ملاحظات على كتاب المفردات:

٣٧ فقرة، ج ١ ص ٢٦

  1. مهما خاض الإنسان في بحور العلم والمعرفة فلا يمكنه أن يحيط بكل العلوم، بل يبقى في حدود بشريته وإنسانيته، فالإنسان طبعه النسيان، ومنه اشتقّ اسمه، والمؤلف قد غاص في بحور العلم، حتى أخرج دررا منها كتابه «المفردات» ولكنه مع أهميته العلمية، وقيمته الأدبية لا يخلو من بعض الملاحظات التي سنذكرها:

    ١- فمنها أنه لم يميّز بين القراءات المتواترة والشاذة، بل يكتفي أن يقول: وقرئ كذا.

    ج ١ ص ٢٦
  2. وبون كبير بين القراءات المتواترة من حيث نسبتها ودرجتها، وبين القراءة الشاذة، إذ لا تصح الصلاة مثلا بالقراءة الشاذة، ولا القراءة بها إلا على سبيل التعليم.

  3. ٢- ومنها قلّة بضاعته في علم الحديث الشريف، ويتجلّى ذلك في نسبته بعض الأقوال إلى الرسول، وليست هي من قوله، كقوله في مادة (جبر) : قوله صلّى الله عليه وسلم: «لا جبر ولا تفويض» وهذا من كلام المتكلمين لا من كلام الرسول، كما يذكر بعض الأحاديث الموضوعة، انظر مادة ورث.

  4. وأحيانا يكون الحديث من كلام الرسول فلا ينسبه إليه، بل يقول: وقيل، ومن ذلك قوله في مادة (صرف) : ومنه قول العرب: لا يقبل منه صرف ولا عدل. وهذا من الحديث الصحيح كما بيّنته في محله.

  5. وغير ذلك من الأمثلة التي تظهر عند قراءة الكتاب.

  6. ٣- ومنها تأثّره بالمعتزلة في بعض الأحيان مع أنه يخالفهم. ومن ذلك قوله في مادة (زمل) ، في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ: أي: المتزمّل في ثوبه، وذلك على سبيل الاستعارة، كناية عن المقصّر والمتهاون بالأمر، وتعريضا به. ا. هـ.

    ج ١ ص ٢٧
  7. وحاشا للنبي صلّى الله عليه وسلم أن يقصّر في الأمر أو يتهاون، وهو الذي كان يقوم الليل حتى تفطّرت قدماه، وإنما هذه المسائل من مسائل المعتزلة، وغالب ظني أنه أخذها عن أبي مسلم الأصفهاني كبير مفسّري المعتزلة، وقد ذكر ذلك أيضا الزمخشري في تفسيره، وهو من أئمة المعتزلة. وانظر تعليقنا على هذه المادة.

  8. ٤- ومنها أوهام تحصل للمؤلف أحيانا فينسب أقوالا لغير قائليها. فمن ذلك قوله في مادة (روى) : قال أبو علي الفسوي: المروءة هو من قولهم: حسن في مرآة العين، كذا قال، وهذا غلط، لأنّ الميم في «مرآة» زائدة، ومروءة: فعولة. ا. هـ.

  9. وهذا لم يقله أبو علي، وإنما قال: وزعم بعض رواة اللغة أنّ المروءة مأخوذة من قولهم: هو حسن في مرآة العين، وهذا من فاحش الغلط، وذلك أنّ الميم في مرآة زائدة، ومروءة فعولة. ا. هـ. انظر: المسائل الحلبيات ص ٥٩.

  10. ومثال آخر، قال في مادة (فتن) ، في قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ: قال الأخفش: المفتون: الفتنة، كقولك: ليس له معقول، وخذ ميسوره ودع معسوره، فتقديره: بأيكم الفتون. وقال غيره: أيكم المفتون، والباء زائدة، كقوله تعالى: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ا. هـ.

    قلت: الذي نسبه المصنف لغير الأخفش هو عينه قول الأخفش، ذكره في معاني القرآن ٢/ ٥٠٥، والقول الأول الذي نسبه للأخفش هو قول الفرّاء، فقد قال الفرّاء:

    المفتون هاهنا بمعنى الجنون، وهو في مذهب الفتون، كما قالوا: ليس له معقول رأي.

  11. انظر: معاني القرآن للفراء ٣/ ١٧٣.

  12. ٥- ومنها حصول بعض التصحيفات، وهذا لا يكاد يسلم منه أحد. كقوله في مادة (بحر) :

    بنات بحر: للسحاب. ا. هـ.

