المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه الغزوة
٨١ فقرة، ج ١ ص ٢٢١
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٢٢١
...
-
المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه المعركة
تنحصر خسائر المشركين في هذه المعركة في شيئين:
أ- خسائر في الأرواح.
-
ب- خسائر في الأولاد والأموال والعتاد.
-
أ- أما خسائر المشركين في الأرواح فقد فقد المشركون في هذه المعركة من رجالهم وأبطالهم وأهل النجدة فيهم ما يزيد على مئات القتلى.
-
ذلك أن معركة حنين من المعارك الفاصلة التي لم ير المسلمون مثلها ضراوة وشدة في عهدهم الأول.
-
لقد استمات فيها المشركون وقاتلوا ببسالة نادرة فقتل من بني مالك وحدهم سبعون١ رجلا يتساقطون في ساحة المعركة واحدا تلو الآخر، وهم مصممون على الانتصار يوضح ذلك الآثار الآتية:
٩٦- قال ابن إسحاق: "فلما انهزمت هوازن استحر٢ القتل من ثقيف في بني
ج ١ ص ٢٢٢مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان ابن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب١، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قتل "٢.
- (١)وعند الواقدي في مغازيه ٣/٩٠٧ أن عدد القتلى منهم قريب من مائة رجل.
- (٢)استحر: بالحاء المهملة: اشتد وكثر، وهواستفعل من الحر والمراد به الشدة (ابن الأثير: النهاية ١/٣٦٤) . ووقع عند الزرقاني "استجر" بالجيم، وفسره باشتداد الحرب أيضا. (شرح المواهب اللدنية ٣/٢٤) .
- (١)زاد الطبري: وهو جد ابن أم الحكم بنت أبي سفيان. قلت: وابن أم الحكم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي ثم المالكي نسب لأمه وهي أم حكم بنت أبي سفيان بن حرب. (انظر الإصابة لابن حجر: ٣/٧٠- ٧١) .
-
هكذا ساق ابن إسحاق بدون إسناد.
-
ومن طريقه أخرجه الطبري٣.
- (٣)تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧.
-
٩٧- قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب٤ بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل٥ قال: فبينا رجل من الأنصار يسلب قتلى ثقيف، إذ كشف العبد يسلبه، فوجده أغرل، قال: "فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب: يعلم الله أن ثقيفا غرل، قال المغيرة٦ بن شعبة فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذاك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني، قال: ثم جعلت أكشف له عن القتلى وأقول له: ألا تراهم مختنين كما ترى ". قال ابن إسحاق: " وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل من
ج ١ ص ٢٢٣الأحلاف غير رجلين: رجل من غيرة١ يقال له وهب، وآخر من بني كبة٢ يقال له: "الجلاح٣ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا من كان من ابن هنيدة، يعني الحارث بن أويس" ٤ ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري٥.
- (٤)يعقوب: ثقة من السادسة (ت ١٢٨) /د س ق. التقريب ٢/٣٧٦ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٢) .
- (٥)الأغرل: هو غير المختتن، والغرلة: هي الجلدة التي يقطعها الخاتن وتسمى القلفة. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٦٢. وابن حجر: هدي الساري ص١٦٢) .
- (٦)المغيرة بن شعبة بن مسعود بن متعب، الثقفي، صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، مات سنة خمسين على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٢٦٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٦٢) .
- (٢)عند ابن إسحاق والطبري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه قتل عثمان بن عبد الله، قال: "أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا". وعند الواقدي: "أن الذي قتل عثمان بن عبد الله، وهو عبد الله بن أبي أمية فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يرحم الله عبد الله بن أبي أمية، وأبعد الله عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فإنه كان يبغض قريشا". ثم قال الواقدي: "وكان دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله برحمة الله فبلغه فقال: إني لأرجو أن يرزقني الله الشهادة في وجهي هذا! فقتل في حصار الطائف". (مغازي الواقدي ٣/٩١١- ٩١٢) .
