المبحث الرابع: عوامل انتصار المسلمين في حنين
١١٩ فقرة، ج ١ ص ١٨٥
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ١٩٨
وعند ابن سعد والطبري عن العباس قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بفرز النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يألو ما أسرع نحو المشركين قال: فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء فقال: يا عباس
ج ١ ص ١٩٩ناد يا أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلا صيتا فناديت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة؟ فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها، يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار مرتين، ثم قصرت الدعوى في بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قتالهم فقال: "هذا حين حمي الوطيس" الحديث١.
- (١)الوطيس: بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة. قال النووي: قال الأكثرون: هو شبه التنور يسجر فيه، ويضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره، قال آخرون: الوطيس هو التنور نفسه. وقال الأصمعي: "هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها فيقال: الآن حمي الوطيس، وقيل هو الضرب في الحرب، وقيل: هي الحرب الذي يطيس الناس أي يدقهم، قالوا: هذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -". (شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٣. والروض الأنف للسهيلي ٧/١٩٩- ٢٠٠) .
-
وعند الحميدي: عن عباس قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته التي أهداها له الجذامي فلما ولى المسلمون، قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عباس ناد، قلت يا أصحاب سورة البقرة٢، وكنت رجلا صيتا فقلت: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة، فرجعوا عطفة كعطفة البقرة على أولادها، وارتفعت الأصوات وهم يقولون: معشر الأنصار، يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن خزرج، يا بني الخزرج، قال: وتطاول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته فقال: " هذا حين حمي الوطيس" الحديث٣.
- ج ١ ص ٢٠٠
والحديث رواه الفسوي من طريق الحميدي١.
-
ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٢. وتعقبه الذهبي بقوله: قلت أخرجه مسلم٣.
-
٨١- ونعد الحاكم من حديث جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين الأنصار فقال: "معشر الأنصار فأجابوه: لبيك، بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله، قال: أقبلوا بوجوههم إلى الله وإلى رسوله يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فأقبلوا ولهم حنين٤ حتى أحدقوا٥ به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين" ٦.
-
ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
-
وأخرج الحاكم أيضا من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار فقال: يا معشر المسلمين أنا رسول الله.
فقالوا: "إليك والله جئنا فنكسوا ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" ٧.
ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي" .
-
وفي حديث أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ومن الطلقاء فأدبروا عنه حتى
ج ١ ص ٢٠١بقي وحده، "فنادى١ يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله، فانهزم المشركون" الحديث٢.
- (١).
-
?- المعجزة النبوية التي حصلت في هذه المعركة وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى اجتلاد المسلمين واشتباكهم مع المشركين فقال "هذا حين حمي الوطيس" ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار فامتلأت أعينهم ترابا من تلك الرمية فهزمهم الله عز وجل.
- توضح ذلك الأحاديث الآتية:
-
فعند مسلم وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، قال: "شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فلزمت أنا وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نفارقه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار" الحديث وفيه:
فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته كالنتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ٣ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا٤ ورب محمد" قال: "فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى،
ج ١ ص ٢٠٢قال: فوالله! ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم١ كليلا وأمرهم مدبرا " ٢.
ثم قال مسلم: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال: "فروة بن نعامة الجذامي، وقال: "انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة" ٣.
- (١)قوله: "فما زلت أرى حدهم كليلا "هو بفتح الحاء المهملة أي ما زلت أرى قوتهم ضعيفة". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٣) .
-
وزاد في الحديث حتى هزمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يركض خلفهم على بغلته.
-
٨٢- وعند مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فولى صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزماً وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد رأى ابن الأكوع فزعا فلما غشوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: " شاهت٤ الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله عز وجل وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائمهم بين المسلمين٥.
- (٤)شاهت الوجوه: قبحت. (المصباح المنير ١/٣٨٩. الروض الأنف ٧/٢١٧٩. (مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٢ كتاب الزكاة. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٤أ- ب) .
