الباب الخامس في جمل من أخبار البلدان

٥٬٨٣٩ فقرة، ج ١ ص ٤٧

الصفحة ١١٩ من ١٤٦

  1. فتكلم خالد بن صفوان وقال: أصلح الله الأمير! إن هؤلاء أقرّوا على بلادهم ولو أن عندك من له ببلادهم خبرة لأجاب عنهم، قال: أفعندك في بلادك غير ما قالوا في بلادهم؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير! أصف لك بلادنا؟ فقال: هات، قال: يغدو قانصانا فيجيء هذا بالشّبوط والشّيم ويجيء هذا بالظبي والظليم، ونحن أكثر الناس عاجا وساجا وخزّا وديباجا وبرذونا هملاجا وخريدة مغناجا، بيوتنا الذهب ونهرنا العجب أوله الرّطب وأوسطه العنب وآخره القصب، فأما الرطب عندنا فمن النخل في مباركه كالزّيتون عندكم في منابته، هذا على أفنانه كذاك على أغصانه، هذا في زمانه كذاك في إبّانه، من الراسخات في الوحل المطعمات في المحل الملقحات بالفحل يخرجن أسفاطا عظاما وأقساطا ضخاما، وفي رواية: يخرجن أسفاطا وأقساطا كأنما ملئت رياطا، ثم ينفلقن عن قضبان الفضة منظومة باللؤلؤ الأبيض ثم تتبدّل قضبان الذهب منظومة بالزبرجد الأخضر ثم تصير ياقوتا أحمر وأصفر ثم تصير عسلا في شنّة من سحاء ليست بقربة ولا إناء حولها المذابّ ودونها الجراب لا يقربها الذباب مرفوعة عن التراب ثم تصير ذهبا في كيسة الرجال يستعان به على العيال، وأما نهرنا العجب فإنّ الماء يقبل عنقا فيفيض مندفقا فيغسل غثّها ويبدي مبثّها، يأتينا في أوان عطشنا ويذهب في زمان ريّنا فنأخذ منه حاجتنا ونحن نيام على فرشنا فيقبل الماء وله ازدياد وعباب ولا يحجبنا عنه حجاب ولا تغلق دونه الأبواب ولا يتنافس فيه من قلّة ولا يحبس عنّا من علّة، وأما بيوتنا الذهب فإنّ لنا عليهم خرجا في السنين والشهور نأخذه في أوقاته ويسلمه الله تعالى من آفاته وننفقه في مرضاته، فقال له مسلمة: أنّى لكم هذه يا ابن صفوان ولم تغلبوا عليها ولم تسبقوا إليها؟ فقال: ورثناها عن الآباء ونعمّرها للأبناء ويدفع لنا عنها ربّ السماء ومثلنا فيها كما قال معن بن أوس:

    إذا ما بحر خندف جاش يوما ... يغطمط موجه المتعرّضينا

    فمهما كان من خير، فإنّا ... ورثناها أوائل أوّلينا

    ج ١ ص ٤٣٩وإنّا مورثون، كما ورثنا ... عن الآباء إن متنا، بنينا

    وقال الأصمعي: سمعت الرشيد يقول: نظرنا فإذا كلّ ذهب وفضة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة. وقال أبو حاتم: ومن العجائب، وهو مما أكرم الله به الإسلام، أنّ النخل لا يوجد إلّا في بلاد الإسلام البتة مع أن بلاد الهند والحبش والنوبة بلاد حارة خليقة بوجود النخل فيها، وقال ابن أبي عيينة يتشوّق البصرة:

    فإن أشك من ليلي بجرجان طوله، ... فقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر

    فيا نفس قد بدّلت بؤسا بنعمة، ... ويا عين قد بدّلت من قرّة عبر

    ويا حبذاك السائلي فيم فكرتي ... وهمّي، ألا في البصرة الهمّ والفكر

    فيا حبّذا ظهر الحزيز وبطنه، ... ويا حسن واديه، إذا ماؤه زخر

    ويا حبذا نهر الأبلّة منظرا، ... إذا مدّ في إبّانه الماء أو جزر

    ويا حسن تلك الجاريات، إذا غدت ... مع الماء تجري مصعدات وتنحدر

    فيا ندمي إذ ليس تغني ندامتي! ... ويا حذري إذ ليس ينفعني الحذر!

