الفصل الثاني: اشتداد المعركة يمنع المسلمين من الصلاة
٥٥ فقرة، ج ١ ص ٣٢٣
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٣٣٩
وبذلك قال ابن عبد البر فقد بين أن الذي فاتهم يوم الأحزاب إنما هي أربع صلوات قال أبو عمر بعد أن ساق اختلاف الأئمة حول قضاء الفوائت هل يؤذن ويقيم لكل صلاة أم يقيم فقط أم لا يؤذن ولا يقيم...الخ.
وقال: روى هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو سعيد الخدري وابن مسعود٢ أما حديث ابن مسعود فقد رواه الترمذي وقد تقدم وبين الترمذي هناك أنه لا بأس به، وقال: "إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود وقد أكد ذلك الحافظ" ٣.
- (٢)التمهيد ٥/٢٣٤- ٢٣٧.
-
أما حديث أبي سعيد الخدري فقد رواه أحمد بسند رجاله ثقات وقد أثبته ابن عبد البر وكلا الطريقين٤ عن ابن أبي ذئب٥ عن المقبري٦
ج ١ ص ٣٤٠عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بلالاً فأقام فصلى الظهر ثم أقام العصر ثم أقام المغرب ثم أقام العشاء وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} ١.
- (٤)أي الطريق التي رواه بها أحمد والطريق التي أخرجه بها ابن عبد البر.
- (٥)هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري الحارث المدني (ثقة فاضل) . التقريب ٣٠٨.
- (٦)هو سعيد بن أبي سعيد بن كيسان المقبري أبو سعد المدني ثقة من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة مات في حدود العشرين وقيل قبلها وقيل بعدها. التقريب ١٢٢.
- (٣)التقريب ٤١٦.
-
وقد اختلف العلماء في ذلك على ما يلي:
١- مالك والشافعي والأوزاعي وأصحابهم قالوا فيمن فاتته صلاة أو صلوات حتى خرج وقتها أنه يقيم لكل واحدة إقامة ولا يؤذن.
-
٢- الثوري قال ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة.
-
٣- أبو حنيفة وأصحابه قالوا: "من فاتته صلاة واحدة صلاها بأذان وإقامة فإن لم يفعل فصلاته تامة" .
-
٤- قال محمد بن الحسن إذا فاتته صلوات فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فحسن وإن أذن وأقام لكل صلاة فحسن ولم يذكر خلافاً.
-
٥- أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود بن علي قالوا يؤذن ويقيم لكل صلاة فاتته على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ نام عن الصلاة وهذا هو الراجح ثم عقب قائلاً:
ج ١ ص ٣٤١حجة من قال إنه يقيم لكل صلاة فاتته ولا يؤذن لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل ثم أقام لكل صلاة ولم يؤذن. وروى هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو سعيد الخدري وابن مسعود وقد تقدم١.
- (١)مسند أحمد ٣/٤٩.
- (١)التمهيد ٥/٢٣٤- ٢٣٧.
-
ثم أورد٢ حديث ابن مسعود كما ورد عند الترمذي بنفس السند إلا أنه قال هكذا قال هشيم في هذا الحديث فأذن ثم أقام فصلى الظهر فذكر الأذان للظهر وحدها قال: "وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة٣ عن هشيم سواء. وخالفه هشام الدستوائي" فقال "فيه فأمر بلالاً فأقام فصلى الظهر ولم يذكر أذاناً للظهر ولا لغيرها" .
- (٢)أي ابن عبد البر.
- (٣)المصنف ٢/٧٠.
-
ثم ذكر رحمه الله سنداً آخر له ولكنه عن أبي عبيدة وقد ثبت أنه لم يسمع من أبيه وفيه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام فصلى الظهر وفي آخره ثم طاف علينا فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم" ٤ إلا أنه لم يصرح عند أحمد بأن ذلك كان يوم الخندق وعلى كل حال وعلى ضوء ما تقدم فالحديث منقطع.
- (٤)مسند أحمد ١/٤٢٣.
- ج ١ ص ٣٤٢
أقول: "وفي هذا دليل على أن الذي فاتهم من الصلوات أربع وهذا لا ينطبق على العشاء لأن وقتها ممتد قال الحافظ١: " لأن العشاء لم تكن فاتت ".