-
٨٣- وعند ابي يعلى والطبراني: من حديث أنس بن مالك بإسناد حسن قال: لما كان يوم حنين: انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلاّ العباس بن عبد المطلب وأبا
ج ١ ص ٢٠٣سفيان بن الحارث وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي يا أصحاب سورة البقرة يا معشر الأنصار ثم استحر النداء في بني الحارث بن خزرج فلما سمعوا النداء أقبلوا فوالله ما شبهتهم إلا بالإبل تجري إلى أولادها، ولما التقوا التحم القتال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن حمي الوطيس" وأخذ كفا من حصى فرمى به، وقال: "هزموا ورب الكعبة وكان علي بن ابي طالب من أشد الناس قتالا يومئذ" ١.
- (٢)تقدم برقم (٨٠) .
- (٣)تقدم برقم (٨٠) .
-
والحديث أورده الهيثمي٢ في مجمع الزوائد وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن دوار وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره.
-
٨٤- وأخرج الطبراني عن أنس قال: لنا انهزم المسلمون يوم حنين مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته الشهباء - وكان اسمها دلدل - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دلدل اشتدي٣ فألزقت بطنها بالأرض حتى أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال: "حم لا ينصرون" ٤ فانهزم القوم وما رميناهم بسهم ولا طعناهم برمح ولا ضربنا بسيف ٥.
-
لم يروه عن ثابت٦ إلا عمارة، تفرد به مؤمل.
- (١)أبو يعلى: (المسند ٣/٣٣٨ب رقم٣٠٣. والطبراني: كما في مجمع البحرين ٢/٢٤٣ رقم٧٧) . (مجمع الزوائد ٦/١٨٠- ١٨١) . ٣ كذا في الأصل "اشتدي" وفي مجمع الزوائد (اسدي) بالسين المهملة والشدة القوة، واشتداد الشيء قوته وصلابته، والشد: العدو، واشتد عدا. (ابن الأثير: النهاية ٢/٤٥١. والفيروز آبادي: القاموس ١/٣٠٥) . وسدى تسدية وسدا بيده مدها، وأسدت الناقة: اتسع خطوها. (الفيروز آبادي: القاموس ١/٣٤١) . ٤ قوله: (حم لا ينصرون) في النهاية لابن الأثير ١/٤٤٦: معناه اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر، لا الدعاء، لأنه لو كان دعاء لكان مجزوما، فيقول: (حم لا ينصروا) فكأنه قال: "والله لا ينصرون". إهـ.. وفي سنن أبي داود ٢/٣١ كتاب الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار، "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن بُيتم فليكن شعاركم حم لا ينصرون". قال صاحب عون المعبود ٧/٢٥٨: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "حم من أسماء الله". فكأنه حلف بالله إنهم لاينصرون. (مجمع البحرين ٢/٢٤٤ رقم ٧٧) . ٦ ثابت هو البناني، ثقة عابد، وعمارة: هو ابن زاذان الصيدلاني أبو سلمة البصري، صدوق كثير الخطأ. ومؤمل-بوزن محمد-هو ابن إسماعيل البصري، أبو عبد الرحمن نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ. (ابن حجر: التقريب ١/١١٥ و٢/٤٩، ٢٩٠) .
- ج ١ ص ٢٠٤
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه: أحمد١ بن محمد بن القاسم وهو ضعيف٢.
قلت: "والجزء الأخير من الحديث وهو قوله: فانهزم القوم الخ ثابت معناه عند ابن حبان والحاكم من حديث أنس أيضا" وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ، وسكت عنه الذهبي٣.