    وقائلة: ماذا نبا بك عنهم؟ ... فقلت لها: لا علم لي، فاسألي القدر

    وقال الجاحظ: بالبصرة ثلاث أعجوبات ليست في غيرها من البلدان، منها: أنّ عدد المدّ والجزر في جميع الدهر شيء واحد فيقبل عند حاجتهم إليه ويرتدّ عند استغنائهم عنه، ثم لا يبطئ عنها إلّا بقدر هضمها واستمرائها وجمامها واستراحتها، لا يقتلها غطسا ولا غرقا ولا يغبّها ظمأ ولا عطشا، يجيء على حساب معلوم وتدبير منظوم وحدود ثابتة وعادة قائمة، يزيدها القمر في امتلائه كما يزيدها في نقصانه فلا يخفى على أهل الغلّات متى يتخلفون ومتى يذهبون ويرجعون بعد أن يعرفوا موضع القمر وكم مضى من الشهر، فهي آية وأعجوبة ومفخر وأحدوثة، لا يخافون المحل ولا يخشون الحطمة، قلت أنا: كلام الجاحظ هذا لا يفهمه إلّا من شاهد الجزر والمد، وقد شاهدته في ثماني سفرات لي إلى البصرة ثم إلى كيش ذاهبا وراجعا، ويحتاج إلى بيان يعرفه من لم يشاهده، وهو أن دجلة والفرات يختلطان قرب البصرة ويصيران نهرا عظيما يجري من ناحية الشمال إلى ناحية الجنوب فهذا يسمونه جزرا، ثم يرجع من الجنوب إلى الشمال ويسمونه مدّا، يفعل ذلك في كل يوم وليلة مرّتين، فإذا جزر نقص نقصانا كثيرا بيّنا بحيث لو قيس لكان الذي نقص مقدار ما يبقى وأكثر، وليست زيادته متناسبة بل يزيد في أول كل شهر، ووسطه أكثر من سائره، وذاك أنه إذا انتهى في أول الشهر إلى غايته في الزيادة وسقى المواضع العالية والأراضي القاصية أخذ يمدّ كل يوم وليلة أنقص من اليوم الذي قبله، وينتهي غاية نقص زيادته في آخر يوم من الأسبوع الأول من الشهر، ثم يمدّ في كل يوم أكثر من مدّه في اليوم الذي قبله حتى ينتهي غاية زيادة مدّه في نصف الشهر، ثم يأخذ في النقص إلى آخر الأسبوع ثم في الزيادة في آخر الشهر هكذا أبدا لا يختلف ولا يخل بهذا القانون ولا يتغير عن هذا الاستمرار، قال الجاحظ: والأعجوبة الثانية ادّعاء أهل أنطاكية وأهل حمص وجميع بلاد الفراعنة

    ج ١ ص ٤٤٠الطلسمات، وهي بدون ما لأهل البصرة، وذاك أن لو التمست في جميع بيادرها وربطها المعوّذة وغيرها على نخلها في جميع معاصر دبسها أن تصيب ذبابة واحدة لما وجدتها إلا في الفرط، ولو أن معصرة دون الغيط أو تمرة منبوذة دون المسنّاة لما استبقيتها من كثرة الذّبّان، والأعجوبة الثالثة أن الغربان القواطع في الخريف يجيء منها ما يسوّد جميع نخل البصرة وأشجارها حتى لا يرى غصن واحد إلا وقد تأطّر بكثرة ما عليه منها ولا كربة غليظة إلا وقد كادت أن تندقّ لكثرة ما ركبها منها، ثم لم يوجد في جميع الدهر غراب واحد ساقط إلا على نخلة مصرومة ولم يبق منها عذق واحد، ومناقير الغربان معاول وتمر الأعذاق في ذلك الإبّان غير متماسكة، فلو خلاها الله تعالى ولم يمسكها بلطفه لاكتفى كل عذق منها بنقرة واحدة حتى لم يبق عليها إلا اليسير، ثم هي في ذلك تنتظر أن تصرم فإذا أتى الصرام على آخرها عذقا رأيتها سوداء ثم تخللت أصول الكرب فلا تدع حشفة إلا استخرجتها، فسبحان من قدّر لهم ذلك وأراهم هذه الأعجوبة، وبين البصرة والمدينة نحو عشرين مرحلة ويلتقي مع طريق الكوفة قرب معدن النّقرة، وأخبار البصرة كثيرة والمنسوبون إليها من أهل العلم لا يحصون، وقد صنف عمر بن شبّة وأبو يحيى زكرياء الساجي وغيرهما في فضائلها كتابا في مجلدات، والذي ذكرناه كاف.

