وقد ثبت معه - آخذا بلجام بغلته وليس هو في اليقين مثل النبي - صلى الله عليه وسلم – ".

  33. وقد استشهد في تلك الحال أيمن بن أم أيمن، وفيه: ركوب البغلة إشارة إلى كزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو. ا?٢.

    وقال النووي: "قال العلماء: ركوبه - صلى الله عليه وسلم - البغلة في مواطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضا يكون معتمدا يرجع المسلمون إليه، وتطمئن قلوبهم به، وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدا وإلا فقد كانت له أفراس معروفة، ومما ذكره في الحديث - يعني حديث العباس - من شجاعته صلى الله عليه وسلم تقدمه يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، وفي الرواية الأخرى - يعني حديث سلمة بن الأكوع - أنه نزل إلى الأرض حين غشوه، وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر، وقيل فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين وقد أخبرت الصحابة - رضي الله عنهم - بشجاعته - صلى الله عليه وسلم - في جميع المواطن".

  34. وفي صحيح مسلم - يعني حديث البراء - قال: "إن الشجاع منا للذي يحاذي به، وأنهم كانوا يتقون به" . ا?١.

    وقال القسطلاني: "وقد ركب عليه الصلاة والسلام البغلة في هذا المحل الذي هو موضع الحرب والطعن والضرب تحقيقا لنبوته لما كان الله تعالى خصه به من مزيد الشجاعة وتمام القوة، وإلا فالبغال عادة من مراكب الطمأنينة ولا تصلح لمواطن الحرب في العادة إلا الخيل، فبين عليه الصلاة والسلام أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس وثقة وتوكلا على الله تعالى" . ا?٢.

    ج ١ ص ١٩٦
  35. ومما سبق من الروايات التي ذكرناها يتجلى لنا عاملان هامان من عوامل النصر وهما الثبات في المعركة حين لقاء العدو وذكر الله عز وجل بحضور قلب وإلحاح في الدعاء، وقد ذكر الله في هذين العاملين في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ٣.

  36. ولا ينتصر المسلمون على عدوهم إلا إذا حققوا في أنفسهم التحلي بهذين العاملين وغيرهما من عوامل النصر التي ذكرها الله مادية ومعنوية.

  37. ب- رجوع المسلمين إلى المعركة:
  38. لقد عاد المسلمون إلى المعركة مسرعين حين رأوا ثبات نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وحين سمعوا النداء بالرجوع كما تبينه الرواية الآتية:

    ٨٠- فعند مسلم وغيره من حديث كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فلزمت أنا وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نفارقه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة٤ بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون

    ج ١ ص ١٩٧مدبرين فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض١ بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أي عباس ناد أصحاب السمرة" ٢ فقال عباس: - وكان رجلا صيتا٣- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله! لكأن٤ عطفتهم، حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار٥، والدعوة٦ في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار!

    1. (١)يركض بغلته: أي يضربها برجله الشريفة على كبدها لتسرع. (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠١) .
    2. (٤)قوله: "لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها: أي عودهم إلى أماكنهم وإقبالهم إليه - صلى الله عليه وسلم - عطفة البقرة على أولادها، أي كان فيها انجذاب مثل ما في الأمهات حين حنت على أولادها". قال النووي: "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتح عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة للانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة فتقدم أخفاؤهم فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله السكينة على المؤمنين كما ذكر الله تعالى في القرآن". (المصدر السابق ٤/٤٠٢) . قلت: "وفي هذا رد على من يقول بأن منهزميهم وصلوا مكة وهو الواقدي" (انظر مغازيه ٣/٩٠٣) .
    3. (٥)هكذا هو في النسخ وهو ينصب الكفار أي مع الكفار. (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٣) .
    4. (٦)والدعوة في الأنصار: هي بفتح الدال يعني الاستغاثة والمناداة إليهم.
    5. (٢)قوله: "ناد أصحاب السمرة"، هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٢) .
    6. (٣)رجلاً صيتاً: أي قوي الصوت. قال النووي: ذكر الحازمي في المؤتلف أن العباس - رضي الله عنه - كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليلة وهم في الغابة فيسمعهم، قال: وبين سلع والغابة ثمانية أميال. (المصدر السابق ٤/٤٠٢) .
  39. يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا حين حمي الوطيس" ١، الحديث٢.

    1. (٢)مسلم: الصحيح ٣/١٣٩٨- ١٤٠٠ كتاب الجهاد والسير، وتمام الحديث: قال: ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد"، قال: "فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيأته فيما أرى، قال: فوالله! ماهو إلا أن رماهم بحصيات، فما زلت أرى أحدهم كليلا وأمرهم مدبرا". (سيرة ابن هشام٢/٤٤٤-٤٤٥.والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٥. وعبد الرزاق: المصنف٥/٣٨٠١-٣٨١.وابن سعد: الطبقات الكبرى٤/١٨.وأحمد: المسند ١/٢٠٧. وأبو يعلى: المسند٦/٦٠٤ب رقم ٣٠٦. وأبو عوانة: المسند٤/١٩٨ و٢٠١ و٢٠٣. وعلي المتقي الهندي: منتخب كنز العمال٤/١٦٩، وكنز العمال١٠/٣٥٥- ٣٥٦) .
    ج ١ ص ١٩٨
  40. وعند ابن إسحاق والطبري: قال العباس: إني لمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت قال: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار، يا معشر أهل السمرة فأجابوا: لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه٣، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت أخيرا: يا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: "الآن حمي الوطيس" .

