المبحث الخامس: في وقائع المعركة.

٤ فقرات، ج ٣ ص ٧٧١

  1. ١٦٨- قال الإمام مسلم١: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو ابن سَرْح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي٢، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبَل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ

    ج ٣ ص ٧٧٢بلجام١ بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكُفُّها٢ إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي عباس ناد أصحاب الشجرة" ٤، فقال عباس وكان رجلاً صَيِّتاً٥: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟

    قال: فوالله لكأَنَّ عَطْفَتَهم حين سمعوني عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج٦، فقالوا: يا بني

    ج ٣ ص ٧٧٣الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا حين حمي الوطيس" ١، قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة" ٢، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم٣ كليلاً وأمرهم مدبراً٤.

    1. (١)صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٣) .
    2. (٢)وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٥٩١) : فروة بن عمرو الجذامي، وذكر أنه أسلم. وعند ابن عبد البر (الاستيعاب ٣/٣٢٥) : فروة بن عمرو النفاثي، وفي الإصابة (٣/ ٢١٣) : (مروة بن عامر الجذامي أو ابن عمرو وهو أشهر، أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث بإسلامه، ولم ينقل أنه اجتمع به ... أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء ... ) . وقال النووي: "فروة بن نفاثة - بنون مضمومة ثم فاء مخففة ثم ألف ثم تاء مثلثة -، وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال فروة بن نعامة - بالعين والميم -، والصحيح المعروف الأول" شرح مسلم (١٢/ ١١٣) .
    3. (٣)طفق: بمعنى أخذ. النهاية (٣/ ١٢٩) .
    4. (١)اللجام: حبل أو عصا تدخل في فم الدابة وتلزق إلى قفاه، لسان العرب (لجم) .
    5. (٢)أكفها: أي أمنعها. النهاية (٤/ ١٩٢) .
    6. (٣)الركاب للسرج: كالغرز للرحل، والجمع ركب، اللسان (ركب) .
    7. (٦)قوله: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، هو: الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، ومن ولده: جشم وحارثة، فولد جشم عبد الأشهل وزعوراء، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٣٨) .
    8. (٤)هي: الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان، ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. النووي بشرح مسلم (١٢/ ١١٥) .
    9. (٥)رجلاً صيتاً: أي شديد الصوت عاليه. النهاية (٣/ ٦٤) وذكر النووي عن الحازمي في المؤتلف أن العباس رضي الله عنه كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعهم، قال: وبين سلع والغابة ثمانية أميال، النووي على مسلم (١٢/ ١١٥) .
    10. (٣)فما زلت أرى حدهم كليلاً: - هو بفتح الحاء المهملة -، أي: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة، النووي على مسلم (١٢/ ١١٧) .
    11. (١)هذا حين حمي الوطيس: - هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة -، قال الأكثرون: هو شبه التنور يسجر فيه، ويضرب مثلاً لشدة الحرب التي يشبه حرها حره. وقال آخرون: الوطيس هو: التنور نفسه، وقال الأصمعي: هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها، فيقال: الآن حمي الوطيس ... ، قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، النووي على مسلم (١٢/ ١١٦) .
    12. (٢)وفي رواية معمر عن الزهري (انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة) مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٧) .
    13. (٤)وأخرجه من طريق يونس الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٢٧) ، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٣٧) . ومن طريق معمر عن الزهري أخرجه الواقدي في المغازي (٣/ ٨٩٨) ، وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٩) ، رقم (٩٧٤١) ، وفي تفسيره (١/ ٢٦٩) ، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩٦- ٢٩٧ رقم [١٧٧٥] أرناؤوط) ، وفي فضائل الصحابة رقم (١٧٧٥) ، ومسلم رقم (١٧٧٥) (٧٦) ، وأخرجه من طريق معمر ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٥) ، وأبو يعلى في المسند رقم (٣٦٠٦) ، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٥٢٣ رقم ٧٠٤٩) . وأخرجه الحميدي في مسنده (١/ ٢١٨ رقم ٤٥٩) من طريق الزهري. ومن طريق سفيان عن الزهري أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٣٢) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٧٣ رقم ٣٥٦) ، وفي كتاب الجهاد رقم (٢٥٢) مختصراً، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٢) ، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥٥) . وأخرجه ابن سعد كما في الطبقات (٤/ ١٨) من طريق محمد بن عبد الله عن عمه ابن شهاب، وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٤٤- ٤٤٥) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن سعد كما في الطبقات (٣/ ٧٥) ، والطبري في تفسيره (١٤/ ١٨٢) ، تحقيق: أحمد شاكر، وأخرجه الفزاري عن ابن جريج عن ابن شهاب مرسلاً، السير للفزاري (٢٠٣) .
    ج ٣ ص ٧٧١
  2. ١٦٩- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب٢ عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب فلزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه وهو على بغلة

    ج ٣ ص ٧٧٥شهباء، وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نعامة الجذامي، قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقفها١، وهو لا يألو ما أسرعَ نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغَرْز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عباس ناد أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلاً صَيِّتاً فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، وأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، فنادت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قُصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا حين حمى الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله تعالى، قال: وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلة له٢.