- (١)هو ابن أبي بزة مؤذن المسجد الحرام، قال ابن أبي حاتم قلت لأبي: ابن أبي بزة ضعيف الحديث؟ قال: نعم، ولست أحدث عنه فإنه روى عن عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا منكرا. (الجرح والتعديل٢/٧١) . (مجمع الزوائد ٦/١٨٣) . ٣ ابن حبان: كما في موارد الضمآن ص٤١٧، والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠. (مجمع الزوائد ٦/١٨٢- ١٨٣) . ٥ بصري كانوا يضعفونه، وقال ابن عدي: كان القطعي يسرق الحديث روى عن الثقات أحاديث غير محفوظة. (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٢٣٣) . ٦ يونس بن أرقم لينه عبد الرحمن بن حراش. (المصدر السابق ٤/٤٧٧) . ونقل ابن حجر قول الذهبي هذا وزاد: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يتشيع. (لسان الميزان ٦/٣٣١) . ٧ هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمدالكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلس، من الخامسة (ت١٤٧أ,١٤٨) /ع. (ابن حجر: التقريب٣٣١) . ٨ هو ابن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي، أبو المغيرة، صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يلقن، من الرابعة (ت١٢٣) /خت م عم. (المصدر السابق ١/٣٣٢) .
-
٥٨- وأخرج الطبراني أيضا عن يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم، قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعتهم الكفار فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصبة من الأرض فرمى بها وجوههم وقال: "ارجعوا شاهت الوجوه" فما منا من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكوا القذى أو يمسح عينيه٤.
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
-
٨٦- وقال البزار: حدثنا إسماعيل٥ بن سيف القطعي، ثنا يونس٦ ابن أرقم ثنا الأعمش٧، عن سماك٨ بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن علي بن أبي
ج ١ ص ٢٠٥طالب ناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب١ فرمى به وجوه المشركين يوم حنين٢.
قال البرزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد" .
- (١)قال ابن حجر: ولمسلم من حديث العباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، وله من حديث سلمة بن الأكوع، قال: لما غشوا النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب ثم استقبل بها وجوههم فقال: "شاهت الوجوه"، ولأحمد وألبي داود من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتحم عن فرسه فأخذ كفا من تراب، ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود قال: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة يمضي قدما فحادت عن فرسه فمال عن السرج فقلت له: "ارتفع رفعك الله، فقال: ناولني كفا من تراب فضرب به وجوههم". وللبزار من حديث ابن عباس أن عليا ناول رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب، فرمى به وجوه المشركين يوم حنين ثم قال: ويجمع بين هذه الأحاديث بأنه - صلى الله عليه وسلم - أوّلاً، قال لصاحبه ناولني فناوله فرماهم، ثم نزل عن البغلة فأخذ بيده فرماهم أيضا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب. (فتح الباري٨/٣١-٣٢) و (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١٣) وانظر ص٢٠١. (كشف الأستار ٢/٣٤٩) . (مجمع الزوائد ٧/١٨٣) . (مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥١ رقم٨١٦) . ٥ تقدم الحديث برقم (٨٠) . ٦ تقدم الحديث برقم (٨٢) . ٧ سيأتي تخريجه برقم (٩١) . ٨ تقدم تخريجه برقم (٧٤) .
-
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه البزار عن إسماعيل بن سيف وهو ضعيف" ٣.
قال ابن حجر: قلت: "وشيخه يونس" ٤.
- والخلاصة:
-
أن أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ترابا ورميه في وجوه الكفار، جاء في أحاديث كثيرة منها الصحيح والحسن والضعيف.
-
فقد ورد من حديث العباس بن عبد المطلب عند مسلم وغيره٥.
-
ومن حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم والبيهقي٦.
-
ومن حديث أبي عبد الرحمن الفهري عند أحمد وأبي داود وغيرهم٧.
-
ومن حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد والحاكم والبيهقي وغيرهم٨.
- ج ١ ص ٢٠٦
ومن حديث شيبة بن عثمان العبدري عند الطبراني وغيره١.
