الباب الثالث في تفسير الألفاظ التي يتكرر ذكرها في هذا الكتاب
٥٧ فقرة، ج ١ ص ٣٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٣٥
فإن فسرناها في كل موضع تجيء فيه أطلنا، وإن ذكرناها في موضع دون الآخر بخسنا أحدهما حقّه، ويبهم على المستفيد موضعها، وإن ألقيناها جملة أحوجنا الناظر في هذا الكتاب إلى غيره، فجئنا بها هاهنا مفسرة، مبيّنة، مسهّلا على الطالب أمرها، وهي البريد، والفرسخ، والميل، والكورة، والإقليم، والمخلاف، والاستان، والطسوج، والجند، والسكة، والمصر، وأباذ، والطول، والعرض، والدرجة، والدقيقة، والصلح، والسلم، والعنوة، والخراج، والفيء، والغنيمة، والقطيعة.
-
[فأما البريد:]
-
ففيه خلاف، وذهب قوم إلى أنه بالبادية اثنا عشر ميلا، وبالشام وخراسان ستة أميال.
وقال أبو منصور: البريد الرسول، وإبراده إرساله. وقال بعض العرب: الحمّى بريد الموت أي انها رسول الموت تنذر به، والسّفر، الذي يجوز فيه قصر الصلاة، أربعة برد، ثمانية وأربعون ميلا بالأميال الهاشمية التي في طريق مكة، وقيل لدابّة البريد بريد، لسيرها في البريد، قال الشاعر:
واني أنصّ العيس، حتى كأنني، ... عليها بأجواز الفلاة، بريد
وقال ابن الأعرابي: كلّ ما بين المنزلين بريد. وحكى بعضهم ما خالف به من تقدّم ذكره، فقال: من بغداد إلى مكة مائتان وخمسة وسبعون فرسخا وميلان، ويكون أميالا ثمانمائة وسبعة وعشرين ميلا. وهذه عدّة ثمانية وخمسين بريدا وأربعة أميال. ومن البريد عشرون ميلا. هذه حكاية قوله.
-
والله أعلم. وخبّرني بعض من لا يوثق به، لكنه صحيح النظر والقياس، أنه إنما سمّيت خيل البريد بهذا الاسم، لأن بعض ملوك الفرس اعتاق عنه رسل بعض جهات مملكته، فلما جاءته الرسل سألها عن سبب بطئها، فشكوا من مرّوا به من الولاة، وأنهم لم يحسنوا معونتهم. فأحضرهم الملك وأراد عقوبتهم، فاحتجوا بأنهم لم يعلموا أنهم رسل الملك، فأمر أن تكون أذناب خيل الرسل وأعرافها مقطوعة لتكون علامة لمن يمرون به، ليزيحوا عللهم في سيرهم فقيل: بريد أي قطع، فعرّب فقيل خيل البريد. والله أعلم.
-
[وأما الفرسخ:]
-
فقد اختلف فيه أيضا. فقال قوم: هو فارسيّ معرّب وأصله فرسنك. وقال
ج ١ ص ٣٦اللغويون: الفرسخ عربيّ محض. يقال: انتظرتك فرسخا من النهار أي طويلا. وقال الأزهري:
أرى ان الفرسخ أخذ من هذا. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: سمي الفرسخ فرسخا، لأنه إذا مشى صاحبه استراح وجلس. قلت: كذا. قال: وهذا كلام لا معنى له. والله أعلم. وقد روي في حديث حذيفة: ما بينكم وبين أن يصبّ عليكم الشّرّ فراسخ، إلا موت رجل، فلو قيل قد مات صبّ عليكم الشرّ فراسخ. قال ابن شميل في تفسيره: وكل شيء دائم كثير فرسخ. قلت:
أنا أرى ان الفرسخ من هذا أخذ، لأن الماشي يستطيله ويستديمه. ويجوز في رأيي أن يكون تأويل حديث حذيفة أنه يصبّ عليكم الشّرّ طويلا بطول الفراسخ، ولم يرد به نفس الطول، وانما يراد به مقدار طول الفرسخ الذي هو علم لهذه المسافة المحدودة. والله أعلم. وقالت الكلابية: فراسخ الليل والنهار ساعاتهما وأوقاتهما، ولعلّه من الأول، وان كان هذ هو الأصل، فالفرسخ مشتقّ منه كأنه يراد سير ساعة أو ساعات، هذا إن كان عربيّا. وأما حدّه ومعناه، فلا بدّ من بسط يتحقق به معناه ومعنى الميل معا. قالت الحكماء: استدارة الأرض في موضع خطّ الاستواء ثلاثمائة وستون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع. فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعا، والإصبع ست حبّات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض. وقيل: الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة، تكون بذراع المساحة، وهي الذراع الهاشمية، وهي ذراع وربع بالمرسل تسعة آلاف ذراع وستمائة ذراع. وقال قوم: الفرسخ سبعة آلاف خطوة، ولم أر لهم خلافا في أن الفرسخ ثلاثة أميال.
