الباب الرابع في أقوال الفقهاء في أحكام أراضي الفيء والغنيمة وكيف قسمة ذلك

٦ فقرات، ج ١ ص ٤٤

  1. قال مسلمة بن محارب: حدّثني قحذم قال: جهد زياد في سلطانه، أن يخلّص الصّلح من العنوة، فما قدر، مع قرب العهد ووجود من حضر الفتوح، فأما الحكم في ذلك، فهو أن تخمّس الغنيمة، ثم تقسم أربعة الأخماس بين الذين افتتحوها، وقال بعضهم: ذلك إلى الإمام، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمّسها ويقسم الباقي كما فعله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخيبر فذلك إليه، وإن رأى أن يجعلها فيئا، فلا يخمسها ولا يقسمها، بل تكون مقسومة على المسلمين كافّة، كما فعل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بمشورة عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، ومعاذ بن جبل، وأعيان الصحابة، بأرض السواد، وأرض مصر، وغيرهما مما فتحه عنوة. أخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ من شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» ٨: ٤١، وبذلك أشار الزبير في مصر، وبلال في الشام، وهو مذهب مالك بن أنس، فالغنيمة، على رأيهم، لأهلها دون الناس. واعتمد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهما، في قوله عز وجل: «ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ من أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» ٥٩: ٧، إلى قوله تعالى: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا من دِيارِهِمْ ٥٩: ٨ ... وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ من قَبْلِهِمْ ٥٩: ٩ ... وَالَّذِينَ جاؤُ من بَعْدِهِمْ» ٥٩: ١٠ وبذا أخذ سفيان الثوري. فإن قسّم الأرض بين من غلب عليها، كما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأراضي خيبر، صارت عشريّة وأهلها رقيقا، فإن لم يقسمها وتركها للمسلمين كافّة، فعلى رقاب أهلها الجزية، وقد عتقوا بها، وعلى الأرض الخراج، وهي لأهلها، وهو قول أبي حنيفة، رضي الله عنه، وإذا أسلم الرجل من أهل العنوة وأقرّت أرضه في يده يعمرها، فيؤدّي الخراج عنها، ولا اختلاف في ذلك لقوم، بل يكون الخراج عليه، ويزكي بقية ما تخرجه الأرض، بعد إخراج الخراج، إذا بلغ الحبّ خمسة أوسق. وروي عن عليّ، رضي الله عنه، أنه قال: لا يؤخذ من أرض الخراج إلا الخراج وحده، يقول: لا يجمع على المسلم الخراج والزكاة جميعا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال: أبو يوسف وشريك بن عبد الله في آخرين: إذا استأجر المسلم أرضا خراجيّة، فعلى صاحب الأرض الخراج، وعلى المسلم أن يزكي أرضه إذا بلغ ما يخرج منها خمسة أوسق، وكان

    ج ١ ص ٤٥الحسن رأى الخراج على ربّ الأرض، ولم ير على المستأجر شيئا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف:

    أجرة من يقسم غلّة العشر والخراج، من أصل الكيل. وكان سفيان يرى أن أجور الخراج على السلطان وأجور العشر على أهل الأرض. وقال مالك بن أنس: أجور العشر على صاحب الأرض وأجور الخراج على الوسط. وقال مالك وأبو حنيفة وعامّة الفقهاء: إذا عطّل رجل من أهل العنوة أرضه أمر بزراعتها وأداء خراجها، فإن لم يفعل أمر أن يدفعها إلى غيره، وأما أرض العشر فلا يقال له فيها شيء إن زرعت أخذت منه الصدقة وإن أبى فهو أعلم. وقالوا: إذا بني في أرض العشر بناء من حوانيت وغيرها، فلا شيء عليه، وإن جعلها بستانا لزمه الخراج. وقال مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب وأبو عمرو الأوزاعي: إذا أصابت الغلّات آفة، سقط الخراج عن صاحبها، وإذا كانت أرض من أراضي الخراج لعبد أو مكاتب أو امرأة، فإن أبا حنيفة قال: عليها الخراج فقط. وقال سفيان وابن أبي ذؤيب ومالك: عليها الخراج وفيما بقي من الغلّة العشر. وقال أبو يوسف في أرض موات من أرض العنوة، يحييها المسلم، إنها له، وهي أرض خراج إن كانت تشرب من ماء الخراج، وإن استنبط لها عينا، أو سقاها ماء السماء، فهي أرض عشر. وقال بشر: هي أرض عشر شربت من ماء الخراج أو غيره. وقال أبو يوسف: إن كان للبلاد سنّة أعجمية قديمة لم يغيّرها الإسلام ولم يبطلها، ثم شكاها قوم إلى الإمام، وسألوه إزالة معرّتها، فليس له أن يغيرها. وقال مالك والشافعي:

    يغيّرها وإن قدمت، لأن عليه إزالة كل سنّة جائزة سنّها أحد من المسلمين، فضلا عمّا سنّ أهل الكفر. فهذا كاف في حكم أراضي الخراج.

