المبحث السابع: في قدوم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين ورد السبي إليهم

٣ فقرات، ج ٣ ص ٧٨٦

  1. ١٧٦- قال البخاري١: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة٢ أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، قد كنت استأنيت بهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن

    ج ٣ ص ٧٨٧يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا١.

    ج ٣ ص ٧٨٨قال عبد الرزاق: قال الزهري فأخبرني سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم سبى١ يومئذ ستة آلاف سبي من امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب.

    ج ٣ ص ٧٨٩قال الزهري١: وأخبرني عروة بن الزبير قال: لما رجعت هوازن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنت أبر الناس وأوصلهم، وقد سُبي موالينا ونساؤنا، وأخذت أموالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني كنت استأنيت٢ بكم ومعي من ترون، وأحب القول لديّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما المال وإما السبي.

    فقالوا: يا رسول الله أما إذا خيرتنا بين المال وبين الحسب، فإنا نختار الحسب، أو قال: ما كنا نعدل بالحسب شيئاً، فاختاروا نساءهم وأبناءهم.

    1. (١)صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٤٨٣ رقم (٢٣٠٧) و (٢٣٠٨) .
    2. (٢)قال الحافظ ابن حجر: "وقد تقدم في أول الشروط في قصة صلح الحديبية أن الزهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرسله، فإن المسور يصغر عن إدراك القصة ومروان أصغر منه، نعم كان المسور في قصة حنين مميزاً، فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي لابنة أبي جهل، والله أعلم، فتح الباري (٨/ ٣٣) .
    3. (١)وقع في رواية موسى بن عقبة المرسلة عند البيهقي في الدلائل (٥/ ١٩١- ١٩٢) : فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلاً منهم سألوه الفداء. وقال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " وفيه ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم". ابن هشام (٢/ ٤٩٨) . وقال الحافظ ابن حجر: " ... فالأغلب الأكثر طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير عوض، وبعضهم رده بشرط التعويض" فتح الباري (١٣/ ١٦٩) . والحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه من طرق عن الزهري، انظر: البخاري مع الفتح (٥/ ١٦٩، ٢٠٩، ٢٢٦، ٢٢٧، رقم (٢٥٣٩ و٢٥٤٠ و٢٥٨٣ و٢٥٨٤ و٢٦٠٧ و٢٦٠٨) و (٦/ ٢٣٦ رقم ٣١٣١ و٣١٣٢) من طريق عُقَيل عن الزهري، و (٨/ ٣٢- ٣٣ رقم ٤٣١٨ و٤٣١٩) من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه، و (١٣/ ١٦٨ رقم ٧١٧٦ و٧١٧٧) من طريق موسى بن عقبة عن الزهري. ومن طريق عُقَيل عن الزهري ... أخرجه أبو داود رقم (٢٦٩٣) ، وأبو عبيد في الأموال، رقم (٣١٤) ، وابن زنجويه في الأموال رقم (٤٨٣) ، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٦٠) ، وفي الدلائل (٥/ ١٩٠- ١٩١) ، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٨٦ رقم ٢٧١٥) ، ومن طريق ابن أخي الزهري عن عمه ... أخرجه أحمد في المسند (٣١/ ٢٣٠، رقم [١٨٩١٤] أرناؤوط) ، ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري ... أخرجه البيهقي في السنن (٦/ ٣٦٠) ، وفي الدلائل (٥/ ١٩٢) مختصراً. ويشهد لما تقدم ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو نحوه، انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨٩) وسنده حسن حيث صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث. وأحمد في المسند (١١/ ٣٣٩، رقم [٦٧٢٩] و ١١/ ٦١٢- ٦١٣ رقم [٧٠٣٧] أرناؤوط) ، وأبو داود في السنن رقم (٢٦٩٤) مختصراً، والنسائي في السنن (٦/ ٢٦٢) والطبراني في الكبير (٥/ ٢٧٠ رقم ٥٣٠٤) ، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٤- ١٩٥) من طرق عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع كما في ابن هشام (٢/ ٤٨٩) ، وإحدى الروايتين عند أحمد في المسند (١١/ ٦١٢ -٦١٣ رقم [٧٠٣٧] أرناؤوط) ، والباقي أخرجوه بالعنعنة.
    4. (١)السَّبي: والسَّبيَّة والسَّبايا: فالسبي: النهب، وأخذ الناس عبيداً وإماءً. النهاية (٢/ ٣٤٠) .
    5. (١)هذا معلق أيضاً وسيأتي الحديث عن السبي قريباً.
    6. (٢)استأنيت بكم: أي انتظرت وتربصت، يقال: أنيت وأنَّيت وتأنيت واستأنيت. النهاية (١/ ٧٨) .
    ج ٣ ص ٧٨٦
  2. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا مسلمين أو مستسلمين، وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب، وإني قد رأيت أن تردوا لهم أبناءهم ونساءهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكتب علينا حصته من ذلك حتى نعطيه من بعض ما يفيئه الله علينا فليفعل" ، قال: فقال المسلمون: طيَّبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ج ٣ ص ٧٩٠قال: إني لا أدري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فأمروا عرفاءكم١ فليرفعوا ذلك إلينا، فلما رفعت العرفاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس قد أسلموا ذلك، وأذنوا فيه رَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن نساءهم وأبناءهم، وخيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءً كان أعطاهن رجالاً من قريش بين أن يلبثن عندهم وبين أن يرجعن إلى أهلهن، قال الزهري: فبلغني أن امرأة منهم كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فخيرت فاختارت أن ترجع إلى أهلها وتركت عبد الرحمن، وكان معجباً بها، وأخرى عند صفوان بن أمية فاختارت أهلها.

    قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قسم بين المسلمين ثم اعتمر من الجِعِرانة٢ بعدما قفل من غزوة حنين، ثم انطلق إلى المدينة، ثم أمَّر أبا بكر على تلك الحجة٣.

    1. (١)العرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فعيل: بمعنى فاعل، والعرافة: عملة. النهاية ٣/ ٢١٨.
    2. (٢)الجعرانة: - بكسر الجيم وكسر العين المهملة وتشديد الراء - وفيها رواية أخرى - وهي كسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء - وهي: مكان بين مكة والطائف، نزلها النبي صلى الله عليه وسلم لما قسّم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين، ويقع شمال شرقي مكة، وقد اتخذها الناس مكاناً للعمرة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. المعالم الأثيرة (٩٠) . وقد دخلت في العمران اليوم على طريق القادم من وادي الشرائع.
    3. (٣)والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٥) من طريق معمر عن الزهري.
  3. ١٧٧- قال أبو عبيد١: وأما أمر هوازن، فإن عبد الله بن صالح حدثنا عن الليث بن سعد قال: حدثني عُقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ستة آلاف من سبي هوازن - من النساء والصبيان والرجال - إلى هوازن حين أسلموا وخيّر نساءً كن عند رجال من قريش، منهم عبد الرحمن بن عوف، وصفوان بن أمية، وقد كانا استسرَّا٢ المرأتين اللتين كانت عندهما، فخيرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارتا قومهما٣.

    1. (١)كتاب الأموال (١١٧) رقم (٣١٤) ، وفي سنده عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه فيه غفلة، كما قال ابن حجر في التقريب ٣٠٨
    2. (٢)استسرَّا: أي اتخذاهما أمتين، لأن السّرية بالضم: الأمة التي بوأتها بيتاً منسوبة إلى السر بالكسر للجماع، وقد تسرّر وتسرّى واستسرَّ، القاموس مادة (سرر) .
    3. (٣)وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٩ رقم ٩٧٤١) معلقاً عن الزهري عن سعيد بن المسيب. والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٣) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (١/ ٣١٣ رقم ٤٨٣) من طريق عُقيل عن ابن شهاب، وفي سنده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أخرجه الطبري في التفسير (١٤/ ١٨٤ رقم ١٦٥٧٨) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن الزهري. ويشهد له ما أخرجه الطبري في تاريخه (٣/ ٨٢- ٨٣) من حديث هشام بن عروة عن أبيه. وخليفة بن خياط في تاريخه (٩٠) من حديث هشام بن عروة أيضاً عن أبيه.
    ج ٣ ص ٧٩١