- (١)تقدم تخريجه برقم (٦٧) . (أحمد: المسند ٤/٣٥١. وأبو عوانة: المسند ٤/٢٠٤. والهيثمي: مجمع الزوائد ٦/١٨٥ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) . ٣ عبد بن حميد: المسند ١/٦٦أرقم (٣٣٢) . والطبري: جامع البيان١٠/١٠٣. وتقدم برقم (٨٥) . ٤ تقدم تخريجه برقم (٨٣) .
-
ومن حديث عبد الرحمن بن أزهر عند أحمد وأبي عوانة٢.
-
ومن حديث يزيد بن عامرالسوائي عند عبد بن حميد والطبري٣.
-
ومن حديث أنس بن مالك عند أبي يعلى والطبراني٤
وهذه الأحاديث التي أوردتها في بيان هذا العامل من عوامل النصر، يؤخذ منها نصر الله للمسلمين بمعجزات يؤيد الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليزيد المؤمنين إيمانا ولتقوم الحجة على المكذبين برسالته - صلى الله عليه وسلم -، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.
-
والمسلمون إذا قوي إيمانهم بالله سبحانه فإن الله يؤيدهم وينصرهم على أعدائهم بأسباب كونية قدرية لاقبل لعدوهم بها، ولهذا شواهد لا تحصى في التاريخ الإسلامي.
- د- تأييد الله للمسلمين بجند من عنده:
-
كان هذا التأييد السماوي بعد أن أدب الله المؤمنين الذين اغتروا وأعجبوا بكثرتهم وبعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وذلك بسبب ما حل بهم من الخوف عندما ركب الأعداء ظهورهم يسوقونهم، فركبت إبل المسلمين بعضها بعضا وولوا مدبرين، إلاّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطائفة يسيرة معه، وفي هذه الحال الحرجة أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا من عنده تقوية لقلوب المؤمنين وتثبيتاً
ج ١ ص ٢٠٧لهم، ولقد صوّر القرآن الكريم هذا أتم تصوير فقال: جل ذكره: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} ، [سورة التوبة، الآية: ٢٥] .
قال الشوكاني عند تفسير هذه الآيات قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٦] ، أي: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين، بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين١: هم الذين لم ينهزموا، وقيل الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا، {وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوهَا} قال: هم الملائكة، {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، والإشارة بقوله {وذلك} إلى التعذيب المفهوم من عذب وسمى ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف بل لا بدّ من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم، وتعظيما له، وقوله {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} أي من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر لمن أذنب فتاب، {الرَحِيمٌ} بعباده يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه٢.
- (١)قوله: والمراد بالمؤمنين هم الذين لم ينهزموا فقد ورد في حديث ابن مسعود قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله - عز وجل - عليهم السكينة. تقدم الحديث برقم (٧٤) . والظاهر جميع من حضر من المؤمنين كما قال الشوكاني، يؤيد هذا ما قاله الطبري: "الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة". (ابن حجر: فتح الباري ٨/٣٠، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٠) .
- (٢)الشوكاني: فتح القدير ٢/٣٤٨.
-
وقد وردت بعض الآثار تبين أن المراد (بالجنود) في الآية هم الملائكة.
-
فقد أخرج ابن أبي حاتم قال: أخبرنا أحمد٣ بن عثمان بن حكيم فيما كتب إلي
ج ١ ص ٢٠٨ثنا أحمد١ بن مفضل، ثنا أسباط٢ عن السدي٣، في قوله: {وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} قال: هم الملائكة٤.
- (٣)أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٦١) /خ م س ق. (ابن حجر: التقريب ١/٢١، وتهذيب التهذيب ١/٦١. وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٢/٦٣) .
- (١)أحمد بن المفضل الحفري - بفتح المهملة والفاء - أبو علي الكوفي، صدوق شيعي، في حفظه شيء (ت٢١٥) /م د س. (ابن حجر: التقريب ١/٢٦) . وفي تهذيب التهذيب ١/٨١ قال: قال أبو حاتم: كان صدوقا وأثنى عليه بن أبي شيبة خيرا، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الأزدي: منكر الحديث.