- (١)غيرة: بوزن عنبة. (اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٣٩٧- ٣٩٨) .
- (٢)كبة: بضم الكاف وتشديد الباء الموحدة، كذا هو عند ابن هشام وابن كثير نقلا عن إسحاق، قال أبو ذر: وهو الصواب. وعند الطبري عن ابن إسحاق "كنة" بالنون المشددة، وكذا عند الواقدي فقد قال: كنة امرأة من غامد يمانية. وقال ابن منظور في لسان العرب١٧/٢٤٣: وبنو كنة: بطن من العرب نسبوا إلى أمهم.
- (٣)الجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام آخره حاء مهملة، كذا عند ابن إسحاق ومن تبعه. وعند الواقدي: "اللجلاج" بجيمين بينهما لام خفيفة. قال: وكان اللجلاج رجل من بني كنة وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخي بني كنة: هذا سيد شبان كنة إلاّ هنيدة الحارث بن عبد الله بن يعمر بن إياس ابن أوس بن ربيعة بن الحارث وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك، وكانت كنة امرأة من غامد يمانية قد ولدت في قبائل العرب وكانت أمة، فأعتق الحارث كل مملوك من بني كنة. (مغازي الواقدي ٣/٩٠٧) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٥٠. والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٧٤) . ٥ تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٨ إلا أن عنده "الحارث بن أوس". وانظر البداية والنهاية ٤/٣٣٥. ٦ لأن يعقوب بن عتبة من صغار التابعين. ٧ المواهب اللدنية ١/١٦٥. ٨ صوابه: عبد الله بن عياض كما تقدم في الحديث برقم (٤٥) .
-
والحديث معضل٦.
-
والحاصل: أن ابن إسحاق ذكر أنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
-
وذكر الواقدي: "أنه قتل منهم ما يقارب المائة" .
وقال القسطلاني: "قتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلاً" ٧.
-
ولم يقيده ببني مالك أو غيرهم.
-
وجمع الزرقاني بين الروايات فقال: قوله: "قتل من المشركين أكثر من سبعين" أي وقت الحرب فلا ينافي حديث أنس عند البزار أن الزبير ومن معه قتلوا ثلاثمائة لأنه بعد انهزام الكفار ولا يخالف قوله: "أكثر من سبعين" قول ابن إسحاق وغيره واستحر القتل من بني مالك من ثقيف فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
-
وما رواه البيهقي عن عبد الله٨ بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل
ج ١ ص ٢٢٤الطائف يوم حنين مثل ما قتل يوم بدر، لأن الزائد على السبعين ممن اجتمع معهم من الأخلاط١. ا?.
قلت: حديث البيهقي المشار إليه رواه أيضا الحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي٢.
- (١)الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٢٤.
- (٢)تقدم الحديث برقم (٤٥) مع الحكم عليه.
-
وحديث البزار هو: حدثنا علي٣بن شعيب وعبد الله٤ بن أيوب المخرمي ثنا علي٥ بن عاصم، ثنا سليمان٦ التيمي عن أنس قال: قال غلام منا من الأنصار يوم حنين: لم نغلب اليوم من قلة، فما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم القوم٧، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغرزها، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذا شخص قد أقبل فقال٨: إليك من أنت؟ قال أنا أبو بكر فداك أبي وأمي، وبه بضعة٩ عشر ضربة، ثم إذا شخص قد أقبل فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عمر بن الخطاب فداك أبي وأمي، وبه بضعة عشر ضربة، وإذا شخص قد أقبل وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عثمان بن عفان فداك أبي وأمي، ثم إذا شخص قد أقبل، وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب فداك أبي
ج ١ ص ٢٢٥وأمي، ثم أقبل الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "ألا رجل صَيّت١ ينطلق فينادي في القوم" ، فانطلق رجل٢ فصاح، فما هو إلا أن وقع صوته في أسماعهم، فأقبلوا راجعين فحمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وحمل المسلمون معه، فانهزم المشركون وانحاز دريد بن الصمة على جبيل.