قال: قال اليعمري٢: "من الناس من رجح ما في الصحيحين وصرح بذلك ابن العربي " فقال: " إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة هي العصر " قلت: " ويؤيده حديث علي في مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " قال: " ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أياماً فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام ".
قال وهذا أولى. قلت٣: "ويقربه روايتي أبي سعيد وابن مسعود وليس فيهما تعرض لقصة عمر بل فيهما أن قضاءه وقع بعد خروج وقت المغرب٤. وهذا أولى بمعنى أنه إذا لم نرجح ما في الصحيحين فالمصير إلى الجمع أفضل خروجاً من المعارضة".
ج ١ ص ٣٤٣قال الحافظ١: "وقد اختلف في سبب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ذلك اليوم؟. فقيل كان ذلك نسياناً واستبعد أن يقع ذلك من الجميع ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة٢ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب فلما سلم قال: " هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ قالوا لا يارسول الله فصلى العصر ثم صلى المغرب ": قال: " وفي صحة هذا الحديث نظر لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم لعمر "والله ما صليتها" . ويمكن الجمع بينهما بتكلف.
- (١)فتح الباري ٢/٦٩.
- (٢)هو ابن سيد الناس وقد تقدم.
- (٣)أي الحافظ ابن حجر.
- (٤)فتح الباري ٢/٧٠.
- (١)فتح الباري ٢/٦٩.
- (٢)أبو جمعة الأنصاري أو الكناني اسمه حبيب بن سباع ويقال جنبذ بضم الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة ابن سباع صحابي سكن الشام ثم مصر مات بعد السبعين. التقريب ٣٩٩، الاستيعاب ٤/١٨٧.
-
وقيل كان عمداً لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب لاسيما وقد وقع عند أحمد٣ والنسائي٤ من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف {فرجالاً أو ركبانا} ٥.
- (٣)مسند أحمد ٣/٤٩.
- (٤)سنن النسائي ٢/١٧.
- (٥)سورة البقرة جزء من آية ٢٣٩.
- ج ١ ص ٣٤٤
وكونهم تركوها عمداً هو الأقرب كما ذكر ذلك الحافظ لأنهم شغلوه صلى الله عليه وسلم فلم يمكنوه من ذلك لأنه قد بلغ الضيق والجهد والكرب والخوف بهذه الصفوة المباركة شأوا بعيداً إلى درجة أنهم في تلك اللحظات الأخيرة من محنة الغزو المرعب جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأفصحوا له بصراحة عما يعانونه من شدة الخوف والضيق والكرب فقالوا له يارسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله قال نعم قولوا: "اللهم أستر عوراتنا وآمن روعاتنا" . وهذا الحديث رواه أحمد١ وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبي عامر وقد حسنه الألباني٢.
- (١)مسند أحمد ٣/٣.
- (٢)حاشية فقه السيرة للغزالي ٢٢٩.
-
وخلاصة القول أن فوات الصلاة أو الصلوات عليهم في تلك الأيام كانت قبل نزول الأمر بصلاة الخوف وقد صرح بذلك الحافظ٣ وغير واحد. وأن نزولها كان في غزوة ذات الرقاع٤.
- (٣)فتح الباري ٧/٤٢١- ٤٢٤.
- (٤)غزوة ذات الرقاع ذكرها ابن سعد قبل الخندق ولكن الراجح ما رجحه البخاري وبعده الحافظ وصاحب أضواء البيان.
-
وقد نقل الحافظ الاختلاف فيها وأثبت أنها بعد الخندق كما ذكر
ج ١ ص ٣٤٥ذلك ابن عبد البر١ ورجح ذلك الشنقيطي٢ حيث قال: "واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بان غزوة ذات الرقاع قبل خيبر" قال: "والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي صلى الله عليه وسلم حين خيبر مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع" .
- (١)التمهيد ٥/٢٣٤.
- (٢)أضواء البيان ١/٣١٠- ٣١٢.
-
وقد قال البخاري رحمه الله: "باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلاً وهي بعد خيبر لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر ثم قال رحمه الله: بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد الخندق" .