- (٢)أسباط بن نصر الهمداني-بسكون الميم- أبو يوسف، ويقال: أبو نصر صدوق كثير الخطأ، يغرب من الثامنة/خت م عم. (المصدر السابق١/٥٣و١/٢١١-٢١٢) .
- (٣)إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي - بضم المهملة وتشديد الدال - وهو السدي الكبير، أبو محمد الكوفي، صدوق يهم، ورمي بالتشيع من الرابعة (ت ١٢٧) /م عم. (المصدر السابق ١/٧١- ٧٢ و١/٣١٣- ٣١٤) . (تفسير ابن أبي حاتم ٤/٧٠أ) . (جامع البيان ١٠/١٠١ وتقدم برقم (٤١) . (ابن حجر: تهذيب التهذيب ١/٣١٤) . ٧ القاسم: هو ابن زكرياء بن يحيى أبو بكر المقرئ المعروف: بالمطرز - بزنة اسم الفاعل -. ذكر الخطيب مشايخه وتلاميذه وقال: كان ثقة ثبتا. (تاريخ بغداد ١٢/٤٤١ و٧/٣٩٤) . وذكره الحافظ ابن حجر تمييزا وقال: حافظ ثقة. (التقريب ٢/١٢٦ وتهذيب التهذيب ٨/٣١٤) . ٨ الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي أبو علي البغدادي، صدوق من العاشرة (ت ٢٥٧) /ت س ق. (ابن حجر: التقريب١/١٦٨ وتهذيب التهذيب ٣/٢٩٣) . ٩ المعتمر بن سليمان بن طرخان - بفتح طاء مهملة وقيل بكسرها وبخاء وراء ونون - التيمي، أبو محمد البصري: يلقب بالطفيل، ثقة من كبار التاسعة (ت ١١٧) وقد جاوز الثمانين /ع. (المصدر السابق ٢/٢٦٣، ١٠/٢٢٧) . ١٠ عوف بن أبي جميلة - بفتح الجيم - الأعرابي، العبدي، البصري، ثقة رمي بالقدر، وبالتشيع، من السادسة (ت١٤٦ أو١٤٧) /ع. (المصدر السابق٢/٨٩، ٨/١٦٦) . ١١ عبد الرحمن بن آدم البصري المعروف بصاحب السقاية، مولى أم برثن-بضم الموحدة وسكون الراء بعدها مثلثة مضمومة ثم نون-وقد تبدل النون ميما فيقال: (برثم) صدوق من الثالثة/م د. (المصدر السابق١/٤٧٢ و٦/١٣٤) . والظاهر (أن قوله في مسند ابن جرير "مولى مريم" خطأ. والصواب "مولى أم برثم" أو "برثن".
-
وأخرج الطبري نحوه: من طريق أحمد بن المفضل به٥، والحديث ضعيف كما علم من خلال تراجم رجاله، وهو مقطوع، لأن السدي من التابعين، وقد قيل إن تفسيره هذا قد جعل له إسنادا واستكلفه٦.
-
٨٨- وعند الطبري قال: حدثنا القاسم٧، قال: ثنا الحسن بن عرفة٨، قال: ثني المعتمر٩ بن سليمان، عن عوف١٠ قال: سمعت عبد الرحمن١١ مولى أم برثن أو أم مريم، قال: ثني جل كان من المشركين يوم حنين، قال: "لما التقينا نحن
ج ١ ص ٢٠٩وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين لم يقوموا لنا حلب١ شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فتلقانا عنده رجال بيض، حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها " ٢
والحديث حسن لذاته وجهالة الرجل لا تضر لأن الظاهر أنه أسلم وحدث عبد الرحمن بهذه القصة، جهالة الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول، وقد قال ابن حجر: "بأن عبد الرحمن روى عن رجل من الصحابة ولم يسمه٣ فالظاهر أنه هذا ". والله أعلم.