- (٤)عبد الله بن محمد بن أيوب بن صبيح، أبو محمد المخرمي - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة - قال ابن أبي حاتم سمعت منه مع أبي وهو صدوق (ت ٢٦٥) وقد حصل خطأ في تهذيب التهذيب ٧/٣٤٤، حيث ذكر عبد الله بن أيوب في تلاميذ علي بن عاصم وقال: "المخزومي" والصواب "المخرمي". (تاريخ بغداد ١٠/٨١ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم٥/١١وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٦٥.
- (٥)علي بن عاصم صدوق يخطئ ويصر، تقدم في حديث (٥٣) .
- (٦)سليمان بن طرخان التيمي ثقة عابد تقدم في حديث (٥٣) .
- (٧)أي المسلمين.
- (٨)القائل: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإليك بمعنى تنح وابتعد عني.
- (٩)البضع: من ثلاثة إلى تسعة والمعنى هنا من ثلاث عشرة إلى تسع عشرة. المصباح المنير ١/٦٤. وفيه: "تثبت الهاء في بضع مع المذكر، وتحذف مع المؤنث".
- (٣)علي بن شعيب بن عدي السمسار البزاز، البغدادي فارسي الأصل ثقة من كبار الحادية عشرة (ت ٢٧٣) /س. وفي تهذيب التهذيب ٧/٣٣١ "البزار" آخره راء، بدل (البزاز) و (طوسي الأصل) بدل (فارسي الأصل) وطوس من مدن فارس. وكذا في تاريخ الخطيب البغدادي ١١/٤٣٥- ٤٣٦.
- (١)صيت: بفتح المهملة، وتشديد المثناة التحتية: أي مرتفع الصوت. (المعجم الوسيط١/٥٢٨) .
- (٢)وقع في صحيح مسلم وغيره أن الذي أمر بذلك هو العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الصوت.
-
أو قال: على أكمة في زهاء ستمائة، فقال له بعض أصحابه: أرى والله كتيبة قد أقبلت، فقال: "حلوهم٣ لي، فقالوا: سيماهم كذا حليتهم كذا، قال لا بأس عليكم، قُضاعة٤. منطلقة في آثار القوم، قالوا: نرى والله كتيبة خشناء قد أقبلت، قال: حلوهم لي: قالوا: سيماهم كذا من هيئتهم كذا، قال: لا بأس عليكم هذه سليم٥، قالوا: نرى فارسا قد أقبل، فقال: ويلكم وحده، فقالوا: وحده، قال: حلوه لي، قالوا: معتجر بعمامة سوداء قال دريد: ذاك -والله-الزبير٦ بن العوام وهو - والله - قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت إليهم، فقال: علام، هؤلاء ها هنا؟ فمضى ومن أتبعه، فقتل بها ثلاثمائة وجز رأس دريد٧
ج ١ ص ٢٢٦ابن الصمة، فجعله بين يديه " ١.
قال البزار: "لا نعلم رواه بهذا اللفظ إلا سليمان التيمي عن أنس ولا عن سليمان إلا علي"٢. وحسن إسناده ابن حجر.
- (٣)حلوهم لي: اذكروا لي حليتهم وصفوهم لي، وقد وقع في فتح الباري ٨/٤٢ وشرح المواهب اللدنية ٣/٢٣: خلوهم لي فخلوهم: بالخاء المعجمة وهو خطأ.
- (٤)قضاعة: شعب عظيم يشتمل على قبائل كثيرة، منهم: كلب وبلى وجهينة وغيرها، وقد اختلف في قضاعة فقيل إنه من معد وقيل: من اليمن. (ابن الأثير: تهذيب الأنساب٣/٤٣، قلت: فعلى أنها من معد فهم: قضاعة بن معد بن عدنان، وعلى أنها من اليمن: فهم قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير قال القلقشندي: وهو المشهور فيه وعليه جرى الكلبي وابن إسحاق وغيرهما وقال السهيلي: أكثر النسابين على أن قضاعة هو ابن معد، وهو مذهب الزبيريين وابن هشام. معجم قبائل العرب: ٣/٩٥٧) .