    ج ١ ص ٤٣٨
  2. والبَصْرَةُ:
  3. أيضا: بلد في المغرب في أقصاه قرب السوس، خربت، قال ابن حوقل وهو يذكر مدن المغرب من بلاد البربر: والبصرة مدينة مقتصدة عليها سور ليس بالمنيع، ولها عيون خارجها عليها بساتين يسيرة، وأهلها ينسبون إلى السلامة والخير والجمال وطول القامة واعتدال الخلق، وبينها وبين المدينة المعروفة بالأقلام أقلّ من مرحلة، وبينها وبين مدينة يقال لها تشمّس أقلّ من مرحلة أيضا، ولما ذكر المدن التي على البحر قال: ثم تعطف على البحر المحيط يسارا وعليه من المدن، قريبة منه وبعيدة، جرماية وساوران والحجا على نحر البحر، ودونها في البرّ مشرقا: الأقلام ثم البصرة، وقال البشّاري:

    البصرة مدينة بالمغرب كبيرة، كانت عامرة وقد خربت، وكانت جليلة، وكان قول البشّاري هذا في سنة ٣٧٨، وقرأت في كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري الأندلسي: بين فاس والبصرة أربعة أيام، قال: والبصرة مدينة كبيرة، وهي أوسع تلك البلاد مرعى وأكثرها ضرعا ولكثرة ألبانها تعرف ببصرة الذّبّان وتعرف ببصرة الكتان، كانوا يتبايعون في بدء أمرها في جميع تجاراتهم بالكتان، وتعرف أيضا بالحمراء لأنها حمراء التربة، وسورها مبنيّ بالحجارة والطوب، وهي بين شرفين، ولها عشرة أبواب، وماؤها زعاق، وشرب أهلها من بئر عذبة على باب المدينة، وفي بساتينها آبار عذبة، ونساء هذه البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق، ليس بأرض المغرب أجمل منهن، قال أحمد بن فتح المعروف بابن الخزّاز التيهرتي يمدح أبا العيش عيسى بن إبراهيم بن القاسم:

    قبح الإله الدهر، إلّا قينة ... بصريّة في حمرة وبياض

    الخمر في لحظاتها، والورد في ... وجناتها، والكشح غير مفاض

    في شكل مرجيّ ونسك مهاجر، ... وعفاف سنّيّ وسمت إباض

    تيهرت أنت خلية، وبرقّة ... عوّضت منك ببصرة، فاعتاضي

    ج ١ ص ٤٤١لا عذر للحمراء في كلفي بها، ... أو تستفيض بأبحر وحياض

    قال: ومدينة البصرة مستحدثة أسست في الوقت الذي أسست فيه أصيلة أو قريبا منه.

  4. بُصْرَى:
  5. في موضعين، بالضم، والقصر: إحداهما بالشام من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران، مشهورة عند العرب قديما وحديثا، ذكرها كثير في أشعارهم، قال أعرابي:

    أيا رفقة، من آل بصرى، تحمّلوا ... رسالتنا لقّيت من رفقة رشدا

    إذا ما وصلتم سالمين، فبلّغوا ... تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا

    وقولوا لهم: ليس الضلال أجازنا، ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا

    وإنا تركنا الحارثيّ مكبّلا ... بكبل الهوى، من ذكركم، مضمرا وجدا

    وقال الصمّة بن عبد الله القشيري:

    نظرت، وطرف العين يتّبع الهوى، ... بشرقيّ بصرى نظرة المتطاول

    لأبصر نارا أوقدت، بعد هجعة، ... لريّا بذات الرّمث من بطن حائل

    وقال الرّمّاح بن ميّادة:

    ألا لا تلطّي السّتر يا أمّ جحدر، ... كفى بذرى الأعلام من دوننا سترا

    إذا هبطت بصرى تقطّع وصلها، ... وأغلق بوّابان من دونها قصرا

    فلا وصل، إلّا أن تقارب بيننا ... قلائص يحسرن المطيّ بنا حسرا

    فيا ليت شعري! هل يحلّنّ أهلها ... وأهلي روضات ببطن اللّوى خضرا

    وهل تأتينّي الريح تدرج موهنا ... بريّاك، تعروري بها عقدا عفرا؟

  6. ولما سار خالد بن الوليد من العراق لمدد أهل الشام قدم على المسلمين وهم نزول ببصرى، فضايقوا أهلها حتى صالحوهم على أن يؤدّوا عن كل حالم دينارا وجريب حنطة، وافتتح المسلمون جميع أرض حوران وغلبوا عليها وقتئذ، وذلك في سنة ١٣.

