المبحث الثامن: في موقف الأنصار من تقسيم الغنائم

٣ فقرات، ج ٣ ص ٧٩٢

  1. ١٧٨- قال البخاري١: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال ناس من الأنصار - حين أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً المائة٢ من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة٣ من أدم٤، ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم

    ج ٣ ص ٧٩٣فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير من مما ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ستجدون أُثْرَة١ شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قال أنس: فلم يصبروا٢.

    1. (١)صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٥٢- ٥٣ رقم ٤٣٣١) .
    2. (٢)تقدم أنه أعطى صفوان بن أمية وحكيم بن حزام مائة من الإبل، انظر: الرواية المتقدمة في مسلم رقم (٢٣١٣) ومصنف عبد الرزاق رقم (١٦٤٠٧) من طريق الزهري. وأخرج أحمد في المسند (٢٠/ ٣٦٥ رقم [١٣٠٨٤] أرناؤوط) من حديث أنس قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائة من الإبل ... ، وهو في البخاري رقم (٤٣٣٦) . وأخرج الطبري من حديث قتادة مرسلاً وفيه، وتألف أناساً من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس ... الحديث، انظر: جامع البيان (١٠/ ١٠٠- ١٠١) .
    3. (٣)القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية (٤/ ٣) .
    4. (٤)الأديم: الجلد. القاموس، مادة (أدم) ، - وهي بفتح الهمزة والدال -: جلد مدبوغ، شرح المواهب (٣/ ٩٣) .
    5. (١)أُثْرَة: بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوله من الإسكان، أي: الانفراد بالشيء المشترك، دون من يشركه فيه، والمعنى: أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق. الفتح (٨/ ٥٢) .
    6. (٢)أي فيما بعد بدليل ما جاء عند مسلم رقم (١٠٥٩) من طريق يونس عن الزهري وفيه (..قالوا: سنصبر) ، وفي رواية أخرى عنده من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه ... قال أنس: قالوا: نصبر، كرواية يونس عن الزهري، المصدر السابق. والحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع، انظر: رقم (٣١٤٧) من طريق شعيب عن الزهري، ورقم (٥٨٦٠) من طريق الزهري مختصراً. وأخرجه من غير طريق الزهري، انظر الأرقام (٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٤٣٣٤ و٣٧٧٨) . وأخرجه مسلم برقم (١٠٥٩) من طريق الزهري وغيره. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (١٩٩٠٨) وأبو يعلى رقم (٣٥٩٤) وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم ٧٢٧٨) والبيهقي في السنن (٦/ ٣٣٧) ، وفي الدلائل (٥/ ١٧٥) ، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ١٧٣) رقم (٣٩٧٤) من طرق عن الزهري، وأخرجه أحمد في المسند من غير طريق الزهري عن أنس، انظر المسند (٢٠/ ٥٧- ٥٨ رقم [١٢٦٠٨] ورقم [١٢٩٧٧] ورقم [١٢٩٧٨] أرناؤوط) ، والحميدي رقم (١٢٠١) ، والترمذي رقم (٣٩٠١) ، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨٤) .
    ج ٣ ص ٧٩٢
  2. ١٧٩- قال الطبراني١: حدثنا الحسن بن علي المعمري٢، ثنا أيوب بن محمد الوزان٣، ثنا عبد الله بن سليم٤ عن رِشْدين بن سعد٥، عن يونس بن يزيد٦ وعُقيل٧ عن الزهري، عن السائب بن

    ج ٣ ص ٧٩٥يزيد١، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين من غنائم هوازن، فأفشى القسم في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضب الأنصار، فلما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في منازلهم ثم قال: "من كان ههنا ليس من الأنصار فليخرج إلى رحله" .

    1. (١)المعجم الكبير (٧/ ١٥١) رقم (٦٦٦٥) .
    2. (٢)هو: الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري الحافظ ... كان من أوعية العلم يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ، وفي حديثه غرائب وأشياء ينفرد بها، وذكره الدارقطني فقال: "صدوق حافظ"، تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٩- ٣٧٢) .
    3. (٣)هو: أيوب بن محمد بن فروخ بن زياد الوزان، من أهل الكوفة كنيته أبو سليمان توفي في ذي القعدة سنة ٢٤٩، الثقات لابن حبان (٨/ ١٢٧) .
    4. (٤)هو: عبد الله بن سليم الجزري، أبو عبد الرحمن الرقي، مقبول، من كبار العاشرة، توفي سنة ثلاث عشرة، س، التقريب (٣٠٦) .
    5. (٥)رشدين: - بكسر الراء وسكون المعجمة - بن سعد بن مفلح المِهْري - بفتح الميم وسكون الهاء - أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لَهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحاً في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين وله ثمان وسبعون سنة، ت ق، التقريب (٢٠٩) .
    6. (٦)ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧٧] .
    7. (٧)ثقة، تقدم في الرواية رقم [٦٨] .
    8. (١)هو: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل: غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، ع، التقريب (٢٢٨) .
    ج ٣ ص ٧٩٤
  3. ثم تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمد الله عزوجل ثم قال: (يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتألفهم على الإسلام، لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم، وقد أدخل الله قلوبهم الإسلام) ثم قال: "يا معشر الأنصار ألم يَمُنّ الله عليكم بالإيمان وخصّكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم الشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما سمعت الأنصار قول النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: رضينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أجيبوني فيما قلت: فقالت الأنصار: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار، فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالاً فهدانا الله بك، فرضينا بالله رباًّ وبالإسلام ديناً

    ج ٣ ص ٧٩٦وبمحمد نبياً، فاصنع يا رسول الله ما شئت في أوسع الحل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم، لو قلتم: ألم تأتنا طريداً فآويناك، ومكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك، لو قلتم هذا لصدقتم" ، قالت الأنصار: بل لله ولرسوله المن، والفضل علينا وعلى غيرنا، ثم بكوا فكثر بكاؤهم، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم معهم ورضي عنهم، فكانوا بالذي قال لهم أشد اغتباطاً١ وأفضل عندهم من كل مال٢.

    1. (٢)قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١) وفيه رشدين بن سعد وحديثه في الرقائق ونحوها حسن، وبقية رجاله ثقات. والحق أن سنده ضعيف من أجل: رشدين بن سعد، كما مر، لكن للحديث شواهد صحيحة مر ذكرها في الرواية المتقدمة رقم [١٢٧] .
    2. (١)الغبطة: بكسر الغين: حسن الحال والمسرة، القاموس مادة (غبط) .