- (٥)يعني بني سليم وسليم هوابن منصور.
- (٦)الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله القرشي، الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قتل سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل. /ع. (ابن حجر التقريب ١/٢٥٩ وتهذيب الهذيب ٣/٣١٨) .
- (٧)قال ابن حجر: "واختلف في قاتل دريد فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع-بالفاء مصغرا-ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي، وكان يقال له ابن الدغنة". وفي حديث البزار هذا ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو الزبير بن العوام. ثم قال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازا". وفي الصحيحين من حديث البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: لما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم من - حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال ابن حجر: كذا رويناه على البناء للمجهول. (فتح الباري ٨/٤٢) . وفي الإصابة: قال: وفي حديث أبي موسى الأشعري، عند مسلم، أنه الذي قتل دريد بن الصمة بعد أن قتل دريد عمه أبا عامر الأشعري لكن ذكر ابن إسحاق أن الذي قتله أبو موسى هو سلمة بن دريد بن الصمة وهذا أسبه، فإن دريد بن الصمة إذ ذاك لم يكن ممن قاتل لكبر سنه. (الإصابة: ١/٥٠٧) . قلت: لم أجد هذا اللفظ في مسلم في النسخ الموجودة بين أيدينا مع شروحها، والذي فيها هو البناء للمجهول. وسيأتي حديث الصحيحين برقم (١١٨) ووقع ذلك عند الطبري بإسناد صحيح عن أبي بردة عن أبيه قال: "ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريدا، وهزم الله أصحابه" أهـ. وما قدمه ابن حجر من الجمع في قاتل دريد هو الأظهر. (انظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٥٣-٤٥٤. والروض الأنف للسهيلي ٧/١٧٧ و١٧٨-١٧٩. وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٧٩. وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٢١١. وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٣. وانظر حديث (١١٦) . (كشف الأستار ٢/٣٤٦ وتقدم بعضه برقم (٥٣) مع الحكم عليه) . ٢ علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، التميمي مولاهم وقد وثقه قوم وضعفه آخرون. وضعفه آت من قبل كثرة غلطه وتماديه فيه، ولم يكن متهما بالكذب ومن وسمه بذلك فقوله مردود بقول الأئمة الآخرين الذين وصفوه بالصدق والصلاح، ولقد ختم الذهبي ترجمته بقوله: صدوق له صولة كبيرة في زمانه. وقد ساق له ابن عدي جملة أحاديث بواطيل، ورد ذلك الذهبي وقال: المتهم بها غيره. لا (انظر: الذهبي: تذكرة الحفاظ١/٣١٦-٣١٧، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٩-٢٦٢ وميزان الاعتدال ٣/١٣٥-١٣٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٣٤٤-٣٤٨) . قلت: ولذا فقد حكم ابن حجر على هذا الحديث بأنه بإسناد حسن. ٣ انظر قول الزرقاني ص (٢٢٣) . ٤ انظر الحديث رقم (٩٦) . ٥ انظر ترجمته في الإصابة لابن حجر ٢/٣٩١.
-
وهذا أكثر ما وقفت عليه في عدد القتلى من المشركين يوم حنين.
-
وقد صرح الزرقاني بأن هؤلاء القتلى الواردون في حديث البزار إنما كان بعد انسحاب المشركين من المعركة٣.
-
وتقدم قول ابن إسحاق بأنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا وعند الواقدي نحو مائة٤.
-
هذا ما رواه ابن إسحاق أيضا بقوله:
٩٨- واستحر القتل من بني نصر في بني رئاب، فزعموا أن عبد الله٥ بن قيس وهو الذي يقال له ابن العواء، وهو أحد بني وهب بن رئاب قال: يا رسول الله،
ج ١ ص ٢٢٧هلكت بنو رئاب فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم اجبر مصيبتهم ١.