    1. (١)مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٧٩) رقم (٩٧٤١) ، والتفسير (١/ ٢٦٩) القسم الثاني.
    2. (٢)هو: كثير بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو تمام، صحابي صغير، مات بالمدينة أيام عبد الملك، خ م د س، التقريب (٤٥٩) .
    3. (١)في تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٦٩) : فكففتها، وعند مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٣) : من طريق يونس: أكفها.
    4. (٢)إلى هنا أخرجه عبد الرزاق متصلاً.
    ج ٣ ص ٧٧٤
  3. ١٧٠- قال الحميدي: حدثنا سفيان١، قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: جُرِح خالد بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ فخرجت أمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده ودعا له قال٢: وأرى فيه ونفث٣ عليه٤.

    قال عبد الرزاق: قال الزهري: وكان عبد الرحمن بن أزهر٥ يحدث

    ج ٣ ص ٧٧٧أن خالد بن الوليد بن المغيرة يومئذ كان على الخيل، خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن أزهر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هزم الله الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم، يمشي في المسلمين ويقول: من يدلُّني على رحل خالد بن الوليد؟ فمشيت حتى - أو قال: فسعيت - بين يديه وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد؟ حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى جرحه.

    1. (١)هو: سفيان بن عيينة، تقدم.
    2. (٢)القائل هو: الزهري، ففي مسند أحمد (٢٧/ ٣٦٦ رقم [١٦٨١١] أرناؤوط) ( ... قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وانظر: كذلك صحيح ابن حبان رقم (٧٠٩٠) .
    3. (٣)نفث: النفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. النهاية (٥/ ٨٨) .
    4. (٤)مسند الحميدي (٢/ ٣٩٨) رقم (٨٩٧) بسند صحيح. ومن طريق معمر أخرجه الشافعي في المسند (٢/ ٩٠) رقم (٢٩٢) ، وأحمد في المسند (٢٧/ ٣٦٦، رقم [١٦٨١١] أرناؤوط) وابن أبي عاصم في الآحاد (١/ ٤٥٩) رقم (٦٣٩) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٥/ ٥٦٤- ٥٦٥، رقم ٧٠٩٠) ، وقال محققه شعيب الأرناؤوط: سنده صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن (٨/ ٣١٩ و٩/ ١٠٣) مختصراً.
    5. (٥)عبد الرحمن بن أزهرالزهري أبو جبير المدني، صحابي صغير، مات قبل الحرة، وله ذكر في الصحيحين مع عائشة، أغفل المزي رقم (س) وهو في الأشربة، د س، التقريب (٥٧٠) .
    ج ٣ ص ٧٧٦
  4. ١٧١- وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري١ - المصري ابن أخي رشدين بن سعد - أخبرنا ابن وهب٢، أخبرني أسامة بن زيد٣، أن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من

    ج ٣ ص ٧٧٨ضربه بالْمِيتَخَة١، قال ابن وهب: الجريدة الرطبة، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم تراباً من الأرض فرمى به في وجهه٢.

    1. (١)هو: سليمان بن داود بن حماد المهري أبو الربيع المصري، ابن أخي رشدين، ثقة، من الحادية عشرة، توفي سنة ثلاث وخمسين، د س، التقريب (٢٥١) .
    2. (٢)هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، ثقة، تقدم في الرواية رقم [١٢١] .
    3. (٣)هو: أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين وهو ابن بضع وسبعين، خت م ع، التقريب (٩٨) .
    4. (١)الميتخة: هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد، وبكسر الميم وسكون التاء، قال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون. النهاية ٤/ ٢٩٢.
    5. (٢)سنن أبي داود (٣/ ١٦٥- ١٦٦ رقم ٤٤٨٧ ورقم: ٤٤٨٨، ورقم: ٤٤٨٩) . ومن طريق أسامة بن زيد أخرجه أحمد في المسند (٣١/ ٤٣١ رقم [١٩٠٧٩] أرناؤوط) ، عن الزهري أنه سمع عبد الرحمن بن أزهر يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره، وأبو عوانة (٤/ ٢٠٣) ، وصرح عنده الزهري بالسماع أيضاً والحاكم (٤/ ٣٧٤- ٣٧٥) ، عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن أزهر ... فذكره. وقال الألباني: "حسن صحيح" انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٤٩ رقم: ٣٧٦٦) . وقال عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول (٣/ ٥٨٥) : عن إسناد أبي داود رقم (٤٤٨٧ و٤٤٨٨) إسناده صحيح. وأخرجه الواقدي في المغازي (٣/ ٩٢٢)