- (١)قوله: لم يقوموا لنا حلب شاة: أي مقدار حلبها بل ولوا من رشق النبل ونيتهم العود. (شرح المواهب ٣/١٥) . (الطبري: جامع البيان ١٠/١٠٣- ١٠٤) . (تهذيب التهذيب ٦/١٣٤) . ٤ تقدم الحديث برقم (٦٦) . ٥ إسحاق بن يسار المدني والد ابن إسحاق، ثقة من الثالثة /مد. (ابن حجر: التقريب ١/٦٢ وتهذيب التهذيب ١/٢٥٧) . ٦ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب (ت٥٨ أو ٥٩) /ع. (المصدر السابق ١/١٢٦ و٢/٦٣- ٦٤) . ٧ أورد ابن الأثير في النهاية١/٩٦ هذا الحديث وقال: "البجاد الكساء وجمعه بجد، أراد الملائكة التي أيدهم الله بهم" وقال الزرقاني: البجاد بالموحدة المكسورة والجيم الخفيفة آخره دال مهملة: الكساء. ثم نقل قول ابن الأثير وقال: لأنه لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض صاروا كالبجاد المتصل أجزاؤه بنسجه، وروى الواقدي عن شيوخ من الأنصار قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركاما فنظرنا فإذا نمل مبثوث فإن كنا ننفضه عن ثيابنا فكان نصر الله أيدنا به. وانظر الروض الأنف للسهيلي ٧/٢١٢. ثم قال الزرقاني: قال شيخنا: "ولعل نزول الملائكة في صورة النمل ليظهر للمسلمين فيسألوا عنه، ويتوصلوا بذلك للعلم بهم، فيعلموا من ذلك من معجزاته فيقوى بذلك إيمانهم" (شرح المواهب٣/١٦) . وانظر مغازي الواقدي٣/٩٠٥. (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٩) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧، والروض الأنف ٧/١٧٣) . ٣ أبو مسلم الكجي الحافظ المسند، إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري صاحب كتاب السنن، سمع أبا عاصم النبيل والأصمعي، وعنه أبو بكر القطيعي وأبو قاسم الطبراني، كان من أهل الفضل والعلم والأمانة، وكان سريا نبيلا عالما بالحديث وثقه الدارقطني وغيره (٢٠٠- ٢٩٢هـ) (الخطيب: تاريخ بغداد ٦/١٢٠- ١٢٤. الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٠- ٦٢١) . ٤ عبيد الله بن محمد بن عائشة، اسم جده حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقيل له: ابن عائشة، والعائشي والعيشي، نسبة إلى عائشة بنت طلحة، لأنه من ذريتها، ثقة جواد، رمي بالقدر ولم يثبت، من كبار العاشرة، (ت ٢٢٨) /د ت س. (ابن حجر: التقريب ١/٥٣٨ وتهذيب التهذيب ٧/٤٥) . (مجمع البحرين ٢/٣٤٣ رقم (٧٧) . ٦ محمد بن أبان الأصبهاني، كذا في ترجمة شيخه محمد بن عباد ولم أجد ترجمته. ٧ محمد بن عباد بن آدم الهذلي البصري، مقبول، من العاشرة (ت٢٦٨) /سق. (التقريب ٢/١٧٤، وتهذيب التهذيب ٩/٣٤٣) . ٨ عباد بن آدم الهذلي البصري، مجهول، من التاسعة /ق. (التقريب ١/٣٩١، وتهذيب التهذيب ٥/٩٠) . (مجمع البحرين ٢/٣٤٣ رقم (٧٧) . ١٠ (مجمع الزوائد ٦/١٨٣) .
-
وتقدم في حديث عثمان بن شيبة العبدري أنه قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين والله مال أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر" الحديث٤.
-
٨٩- وقال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق٥ بن يسار أنه حدث عن جبير٦ بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد٧ الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد
ج ١ ص ٢١٠ملأ الوادي، لم يشك أحد أنها الملائكة ثم لم يكن إلا هزيمة القوم١.