-
وهكذا ذكر ابن سعد إلا أنه قال: "واستحر القتل في بني نصر بن معاوية ثم في بني رئاب" ٢.
-
وبنو رئاب غير بني مالك، ومعلوم أن قبيلة بني نصر من أهم أجنحة هوازن، فهي تعد بالمئات، ومعنى تصريح أحد أفرادها بأن القتل كاد يفنيها أن قتلها بلغوا المئات، وهاتان فقط قبيلتان من قبائل هوازن الكثيرة يظهر من حديث المؤرخين عن ضحاياها أنها بلغت المئات، فكم تكون الضحايا بين العشائر الأخرى من سائر قبائل هوازن وغيرها التي اشتركت في المعركة لاشك أنها تعد بالمئات كذلك، وقد نظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه المعركة، فقال عنها: "الآن حمي الوطيس" .
-
وهذا القول لم يصدر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وصف أية معركة من المعارك التي خاضها طيلة حياته، مما يدل على عظم خطرها وكثرة ضحاياها، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمطاردة المشركين وقتل من قدر عليه منهم.
-
فقد روى البزار من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
٩٩- حدثنا الوليد٣ بن عمرو بن سَكَيْن ثنا محمد٤ بن عبد الله بن المثنى عن أبيه٥ عن ثمامة٦ عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: "جزوهم٧ جزا وأومأ بيده إلى الحلق" .
ج ١ ص ٢٢٨قال البزار: "لا نعلم رواه إلا أنس، ولا له عنه إلا هذا الطريق١، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: " رواه البزار ورجاله ثقات "٢.
- (٣)الوليد بن عمرو بن السكين - بضم أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه - البصري، أبو العباس، صدوق من الحادية عشرة. /ق. (التقريب ٢/٣٣٤ وتهذيب التهذيب ١١/١٤٤- ١٤٥ و٩/٢٧٤ كلاهما لابن حجر. والخلاصة للخزرجي ٣/١٣٣) . وقد وقع في كشف الأستار "الوليد بن عمر" بضم العين.
- (٤)محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، من التاسعة (ت٢١٥) /ع. (التقريب٢/١٨٠، وتهذيب التهذيب٩/٢٧٤) .
- (٥)هو عبد الله بن االمثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو المثنى البصري، صدوق كثير الغلط، من السادسة./خ ت ق. (المصدر السابق١/٤٤٥ و٥/٣٨٧-٣٨٨. وفي ميزان الاعتدال ٢/٤٩٩ رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة) .
- (٦)ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضيها، صدوق من الرابعة. /ع. (التقريب١/١٢٠وتهذيب التهذيب٢/٢٨. وميزان الاعتدال١/٣٧٢ للذهبي ورمز له بـ (صح) إشارة إلى توثيقه) .
- (٧)الجز القطع والقص. (النهاية ١/٢٦٨ والقاموس المحيط ٢/١٦٩) .
- (١)سيرة ابن هشام ٢/٤٥٥.
- (٢)الطبقات الكبرى ٢/١٥٢. ومغازي الواقدي ٣/٩١٦.
- (١)كشف الأستار ٢/٣٤٩.
-
وكذا قال ابن حجر والزرقاني٣.
- (٣)ابن حجر: مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥١ رقم ٨١٦. والزرقاني شرح المواهب ٣/٢١ إلا أنه قال: "اجزروهم جزرا" بدل: "جزوهم جزاً".
-
١٠٠- وعند الواقدي: عن شيوخ من ثقيف - أسلموا بعد وكانوا حضروا ذلك اليوم - قالوا: ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبنا فيما نرى ونحن مولون حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة٤.
- (٤)مغازي الواقدي ٣/٩٠٨.