  7. وبصرى أيضا: من قرى بغداد قرب عكبراء، وإياها عنى ابن الحجاج بقوله:

    ولعمر الشباب! ما كان عنّي ... أول الراحلين من أحبابي

    إن تولّى الصّباء عني، فإني ... قد تعزّيت بعده بالتصابي

    أيظنّ الشباب أني مخلّ ... بعده بالسماع، أو بالشراب؟

    حاش لي حانتي أوانا وبصرى ... للدّنان التي أرى والخوابي

    إن تلك الظروف أمست خدورا ... لبنات الكروم والأعناب

    بشمول، كأنما اعتصروها ... من معاني شمائل الكتّاب

    والمعاني إذا تشابهت الأج ... ناس تجري مجاري الأنساب

  8. وإليها ينسب أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد بن خلف البصروي الشاعر، قرأ الكلام على المرتضى الموسوي، كتب عنه أبو بكر الخطيب من شعره

  9. أقطاعا، منها:
  10. ترى الدنيا وزهرتها، فتصبو، ... ولا يخلو من الشهوات قلب

    ولكن في خلائقها نفار، ... ومطلبها بغير الحظّ صعب

    كثيرا ما نلوم الدهر مما ... يمرّ بنا، وما للدهر ذنب

    ويعتب بعضنا بعضا، ولولا ... تعذّر حاجة ما كان عتب

    فضول العيش أكثرها هموم، ... وأكثر ما يضرّك ما تحبّ

    فلا يغررك زخرف ما تراه، ... وعيش ليّن الأعطاف رطب

    فتحت ثياب قوم، أنت فيهم ... صحيح الرأي، داء لا يطبّ

    إذا ما بلغة جاءتك عفوا، ... فخذها فالغنى مرعى وشرب

    إذا اتّفق القليل وفيه سلم، ... فلا ترد الكثير وفيه حرب

  11. ومات البصروي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة.

  12. البَصَلُ:

  13. بلفظ البصل من الخضر الذي يؤكل ويطبخ:
  14. إقليم البصل من إشبيلية من جزيرة الأندلس. وكفر بصل: من قرى الشام.

  15. البَصَليَّةُ:
  16. منسوب: محلّة في طرف بغداد الجنوبي ومن الجانب الشرقي متّصلة بباب كلواذى، ينسب إليها قوم، منهم أبو بكر محمد بن إسماعيل بن علي ابن النعمان بن راشد البندار البصلاني، كان شيخا ثقة، مات في شعبان سنة ٣١١.

  17. بَصِنَّا:
  18. بالفتح ثم الكسر، وتشديد النون: مدينة من نواحي الأهواز صغيرة وجميع رجالهم ونسائهم يغزلون الصوف وينسجون الأنماط والسّتور البصنّيّة ويكتبون عليها بصنّى، وقد تعمل ببرذون وكليوان وغيرهما من المدن المجاورة لبصنّا وتدلس بستور بصنى، والمعدن بصنى، ولهم نهر يسمونه دجلة بصنى، فيه سبعة أرحية في السفن، والنهر منها على رمية سهم.

  19. بَصِيدَا:
  20. بالفتح ثم الكسر، وياء ساكنة، ودال مهملة، مقصور: من قرى بغداد، ينسب إليها أبو محمد الحسن بن عبد الله بن الحسن البصيداي من أهل باب الأزج، توفي في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وخمسمائة.

  21. بَصِيرُ الجَيْدور:
  22. آخره راء، والجيدور: بالجيم، وياء ساكنة، ودال مهملة مضمومة، وواو ساكنة، وراء: قرية من نواحي دمشق، منها ضحّاك بن أحمد ابن محمد البصيري، كتب عنه أبو عبد الله محمد بن حمزة بن أحمد بن أبي الصقر القرشي الدمشقي بيتي شعر لغيره وأورده في معجمه ونسبه كذلك.

  23. [باب الباء والضاد وما يليهما]

  24. بضَاعَةُ:

  25. بالضم وقد كسره بعضهم، والأول أكثر:
  26. وهي دار بني ساعدة بالمدينة وبئرها معروفة، فيها أفتى النبي، صلى الله عليه وسلم، بأن الماء طهور ما لم يتغير، وبها مال لأهل المدينة من أموالهم، وفي كتاب البخاري تفسير القعنبي: لبضاعة نخل بالمدينة، وفي الخبر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أتى بئر بضاعة فتوضأ من الدّلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في أيامه