-
[وأما الميل:]
فقال بطليموس في المجسطي: الميل ثلاثة آلاف ذراع بذراع الملك، والذراع ثلاثة أشبار، والشبر ست وثلاثون إصبعا، والإصبع خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض.
قال: والميل جزء من ثلاثة أجزاء من الفرسخ. وقيل: الميل ألفا خطوة وثلاثمائة وثلاث وثلاثون خطوة. وأما أهل اللغة فالميل عندهم مدى البصر ومنتهاه.
قال ابن السّكيّت: وقيل للاعلام المبنية في طريق مكة أميال، لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل، ولا نعني بمدى البصر كل مرئيّ فإنّا نرى الجبل من مسيرة أيام، إنما نعني أن ينظر الصحيح البصر ما مقداره ميل، وهي بنية ارتفاعها عشر أذرع أو قريبا من ذلك، وغلظها مناسب لطولها، وهذا عندي أحسن ما قيل فيه.
-
[وأما الإقليم:]
-
فقد تقدّم من القول فيه اشتقاقا واحدا واختلافا في الباب الثاني ما أغنانا عن اعادة ذكره، وإنما ترجمناه ههنا لأنه حريّ بان يكون فيه، فلما تقدّم ما تقدّم من أمره دللنا على موضعه ليطلب.
-
[وأما الكورة:]
-
فقد ذكر حمزة الأصفهاني: الكورة اسم فارسيّ بحت، يقع على قسم من أقسام الاستان، وقد استعارتها العرب وجعلتها اهما للاستان، كما استعارت الإقليم من اليونانيين فجعلته اسما للكشخر، فالكورة والاستان واحد. قلت أنا: الكورة كل صقع يشتمل على عدّة قرى،
ج ١ ص ٣٧ولا بدّ لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة كقولهم: دارا بجرد، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دارا بجرد، ونحو نهر الملك، فإنه نهر عظيم مخرجه من الفرات ويصبّ في دجلة، عليه نحو ثلاثمائة قرية. ويقال لذلك جميعه نهر الملك، وكذلك ما أشبه ذلك.
-
[وأما المخلاف:]
-
فأكثر ما يقع في كلام أهل اليمن. وقد يقع في كلام غيرهم على جهة التّبع لهم والانتقال لهم، وهو واحد مخاليف اليمن، وهي كورها. ولكل مخلاف منها اسم يعرف به، وهو قبيلة من قبائل اليمن أقامت به وعمّرته فغلب عليه اسمها. وفي حديث معاذ: من تحوّل من مخلاف إلى مخلاف فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته الأول، إذا حال عليه الحول. وقال أبو عمرو: يقال استعمل فلان على مخاليف الطائف وعلى الأطراف والنواحي. وقال خالد بن جنبة: في كل بلد مخلاف، بمكّة مخلاف، والمدينة، والبصرة، والكوفة.
-
قلت وهذا كما ذكرنا بالعادة والألف، إذا انتقل اليماني إلى هذه النواحي سمّى الكورة بما ألفه من لغة قومه، وفي الحقيقة إنما هي لغة أهل اليمن خاصّة. وقال بعضهم: مخلاف البلد سلطانه.