-
١٠١- وعنده أيضا أن سعد بن عبادة كان يصيح يومئذ بالخزرج: يا للخزرج، وأسيد بن حضير: يا للأوس ثلاثا، فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل إلى يعسوبها، قال: فحنق المسلمون عليهم حتى أسرع المسلمون في قتل الذرية فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تُقتل الذرية ثلاثا ".
قال أسيد بن حضير: "يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين؟ "
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب٥ عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " ٦.
- (٥)يعرب عنها لسانها: أي حتى ينطق ويتكلم. (ابن الأثير: النهاية ٣/٢٠٠- ٢٠١) .
-
وعند أحمد من حديث الأسود بن سريع أن "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حملكم على قتل الذرية؟ "
قالوا: "يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين؟ "
قال: "أو هل خياركم إلاّ أولاد المشركين؟،
ج ١ ص ٢٢٩والذي نفس محمّد بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها " ١.
- (٢)٦/١٨١.
- (٦)مغازي الواقدي ٣/٩٠٤.
-
وفي حديث أنس بن مالك عند أبي داود وغيره أن أبا طلحة٢ وحده قتل عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وهذا سياقه عند أبي داود قال: حدثنا موسى٣ بن إسماعيل حدثنا حماد٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يومئذ - يعني يوم حنين٦- "من قتل كافراً فله سلبه "، فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم. ولقي أبو طلحة أم سليم٧ ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -" .
قال أبو داود: "هذا حديث حسن" ٨.
- (٢)هو زيد بن سهيل الأنصاري النجاري. تقدم في حديث (٦٠) .
- (٣)هو المنقري التبوذكي تقدم في حديث (٩١) .
- (٤)حماد: هو ابن سلمة ثقة، تقدم في حديث (٣٦) .
- (٥)إسحاق ثقة حجة، تقدم في حديث (٤٧) .
- (٧)أم سليم تقدمت ترجمتها في حديث (٦٠) .
-
ورواه الدارمي وابن أبي شيبة والطحاوي كلهم من طريق حماد بن سلمة دون "قصة أم سليم" ٩.
-
وأخرجه ابن حبان من طريق حماد بن سلمة "بقصة أبي طلحة" وزاد: قال أبو قتادة١٠: "يا رسول الله ضربت رجلا على حبل العاتق عليه درع فأجهضت، فقال رجل: أنا أخذتها فارضه منها وأعطنيها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل
ج ١ ص ٢٣٠شيئا إلا أعطاه أو سكت، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم " فقال عمر١ رضي الله عنه: " والله لا ينعمها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: صدق عمر ".
قال الهيثمي: "قصة أبي قتادة في الصحيح٢ من حديث أبي قتادة، وهذا الحديث كله من حديث أنس ".
- (١٠)أبو قتادة الأنصاري السلمي - بفتحتين - المدني، اختلف في اسمه، شهد أحدا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، مات سنة (٥٤) على الأصح. /ع. (التقريب ٢/٤٦٣ وتهذيب التهذيب ١٢/٢٠٤) .
- (١)أحمد: المسند ٣/٤٣٥ وهو حديث صحيح وقد سقت طرقه في رقم (٢٤٧) .
- (٦)قال محمد شمس الحق العظيم آبادي: يعني يوم حنين تفسير من بعض الرواة ثم قال المنذري: وأخرج مسلم قصة أم سليم في الخنجر بنحوه. (عون المعبود ٧/٣٨٨) وانظر حديث رقم (٦٠) .
- (٨)أبو داود: السنن ٢/٦٥ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل.
- (٩)الدارمي: السنن ٢/١٤٧ كتاب السير، باب من قتل قتيلا فله سلبه. وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩١أ. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٧.
- (١)وقد ورد أيضا أن صاحب هذا القول أبو بكر الصديق، وسيأتي التوفيق بين القولين في الأحكام في ص ٦٣٩ تعليقة (٢) .
- (٢)انظر الحديث رقم (٦٢) .
-
وله طرق تأتي في غزوة حنين٣.