    1. (٣)الترس: بضم أوله يصنع من جلود يضعه المقاتل في يده يتقي به النبال وغيرها. (ابن سعد: الطبقات الكبرى٢/١٥٥واللفظ له. والطبري: جامع البيان١٠/١٠١- ١٠٢) . ٢ قوله: (يا أصحاب سورة البقرة) . قال الزرقاني: "خصت هذه السورة بالذكر حين الفرار لتضمنها {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} [سورة البقرة، من الآية: ٢٤٩] ، أو لتضمنها {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} ، [سورة البقرة، من الآية: ٤٠] ، أو {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [سورة البقرة، من الآية: ٢٠٧] . ثم قال: "وليس النداء بهذه السورة اجتهاد من العباس، بل بأمره - صلى الله عليه وسلم - ففي مسلم وغيره، قال العباس: فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا عباس ناد يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة". (شرح المواهب اللدنية ٣/١٢) . قلت: "ليس في مسلم لفظة: أصحاب سورة البقرة، وإنما فيه "أصحاب السمرة" فقط وقد تتبعت حديث العباس في صحيح مسلم فلم أجد هذه اللفظة، وقد ورد الأمر للعباس بأن ينادي بـ يا أصحاب سورة البقرة"، عند أحمد في مسنده ١/٢٠٧ عن سفيان بن عيينة قال: سمعت الزهري مرة أو مرتين فلم أحفظه عن كثير بن عباس قال كان عباس وأبو عباس معه يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فخطبهم وقال: "الآن حمي الوطيس" وقال: "ناد يا أصحاب سورة البقرة" وإسناده صحيح. وعند أبي عوانة في مسنده٤/٢٠٤-٢٠٦ من طريق سفيان بن عيينة ولفظه: يا عباس ناد في الناس: "يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة! قال سفيان بن عيينة: يذكرهم البيعة التي بايعوه تحت الشجرة والشجرة سمرة بايعوه تحتها على أن لا يفروا". وعند الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/٧٣٢ من طريق سفيان بن عيينة أيضا ولفظه: "يا عباس ناد يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة" وإسناده صحيح. وجاء عند أبي يعلى والطبراني في الأوسط من طريق الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر العباس أن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن دوار وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره". (مجمع الزوائد ٦/١٨٠-١٨١. وانظر مجمع البحرين ٢/٢٤٣ رقم (٧٧) ومسند أبي يعلى ٣/٣٣٨ب رقم (٣٠٣) والمطالب العالية ٤/٢٥١) . (الحميدي: المسند ١/٢١٨- ٢١٩) . (المعرفة والتاريخ ٢/٧٣٢- ٧٣٣) . (المستدرك ٣/٣٢٧- ٣٢٨) . (تلخيص الذهبي على المستدرك ٣/٣٢٨ وانظر الحديث رقم (٨٠) . ٤ أصل الحنين: هو ترجيع الناقة صوتها لولدها. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٥٢ن وابن حجر: هدي الساري ص١٠٩) . ٥ أحدقوا به: أي طافوا به. والكبكبة: بالضم والفتح: هي الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم والدفعة في القتال والجري والحملة في الحرب والزحام، وأكب عليه أقبل ولزم. وتحاك بتشديد الكاف: أي اصطكت مناكبهم فحك كل منكب الآخر. (ابن الأثير: النهاية١/٣٤٥، ٤١٨و٤/١٤٤.والفيروزآبادي: القاموس المحيط ١/١٢١، ٣/٢١٩، ٢٩٩) . (المستدرك: ٣/٤٨) . ٧ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) . ١ قال الحلبي: يجوز أن يكون هذا النداء بعد نداء العباس وقربهم منه - صلى الله عليه وسلم -. (للسيرة الحلبية ٣/٦٦) . قلت: وتقدم في حديث (٧٠) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر زيدا أن ينادي في الناس وفيه أيضا أن زيدا كان آخذا بعنان بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمشهور من الأحاديث الكثيرة الصحيحة أن المأمور بالنداء هو العباس بن عبد المطلب، ولا يبعد أن الرسول-صلى الله عليه وسلم - أمر كل واحد منهما بالنداء لأن كل واحد منهما كان قريبا منه آخذا بناحية من نواحي البغلة. ٢ تقدم برقم (٤٠) . ٣ وعند ابن سعد: "ثم أخذ بيده من الحصى فرماهم بها". وعند الطبري: "ثم أخذ بيده من الحصيات فرماهم بها". والحصى والحصيات صغار الحجارة الواحدة حصاة. (ابن الأثير: النهاية ١/٣٩٣، والفيروز آبادي: القاموس ٤/٣١٨) . ٤ انهزموا: بلفظ الخبر، قال النووي: هذا فيه معجزتان ظاهرتان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحداهما فعلية، والأخرى خبرية، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بهزيمتهم، ورماهم بالحصيات، فولوا مدبرين، وذكر مسلم في الرواية الأخرى (يعني حديث سلمة بن الأكوع) أنه - صلى الله عليه وسلم - قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل لها وجوههم فقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة، وهذا أيضا فيه معجزتان خبرية وفعلية ثم قال: ويحتمل أنه أخذ قبضة من حصى وقبضة من تراب، فرمى بذا مرة، وبذا مرة، ويحتمل أنه اخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب. (شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٣، وابن حجر: فتح الباري ٨/٣٢. وانظر ص٢٠٥ تعليقة