  13. والصواب إنما هو بنات بخر، بالخاء المعجمة، أو بنات مخر، وانظر تعليقنا على ذلك في مادة (بحر) .

  14. ٦- وكذا تصحيفه لبيت من الشعر في مادة (بطل) ، فرواه:

    [لأول بطل أن يلاقي مجمعا]

  15. وهو عجز بيت للشنفرى، والصحيح في روايته: [لأول نصل] . وانظر كلامنا عليه في التعليق.

    ج ١ ص ٢٨
  16. ٧- ومنها إغفاله لبعض المواد لم يتكلم عليها.

  17. وفي ذلك يقول السمين الحلبي: ( ... غير أنّه قد أغفل في كتابه ألفاظا كثيرة لم يتكلم عليها، ولا أشار في تصنيفه إليها، مع شدة الحاجة إلى معرفتها، وشرح معناها ولغتها، مع ذكره لبعض مواد لم ترد في القرآن الكريم، أو وردت في قراءة شاذة جدا كمادة (بظر) ، في قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ وهذه لا ينبغي أن يقرئ بها البتة. فمما تركه مع الاحتياج الكلي:

    - مادة غ وط، وهي في قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ.

  18. - مادة: ز ب ن، وهي في قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.

  19. - ومادة: ق ر ش، وهي في قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.

  20. - ومادة: ك ل ح، وهي في قوله تعالى: وَهُمْ فِيها كالِحُونَ.

  21. - ومادة: قدو، وهي في قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ.

  22. - ومادة: نضخ، وهي في قوله تعالى: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ

    «١» .

  23. وممّا فاته من المواد ولم يذكرها السمين.

  24. - مادة فني، وهو في قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ.

  25. - ومادة خردل وهي في قوله تعالى: مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ.

  26. ٨- ومن ذلك أن يقسّم الشيء أقساما، ثم عند ما يُعدّدها يزيد فيها واحدا أو ينقص. فمما نقص فيه عند مادة (وحد) ، قال: فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه، ثم ذكر خمسة، ولم يذكر السادس.

  27. ومما زاد فيه، في مادة (هلك) ، قال: والهلاك على ثلاثة أوجه، ثم لما عدّها ذكر أربعا.

  28. ٩- ومنها أنه لم يراع ترتيب الحرف الثالث في الكلمة، فقدّم مثلا مادة أبا على أبّ.

  29. ١٠- ومن ذلك اعتراض بعض العلماء على أقوال ذكرها في كتابه. منها في مادة (سبح) ، قال: وقول الشاعر:

    [سبحان من علقمة الفاخر] .

  30. قيل: تقديره: سبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه «من» ردّا إلى أصله.

    ج ١ ص ٢٩
  31. وتعقّبه البغدادي، فقال:
  32. وزعم الراغب أنّ سبحان في هذا البيت مضاف إلى علقمة، ومن زائدة. وهو ضعيف لغة وصناعة. أمّا الأول فلأنّ العرب لا تستعمله مضافا إلا إلى الله، أو إلى ضميره، أو إلى الربّ، ولم يسمع إضافته إلى غيره. وأمّا صناعة فلأنّ «من» لا تزاد في الواجب عند البصريين. راجع: خزانة الأدب ٧/ ٢٤٥.

  33. ومنها في مادة (ميد) ، قال: والمائدة: الطبق الذي عليه الطعام، ويقال لكلّ واحد منها مائدة. وتعقّبه السمين فقال: والمائدة: الخوان عليه الطعام، فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة.

    هذا هو المشهور إلا أن الراغب قال: ... وذكر عبارته. انظر: الدر المصون ٤/ ٥٠٢.

  34. - ومن ذلك اختياره لوجوه ضعيفة، كقوله في مادة: ربّ: الرباني لفظ سرياني، وقد ردّه السمين في عمدة الحفاظ.

  35. وغير ذلك من المسائل التي تراها في حواشي الكتاب. وفي كتاب عمدة الحفاظ أيضا.

  36. وكل هذه الملاحظات لا تقدح في الكتاب، إذ أبى الله أن يصحّ إلا كتابه، وكما قال ابن عباس ومن بعده الإمام مالك: ما منّا إلا ردّ أو ردّ عليه إلا صاحب هذا المقام، وأشار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

  37. وهذا يؤكّد ويبين معنى قوله تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.