الباب الخامس في جمل من أخبار البلدان

٥٬٨٣٩ فقرة، ج ١ ص ٤٧

الصفحة ١٢٩ من ١٤٦

  1. بَلْدٌ:
  2. بالفتح، وسكون اللام: جبل بحمى ضريّة بينه وبين منشد مسيرة شهر، كذا قال أبو الفتح نصر، هذا كلام سقيم.

  3. بَلْدُودُ:
  4. موضع من نواحي المدينة فيما أحسب، قال ابن هرمة:

    هل ما مضى منك يا أسماء مردود، ... أم هل تقضّت، مع الوصل، المواعيد؟

    ج ١ ص ٤٨٣أم هل لياليك ذات البين عائدة، ... أيّام يجمعنا خلص فبلدود؟

  5. البَلْدَةُ:
  6. في قوله تعالى: بلدة طيبة وربّ غفور، قالوا: هي مكة. وبلدة: من مدن ساحل بحر الشام قريبة من جبلة من فتوح عبادة بن الصامت، ثم خربت وجلا أهلها فأنشأ معاوية جبلة، وكانت حصنا للروم، قال ذلك البلاذري.

  7. بَلْدةُ:
  8. مدينة بالأندلس من أعمال ريّة وقيل من أعمال قبرة، منها أبو عثمان سعيد بن محمد بن سيّد أبيه بن يعقوب الأموي البلدي، كان من الصالحين متقشفا يلبس الصوف، رحل إلى المشرق في سنة ٣٥٠ ودخل مكة في سنة ٣٥١، ولقي أبا بكر محمد ابن الحسين الآجرّي وقرأ عليه جملة من تآليفه ولقي أبا الحسن محمد بن نافع الخزاعي قرأ عليه فضائل الكعبة من تأليفه، وسمع بمصر الحسن بن رشيق وضمرة بن محمد الكناني وغيرهما، وكان لقي بالقيروان عليّ بن مسرور وتميم بن محمد، قال ابن بشكوال:

    وكان مولده في سنة ٣٢٨ ومات سنة ٣٩٧.

  9. بَلَرْمُ:
  10. بفتح أوله وثانيه، وسكون الراء، وميم، معناه بكلام الروم المدينة: وهي أعظم مدينة في جزيرة صقلية في بحر المغرب على شاطئ البحر، قال ابن حوقل: بلرم مدينة كبيرة سورها شاهق منيع مبني من حجر وجامعها كان بيعة وفيها هيكل عظيم، وسمعت بعض المنطقيّين يقول: إنّ أرسطوطاليس معلّق في خشبة في هيكلها، وكانت النصارى تعظّم قبره وتستشفي به لاعتقاد اليونان فيه، فعلّقوه توسّلا إلى الله به، قال: وقد رأيت خشبة في هذا الهيكل معلّقة يوشك أن يكون فيها، قال: وفي بلرم والخالصة والحارات المحيطة بها ومن وراء سورها من المساجد نيف وثلاثمائة مسجد، وفي محالّ كانت تلاصقها وتتصل بها وبوادي عباس مجاورة المكان المعروف بالمعسكر، وهو في ضمن البلد إلى المنزل المعروف بالبيضاء قرية تشرف على المدينة من نحو فرسخ مائتا مسجد، قال وقد رأيت في بعض الشوارع من بلرم على مقدار رمية سهم عشرة مساجد بعضها تجاه بعض وبينها عرض الطريق فقط، فسألت عن ذلك فقيل لي: إنّ القوم لشدة انتفاخ رؤوسهم وقلّة عقولهم يحبّ كلّ واحد منهم أن يكون له مسجد على حدة لا يصلّي فيه غيره ومن يختصّ به، وربما كان أخوان وداراهما متلاصقتان وقد عمل كلّ واحد منهما مسجدا لنفسه خاصّا به يتفرّد به عن أخيه والأب عن ابنه، قال: ومدينة بلرم مستطيلة وسوقها قد أخذ من شرقها إلى غربها، وهو سوق يعرف بالسماط مفروش بالحجارة، وتطيف بالمدينة عيون من شرقها إلى غربها، وماؤها يدير رحى، وشرب بعض أهلها من آبار عذبة وملحة على كثرة المياه العذبة الجارية عندهم والعيون، والذي يحملهم على ذلك قلّة مروءتهم وعدم فطنتهم وكثرة أكلهم البصل، فذاك الذي أفسد أدمغتهم وقلّل حسّهم، وذكر يوسف بن إبراهيم في كتاب أخبار الأطبّاء: قال بعض الأطبّاء وقد قال له رجل إني إذا أكلت البصل لا أحسّ بملوحة الماء، فقال: إنّ خاصيّة البصل إفساد الدماغ فإذا فسد الدماغ فسدت الحواسّ، فالبصل إنما يقلّل حسّك لملوحة الماء لما أفسد من الدماغ، قال:

    ولهذا لا ترى في صقلية عالما ولا عاقلا بالحقيقة بفنّ من العلوم ولا ذا مروءة ودين بل الغالب عليهم الرّقاعة والضّعة وقلة العقل والدين، وقال أبو الفتح نصر الله بن عبد الله بن قلاقس الإسكندري:

    ج ١ ص ٤٨٤وركب، كأطراف الأسنّة، عرّسوا ... على مثل أطراف السيوف الصّوارم

    لأمر على الإسلام فيه تحيّف، ... يخيف عليه أنه غير سالم

    وقالوا: بلرم عند إبرام أمرهم، ... فنجّمت أن قد صادفوا جود حاتم

    وقال:

    قد سعى بي الوشاة نحو علاه، ... فسعوا لي، فلا عدمت الوشاتا

    حرّكوا لي الشّباة منهم، وظنّوا ... أنهم حرّكوا عليّ الشباتا

    فدعا من بلرم حجّي فلبّي ... ت، وكانت سرقوسة الميقاتا

  11. بُلُسْتُ:
  12. بضمتين، وسكون السين المهملة، والتاء فوقها نقطتان: من قرى الإسكندرية، منها حسان ابن علوان البلستي، روى عنه فارس بن عبد العزيز ابن أحمد البلستي حكاية رواها عنه السّلفيّ.

  13. بَلَسُ:
  14. بالتحريك: جبل أحمر في بلاد محارب بن خصفة.

  15. بَلَّشُ:
  16. بالفتح، وتشديد اللام، والشين معجمة: بلد بالأندلس، ينسب إليه يوسف بن جبارة البلّشي رجل من أهل الصلاح والعلم، ذكره ابن الفرضي.

  17. بَلَشْكَرُ:
  18. من قرى بغداد ثم من ناحية الدّجيل قرب البردان، قال إبراهيم بن المدبّر:

    طربت إلى قطربّل وبلشكر، ... وراجعت غيّا لست عنه بمقصر

    وقال البحتري يمدح ابن المدبّر:

    وقد ساءني أن لم يهج من صبابتي ... سنا البرق في جنح من الليل أخضر

    وأني بهجر للمرام، وقد بدا ... لي الصّبح من قطربّل وبلشكر

  19. بَلْشَنْدُ:
  20. بسكون اللام، وفتح الشين، وسكون النون: من نواحي سرقسطة بالأندلس، وفيها حصن يعرف ببني خطّاب.

  21. بَلْشِيج:
  22. بكسر الشين، وياء ساكنة، وجيم: من حصون لاردة بالأندلس.

  23. بَلْطَشُ:
  24. بفتح الطاء، والشين معجمة: بلد بالأندلس من نواحي سرقسطة له نهر يسقي عشرين ميلا.

  25. بَلَطُ:
  26. بالتحريك: اسم لمدينة بلد المذكورة آنفا فوق الموصل، وإليها ينسب عثمان بن عيسى البلطي النحوي، كان بمصر له تصانيف في الأدب، ومات بمصر في صفر سنة ٥٩٩، وهو مذكور في أخبار النحويين من جمعنا، ذكر هشام عن أبيه قال: التقم الحوت يونس بن متّى، عليه السلام، في بحر الشام ثم أخرجه في بحر مصر ثم إلى بحر إفريقية ثم أدخله في بحر المجاز عند طنجة حتى سلك به في بحر الأصمّ ثم أخذ به مجرى الدّبور حتى سلك به في البحر الذي يسقي البحار التي بالمشرق ثم خرج به في بحر البصرة حتى أدخله دجلة ثم لفظه بمكان من الحصنين على سبعة فراسخ، فأبصره سريانيّ فقال: افلط أي اخرج من بطن الحوت، يقول: أفلت فسمّي ذلك الموضع فلط ثم بلط ثم بلد، قلت: وهذا خبر عجاب بعيد من الصحّة في العقل، والله أعلم، وقال: أبو العباس أحمد بن عيسى التّموزي وكان قد تزوّج امرأة من أهل بلط:

    عجبت من زلّتي ومن غلطي، ... لما رأيت الزواج في بلط

    ج ١ ص ٤٨٥ومن حماة تزيد شرّتها ... على كريم حلف الكرام، وطي

    سمّيت زهراء يا ظلام، ويا ... تاركة الجار غير مغتبط

    في وجهها ألف عقدة غضبا ... عليّ، حتى كأنني نبطي

  27. بُلْطَةُ:
  28. بالضم ثم السكون: قيل هو موضع معروف بجبلي طيء، وهو كان منزل عمرو بن درماء الذي نزل به امرؤ القيس بن حجر الكندي مستذمّا، وقال:

    نزلت على عمرو بن درماء بلطة، ... فيا حسن ما جار ويا كرم ما محلّ

    وقال امرؤ القيس أيضا:

    وكنت إذا ما خفت يوما ظلامة، ... فإنّ لها شعبا ببلطة زيمرا

  29. فعلى هذا نرى أن بلطة موضع يضاف إلى موضع آخر يقال له زيمر، وقال الأصمعي في تفسيره:

    بلطة هضبة بعينها، وقال أبو عمرو: بلطة أي فجأة، قال أبو عبيد السكوني: بلطة عين ونخل وواد من طلح لبني درماء في أجإ، وقد ذكرها امرؤ القيس لما نزل بها على عمرو بن درماء فقال:

    ألا إنّ في الشّعبين شعب بمسطح، ... وشعب لنا في بطن بلطة زيمرا

    وقال سلام بن عمرو بن درماء الطائي:

    إذا ما غضبت أو تقلّدت منصلي، ... فلأيا لكم في بطن بلطة مشرب

    فإنكم والحقّ لو تدّعونه، ... كما انتحلت عرض السماوة أهيب

    كسنبسنا المدلين في جوّ بلطة، ... ألا بئس ما أدلوا به وتقرّبوا!