-
وحكي عن بعض العرب، قال: كنّا نلقى بني نمير ونحن في مخلاف المدينة وهم في مخلاف اليمامة. وقال أبو معاذ: المخلاف البنكرد، وهو أن يكون لكل قوم صدقة على حدة، فذاك بنكرده يؤدّى إلى عشيرته التي كان يؤدّى إليها. وفي كتاب العين يقال فلان من مخلاف كذا وكذا، وهو عند أهل اليمن كالرستاق، والجمع مخاليف. قلت هذا الذي بلغني فيه، ولم أسمع في اشتقاقه شيئا، وعندي فيه ما اذكره، وهو أن ولد قحطان لما اتخذوا أرض اليمن مسكنا وكثروا فيها لم يسعهم المقام في موضع واحد، فجمعوا رأيهم على أن يسيروا في نواحي اليمن ليختار كل بني أب موضعا يعمرونه ويسكنونه. وكانوا إذا ساروا إلى ناحية واختارها بعضهم تخلّف بها عن سائر القبائل وسمّاها باسم أبي تلك القبيلة المتخلّفة فيها، فسمّوها مخلافا لتخلّف بعضهم عن بعض فيها، ألا تراهم سمّوها مخلاف زبيد، ومخلاف سنحان، ومخلاف همدان، لا بدّ من إضافته إلى قبيلة. والله أعلم.
-
[وأما الاستان:]
-
فقد ذكرنا عن حمزة أنه قال: إن الأستان والكورة واحد. ثم قال: شهرستان وطبرستان وخوزستان مأخوذ من الأستان، فخفف بحذف الألف. ومثال ذلك أن رقعة فارس خمسة أساتين، أحدها استان دارا بجرد، ثم ينقسم الأستان إلى الرساتيق، وينقسم الرستاق إلى الطساسيج، وينقسم كل طسّوج إلى عدة من القرى، مثال ذلك: إصطخر استان من أساتين فارس، ويزد رستاق من رساتيق إصطخر، ونائين وقرى معها طسوج من طساسيج رستاق يزد، ونياستانه قرية من قرى طسوج نائين. وزعم مؤيّد الري أن معنى الأستان المأوى، ومنه يقال: وهما إستان كرفت إذا أصاب موضعا يأوي اليه.
-
[وأما الرستاق:]
-
فهو فيما ذكره حمزة بن الحسن مشتقّ من روذه فستا. وروذه اسم
ج ١ ص ٣٨للسّطر والصّفّ والسّماط، وفستا اسم للحال، والمعنى أنه على التسطير والنظام، قلت: الذي عرفناه وشاهدناه في زماننا في بلاد الفرس أنهم يعنون بالرستاق كل موضع فيه مزارع وقرىّ ولا يقال ذلك للمدن كالبصرة وبغداد، فهو عند الفرس بمنزلة السواد عند أهل بغداد، وهو أخصّ من الكورة والأستان.
-
[وأما الطسوج:]
-
بوزن سبّوح وقدّوس، فهو أخصّ وأقلّ من الكورة والرستاق والأستان، كأنه جزء من أجزاء الكورة. كما أنّ الطّسّوج جزء من أربعة وعشرين جزءا من الدينار، لأن الكورة قد تشتمل على عدّة طساسيج، وهي لفظة فارسية أصلها تسو، فعرّبت بقلب التاء طاء وزيادة الجيم في آخرها، وزيد في تعريبها بجمعها على طساسيج. وأكثر ما تستعمل هذه اللفظة في سواد العراق، وقد قسّموا سواد العراق على ستين طسّوّجا، أضيف كل طسوج إلى اسم. وقد ذكرت في مواضعها من كتابنا بإسقاط طسوج.
-
[وأما الجند:]
-
فيجيء في قولهم: جند قنسّرين، وجند فلسطين، وجند حمص، وجند دمشق، وجند الأردنّ، فهي خمسة أجناد، وكلّها بالشام. ولم يبلغني أنهم استعملوا ذلك في غير أرض الشام، قال الفرزدق:
فقلت: ما هو إلا الشام تركبه، ... كأنما الموت، في أجناده، البغر
قال أحمد بن يحيى بن جابر: اختلفوا في الأجناد، فقيل سمّى المسلمون كل واحد من أجناد الشام جندا، لأنه جمع كورا، والتجنّد على هذا التجمّع، وجنّدت جندا أي جمعت جمعا. وقيل:
سمّى المسلمون لكل صقع جندا بجند عيّنوا له يقبضون أعطياتهم فيه منه، فكانوا يقولون: هؤلاء جند كذا حتى غلب عليهم وعلى الناحية.
-
[وأما أباذ:]
-
فيكثر مجيئه في أسماء بلدان وقرى ورساتيق في هذا الكتاب، كقولهم:
أسد أباذ، ورستماباذ، وحصناباذ، فأسد اسم رجل، وأباذ اسم العمارة بالفارسية، فمعناه عمارة أسد. وكذلك كل ما يجيء في معناه، وهو كثير جدّا.