    ج ١ ص ٤٤
  2. [وأما حكم أراضي العشر:]

  3. فهي ستة أضرب، منها الأرضون التي أسلم عليها أهلها، وهي في أيديهم، مثل اليمن، والمدينة، والطائف، فإن الذي يجب على هؤلاء، العشر. وقد أدخل بعض الفقهاء في هذا القسم أرض العرب الذين لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السّيف، وكان بين من أسلم طوعا وبين من أسلم كرها، فرق قد بيّنه النبي، صلى الله عليه وسلم، بالفعل، وذاك أنه جعل لأهل الطائف الذين كان إسلامهم طوعا ما لم يجعل لغيرهم، مثل تحريمه واديهم، وأن لا تغيّر طوائفهم، ولا يؤمّر عليهم إلا منهم، وأخذ من دومة الجندل بعض أموالهم، واستثنى عليهم الحصن ونزع الحلقة وهي السلاح والخيل، لأنهم جاءوا راغبين في الإسلام غير مكرهين، فأمّنهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بعد أن غلب المسلمون على أرضهم فلم يؤمن غدرهم، فلذلك أخذ سلاحهم، ومثل ذلك صنع أبو بكر، رضي الله عنه، بأهل الردّة بعد أن قهروا، فاشترط عليهم الحرب المجلية، أو السلم المخزية، بأن ينزع منهم الكراع والحلقة، ومنها ما يستحييه المسلمون من أرض الموات التي لا ملك لأحد من المسلمين أو المعاهدين فيها، فيلزمهم العشر في غلّاتها، ومنها ما يقطعه الأئمة بعض المسلمين، فإذا صار، في يده بذلك، الاقطاع، لزمه فيه الزكاة، وهي العشر أيضا، ومنها ما يحصل ملكا لمسلم مما يقسمه الأئمة من أراضي العنوة بين من أوجف عليها من المسلمين، ومنها ما يصير بيد مسلم من الصفايا التي أصفاها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من أراضي السواد، وهي ما كان لكسرى خاصّة ولأهل بيته، ومنها ما

    ج ١ ص ٤٦جلا عنه العدوّ من أرضهم، فحصل في يد من قطنه، وأقام به من المسلمين مثل الثغور.

  4. [وأما الأخماس:]

  5. فمنها: خمس الغنيمة التي كان يأخذها النبي، صلى الله عليه وسلم، ومنها أخماس المعدن واشتقاقه من عدن بالمكان، إذا أقام به وثبت، وكان ذلك لازما له كمعدن الذهب والفضّة والحديد والصفر وما يستخرج من تراب الأرض بالحيلة أبدا، ففيه الخمس، ومنها سيب البحر، وهو ما يلقيه، كالعنبر وما أشبهه، فكأنه عطاء البحر، فيه الخمس، ومنها: ما يأخذه العاشر من أموال المسلمين وأهل الذّمة والحرب، التي يتردّد بها في التجارات. ثم نقول الآن: قال أهل العلم: أيما أهل حصن أعطوا الفدية، من حصنهم، ليكفّ عنهم، ورأى الإمام ذلك حظّا للدين والإسلام، فتلك المدينة للمسلمين، فإذا ورد الجند على حصن، وهم في منعة لم يظهر عليهم بغلبة، لم تكن تلك الفدية غنيمة للذين حضروا دون جماعة المسلمين.

  6. وكل ما أخذ من أهل الحرب من فدية، فهي عامّة وليست بخاصّة من حضر. وقال يحيى بن آدم: سمعت شريكا يقول: إنما أرض الخراج ما كان صلحا على الخراج يؤدّونه إلى المسلمين. قال يحيى: فقلت لشريك: فما حال السواد؟ قال: هذا أخذ عنوة فهو فيء، ولكنّهم تركوا فيه، فوضع عليهم شيء يؤدّونه. قال: وما دون ذلك من السواد فيء، وما وراءه صلح. وأبو حنيفة، رضي الله عنه، يقول: ما صولح عليه المسلمون، فسبيله سبيل الفيء. وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لعلّكم تقاتلون قوما، فيدفعونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم، ويصالحونكم على صلح، فلا تأخذوا فوق ذلك، فإنه لا يحلّ لكم. ورخّص بعض الفقهاء في الازدياد على ما يحتمل الزيادة، وفي يده الفضل من أهل الصلح، واتّبعوا في ذلك سننا وآثارا ممن سلف، إلا أن الفرق بين الصلح والعنوة، وإن كانا جميعا من العشر والخراج. إلا أنه وقع في ملك أهل العنوة خلاف، ولم يقع في ملك أهل الصلح. وكره بعض أهل النظر شراء أرض أهل العنوة، واجتمع الكل على جواز شراء أرض أهل الصلح، لأنهم، إذا صولحوا قبل القدرة عليهم والغلبة لهم، فأرضوهم، ملك في أيديهم. وقال الشافعي، رضي الله عنه: إن مكث أهل الصلح أعواما لا يؤدّون ما صولحوا عليه من فاقة أو جهد، كان ذلك عليهم إذا أيسروا. وقال أبو حنيفة، رضي الله عنه: يؤخذون بأداء ما وجب عليهم مستأنفا ولا شيء عليهم فيما مضى. وهو قول سفيان الثوري. وقال مالك وأهل الحجاز: إذا أسلم الرجل من أهل الصلح أخذ من أرضه العشر وسقطت حصّته من الصلح، فإن أهل قبرس لو أسلموا جميعا، كانت أرضهم عشريّة، لأنها لم تؤخذ منهم، وإنما أعطوا الفدية عن القتل. وأبو حنيفة وسفيان وأهل العراق يجرون الصلح مجرى الفيء، فإن أسلم أهله أجروا على أمرهم الأول في الصلح، إلا أنه لا يزداد عليهم في شيء، وإن نقضوا، إذا كان مال الصلح محتاجا لمعايشهم، فلا بأس به.