- (٣)موارد الظمآن ص ٤٠٢ ووقع في الأصل في غزوة خيبر وهو خطأ، وذلك: أ- أن ابن حبان ساق الحديث في غزوة حنين. ب- قال الهيثمي عقب الحديث: وله طرق تأتي في غزوة (خيبر) ولم تأت هذه الطرق إلا في غزوة حنين. ج- وكذا أخرج الحديث أحمد والدارمي وأبو داود والحاكم وغيرهم بلفظ غزوة حنين.
-
وأخرجه أبو داود الطيالسي وأحمد والحاكم والبيهقي الجميع من طريق حماد بن سلمة به.
-
ولفظه: عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا وكثرن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل:٤، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ثم قال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله "، فهزم الله المشركين، ولم يضربوا بسيف ولم يطعنوا برمح قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: " من قتل كافرا فله سلبه ".
قال: فقتل أبو طلحة٥ يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وقال قتادة: "يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له وأجهضت عنه ".
- (٥)عند الحاكم "فقتل أبو قتادة" وهو خطأ فإن قاتل العشرين هو أبو طلحة كما هو مصرح به عند غير الحاكم، وإن أبا قتادة هو قاتل صاحب الدرع.
-
وقد قال حماد: "أيضا فأجهضت عنه - فانظر من أخذها قال رجل فقال: أنا أخذتها، فارضه منها، وأعطينها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو
ج ١ ص ٢٣١سكت، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، قال: فقال رسول الله: "صدق عمر" فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "صدق عمر" ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة: ما هذا معك: قالت: أردت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم؟
قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال: "إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم" ١ لفظ أحمد.
- (٤)يشير إلى قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] .
-
قال الحاكم بعد إخراجه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.
-
وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن علي بن أبي طالب ورجلا من الأنصار رضي الله عنهما قتلا صاحب راية هوازن٢.
- (٢)تقدم الحديث برقم (٥٨) . (نتضحى) أي نتغذى. (طلقا) الطلق: قيد يتخذ من الجلود. (من حقبه) الحقب: محركا: حبل يشد على بطن البعير مما يلي مؤخره. (ورقة في الظهر) ، الظهر: المركوب، والرقة في حال الضعف. (ورقاء) ذات لون أسمر، والورقة: السمرة. (فندر) ندر رأسه أي: طار عن بدنه. (ابن الأثير: جامع الأصول ٨/٣٩٨-٣٩٩) .
-
١٠٢- وفي حديث سلمة ابن الأكوع - رضي الله عنه - قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينا نحن نتضحى٣ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغذى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد بالجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال
ج ١ ص ٢٣٢سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الجمل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ " .
قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع" ١.
- (١)أبو داود الطيالسي ٢/ ١٠٨-١٠٩ (منحة المعبود) . وأحمد: (المسند ٣/٢٧٩. وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص ٤١٧. والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٠٦، ودلائل النبوة ٣/٤٦) .
-
١٠٣- وأخرج عبد الرزاق عن الثوري٢ عن أبي فزارة٣ عن عبد الرحمن٤ بن أبي عمرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين بامرأة مقتولة فقال: ألم أنه عن هذا؟
فقال رجل: "أردفتها، فأرادت أن تقتلني، فقتلتها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفنها" ٥.
- (٢)سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة، من رءوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس (ت١٦١) / ع. (التقريب ١/٣١١ وتهذيب التهذيب ٤/١١١-١١٥) .
- (٣)هو راشد بن كيسان العبسي- بالموحدة - أبو فزارة الكوفي، ثقة من الخامسة / بخ م ت ق. (التقريب ١/٢٤٠ وتهذيب التهذيب ٣/٢٢٧) .
- (٤)عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري النجاري، يقال ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة /ع. (التقريب ١/٤٩٣ وتهذيب التهذيب ٦/٢٤٢ وعلى هذا فالحديث مرسل، ورجاله ثقات وله شواهد تقويه. انظر حديث ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩،. وانظر الإصابة ٣/٧٢.