-
[وأما السكة:]
-
فهي الطريق المسكوكة التي تمرّ فيها القوافل من بلد إلى آخر. فإذا قيل في الكتب:
من بلد كذا إلى بلد كذا كذا سكّة، فإنما يعنون الطريق. مثال ذلك أن يقال: من بغداد إلى الموصل خمس سكك، يعنون أن القاصد من بغداد إلى الموصل يمكنه أن يأتيها من خمس طرق.
-
وحكي عن بعضهم أن قولهم سكك البريد، يريدون منازل البريد في كل يوم، والأول أظهر وأصحّ. والله أعلم.
-
[وأما المصر:]
-
فيجيء في قولهم: مصّرت مدينة كذا في زمن كذا، وفي قولهم مدينة كذا مصر من الأمصار. والمصر في الأصل: الحدّ بين الشيئين، وأهل هجر يكتبون في شروطهم: اشترى
ج ١ ص ٣٩فلان من فلان هذه الدار بمصورها أي بحدودها. قال عديّ بن زيد:
وجاعل الشّمس مصرا، لا خفاء لها، ... بين النهار وبين الليل، قد فصلا
-
[وأما الطول:]
-
فيجيء في قولنا عرض البلد كذا وطوله كذا، وهو من ألفاظ المنجّمين. فسّروه فقالوا: معنى قولنا طوله أي بعده عن أقصى العمارة، سوي آخذه في معدّل النهار أو في خطّ الاستواء الموازي لهما، وذلك لتشابه بينهما يقيم أحدهما مقام الآخر، ولأن ما يستعمل من هذه الصناعة إنما هو مستنبط من آراء اليونانيين وهم ابتدأوا العمارة من أقرب نهاية العمارة إليهم وهي الغربية.
-
فطول البلد، على ذا، هو بعده عن المغرب، إلا أن في هذه النهاية بينهم اختلافا، فإن بعضهم يبتدئ بالطول من ساحل بحر أوقيانوس الغربي، وهو البحر المحيط، وبعضهم يبتدئ به من سمت الجزائر الواغلة في البحر المحيط قريبا من مائتي فرسخ، تسمى جزائر السعادات، والجزائر الخالدات، وهي بحيال بلاد المغرب.
-
ولهذا ربما يوجد للبلد الواحد في الكتب نوعان من الطول بينهما عشر درج، فيحتاج في تمييز ذلك إلى فطنة ودربة. هذا كله من أبي الريحان.
-
[وأما العوض:]
-
فان عرض البلد مقابل لطوله الذي ذكر قبل. ومعناه عند المنجمين هو بعده الأقصى عن خطّ الاستواء نحو الشمال، لأن البلد والعمارة في هذه الناحية، وتحاذيه من السماء قوس عظيمة شبيهة به واقفة بين سمت الرأس وبين معدّل النهار، ويساويه ارتفاع القطب الشمالي. فلذلك يعبّر عنه به، وانحطاط القطب الجنوبي وإن ساواه أيضا فإنه خفيّ لا يشعر به. وهذا كلام صاحب التفهيم.
-
[وأما الدرجة والدقيقة:]
-
فهي أيضا من نصيب المنجمين يجيء ذكرها في هذا الكتاب في تحديد الطول والعرض. قالوا: الدرجة قدر ما تقطعه الشمس في يوم وليلة من الفلك، وفي مساحة الأرض خمسة وعشرون فرسخا. وتنقسم الدرجة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية، والثانية إلى ستين ثالثة، وترقى كذلك.
-
[وأما الصلح:]
-
فيجيء في قولنا: فتح بلد كذا صلحا أو عنوة، ومعنى الصلح من الصلاح وهو ضدّ الفساد، والصلح في هذه المواضع ضدّ الخلف، ومعناه ان المسلمين كانوا إذا نزلوا على حصن أو مدينة خافهم أهله فخرجوا إلى المسلمين وبذلوا لهم عن ناحيتهم مالا، أو خراجا، أو وظيفة يوظّفونها عليهم ويؤدّونها في كل عام على رؤوسهم وأرضهم، أو مالا يعجّلونه لهم، أي انها لم تفتح عن غلبة. كما كانت العنوة بمعنى الغلبة.