    ج ١ ص ٤٤٣يقول: اغسلوني من ماء بضاعة، فيغسل فكأنما أنشط من عقال، وقالت أسماء بنت أبي بكر: كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون، وقال أبو الحسن الماوردي في كتاب الحاوي من تصنيفه: ومن الدليل على أبي حنيفة ما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن سفيط بن أبي أيوب عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قيل له: إنك تتوضّأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينحّي الناس، فقال: الماء لا ينجّسه شيء، فلم يجعل لاختلاط النجاسة بالماء تأثيرا في نجاسته، وهذا نصّ يدفع قول أبي حنيفة، اعترضوا على هذا الحديث بسؤالين، أحدهما: أن بئر بضاعة عين جارية إلى بساتين يشرب منها والماء الجاري لا تثبت فيه النجاسة، والجواب عنه: أن بئر بضاعة أشهر حالا من ان يعترضوا عليها بهذا السؤال، وهي بئر في بني ساعدة، قال أبو داود في سننه: قدّرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضه ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي البستان فأدخلني إليها: هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماء متغيّر اللون، ومعلوم أن الماء الجاري لا يبقى متغير اللون، قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها فقال:

    أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة، قلت: إذا نقص؟ قال: دون العورة، والسؤال الثاني أن قالوا:

    لا يجوز أن يضاف إلى الصحابة أن يلقوا في بئر ماء يتوضّأ فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المحائض ولحوم الكلاب، بل ذلك مستحيل عليهم وذلك بصيانة وضوء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أولى، فدلّ على ضعف هذا الحديث ووهائه، والجواب عنه: أن الصحابة لا يصحّ إضافة ذلك إليهم ولا روينا أنهم فعلوا، وإنما كانت بئر بضاعة قرب مواضع الجيف والأنجاس وكانت تحت الريح وكانت الريح تلقي ذلك فيها، قال: ثم الدليل عليه من طريق المعنى أنه ماء كثير فوجب أن لا ينجس بوقوع نجاسة لا تغيّره قياسا على البعرة.

  27. بَضَّةُ:
  28. بالفتح، والتشديد. من أسماء زمزم، قال الأصمعي: البضّ الرّخص الجسد وليس من البياض خاصّة ولكن من الرخوصة، والمرأة بضّة.

  29. وبضّ الماء يبضّ بضيضا إذا سال قليلا قليلا.

  30. والبضض: الماء القليل. وركية بضوض: قليلة الماء.

  31. البُضَيْضُ:
  32. بلفظ التصغير، والبضيض: الماء القليل، كما ذكر قبل هذه الترجمة، وأظنّه موضعا في أرض طيّء، قال زيد الخيل الطائي:

    عفت أبضة من أهلها فالأجاول، ... فجنبا بضيض فالصعيد المقابل

    فبرقة أفعى قد تقادم عهدها، ... فليس بها إلّا النعاج المطافل

    يذكّرنيها، بعد ما قد نسيتها، ... رماد ورسم بالثّتانة ماثل

    وقال النبهاني:

    أرادوا جلائي يوم فيد، وقرّبوا ... لحى ورؤوسا للشهادة ترعس

    سيعلم من ينوي جلائي أنّني ... أريب، بأكناف البضيض، حبلبس

  33. الحبلبس: المقيم الذي لا يكاد يبرح المنزل.

  34. البُضيْعُ:
  35. مصغر، ويروى بالفتح في شعر حسان بن ثابت

    أسألت رسم الدار أم لم تسأل، ... بين الجوابي فالبضيع فحومل؟

  36. ورواه الأثرم، البصيع، بالصاد المهملة، وقال:
  37. هو جبل بالشام أسود، عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: إن عيسى بن مريم، عليه السلام، أشرف من جبل البضيع، يعني جبل الكسوة، على الغوطة فلما رآها قال عيسى للغوطة:

    إن يعجز الغنيّ أن يجمع بها كنزا فلن يعجز المسكين أن يشبع فيها خبزا، قال سعيد بن عبد العزيز:

    فليس يموت أحد في الغوطة من الجوع، وقال السكري في شرح قول كثيّر:

    منازل من أسماء لم يعف رسمها ... رياح الثّريّا خلفة، فضريبها

    تلوح بأطراف البضيع، كأنها ... كتاب زبور خطّ لدنا عسيبها

    قال: البضيع ظريب عن يسار الجار أسفل من عين الغفاريين، واسم العين النّجح.

  38. البَضيعُ:
  39. بالفتح ثم الكسر: جزيرة في البحر، قال ساعدة بن جؤيّة الهذلي يصف سحابا:

    أفعنك لا برق، كأنّ وميضه ... غاب تشيّمه ضرام مثقب

    ساد، تخرّم في البضيع ثمانيا، ... يلوي بعيقات البحار ويجنب

    قال الأزهري: ساد أي مهمل، وقال أبو عمرو:

    السادي الذي يبيت حيث يمسي. تخرم أي قطع ثمانيا بالبضيع، وهي جزيرة في البحر. يلوي بماء البحر أي يحمله ليمطره ببلد.

  40. [باب الباء والطاء وما يليهما]