  30. وحدث أبو عبد الله نفطويه قال: قدمت امرأة من الأعراب إلى مصر فمرضت فأتاها النساء يعلّلنها بالكعك والرمّان وأنواع العلاجات، فأنشأت تقول:

    لأهل بلطة، إذ حلّوا أجارعها، ... أشهى لعينيّ من أبواب سودان

    جاءوا بكعك ورمّان ليشفيني، ... يا ويح نفسي من كعك ورمّان!

  31. بَلْعَاسُ:

    كورة من كور حمص.

  32. بُلَعُ:

  33. بوزن زفر: موضع في قول الراعي:
  34. ماذا تذكّر من هند، إذا احتجبت ... بابني عوار، وأدنى دارها بلع

  35. بَلْعَمُ:

  36. بالفتح ثم السكون، وفتح العين المهملة، وميم:
  37. بلد في نواحي الروم، كذا ذكروا في نسب أبي الفضل محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عيسى التميمي البلعمي وزير آل سامان بما وراء النهر وخراسان، وكان من الأدباء البلغاء، ذكرته في أخبار الوزراء.

  38. بُلْغَارُ:
  39. بالضم، والغين معجمة: مدينة الصقالبة ضاربة في الشمال، شديدة البرد لا يكاد الثلج يقلع عن أرضها صيفا ولا شتاء وقلّ ما يرى أهلها أرضا ناشفة، وبناؤهم بالخشب وحده، وهو أن يركبوا عودا فوق عود ويسمّروها بأوتاد من خشب أيضا محكمة، والفواكه والخيرات بأرضهم لا تنجب، وبين إتل مدينة الخزر وبلغار على طريق المفاوز نحو شهر، ويصعد إليها في نهر إتل نحو شهرين وفي الحدور نحو عشرين يوما، ومن بلغار إلى أول حدّ الروم نحو عشر مراحل، ومنها إلى كويابة مدينة الروس عشرون يوما، ومن بلغار

    ج ١ ص ٤٨٦إلى بشجرد خمس وعشرون مرحلة، وكان ملك بلغار وأهلها قد أسلموا في أيام المقتدر بالله وأرسلوا إلى بغداد رسولا يعرّفون المقتدر ذلك ويسألونه إنفاذ من يعلّمهم الصلوات والشرائع، لكن لم أقف على السبب في إسلامهم. وقرأت رسالة عملها أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمّاد مولى محمد بن سليمان رسول المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة ذكر فيها ما شاهده منذ انفصل من بغداد إلى أن عاد إليها، قال فيها: لما وصل كتاب ألمس بن شلكى بلطوار ملك الصقالبة إلى أمير المؤمنين المقتدر بالله يسأله فيه أن يبعث إليه من يفقّهه في الدين ويعرّفه شرائع الإسلام ويبني له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة في جميع بلده وأقطار مملكته ويسأله بناء حصن يتحصّن فيه من الملوك المخالفين له، فأجيب إلى ذلك، وكان السفير له نذير الحزمي، فبدأت أنا بقراءة الكتاب عليه وتسليم ما أهدي إليه والأشراف من الفقهاء والمعلّمين، وكان الرسول من جهة السلطان سوسن الرّسّي مولى نذير الحزمي، قال:

    فرحلنا من مدينة السلام لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة ٣٠٩، ثم ذكر ما مرّ له في الطريق إلى خوارزم ثم منها إلى بلاد الصقالبة ما يطول شرحه، ثم قال:

    فلما كنّا من ملك الصقالبة وهو الذي قصدنا له على مسيرة يوم وليلة وجّه لاستقبالنا الملوك الأربعة الذين تحت يديه وإخوته وأولاده، فاستقبلونا ومعهم الخبز واللحم والجاورس، وساروا معنا، فلما صرنا منه على فرسخين تلقّانا هو بنفسه فلما رآنا نزل فخرّ ساجدا شكرا لله، وكان في كمّه دراهم فنثرها علينا ونصب لنا قبابا فنزلناها، وكان وصولنا إليه يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ٣١٠، وكانت المسافة من الجرجانية، وهي مدينة خوارزم، سبعين يوما، فأقمنا إلى يوم الأربعاء في القباب التي ضربت لنا حتى اجتمع ملوك أرضه وخواصه ليسمعوا قراءة الكتاب، فلما كان يوم الخميس نشرنا المطرّدين الذين كانوا معنا وأسرجنا الدّابّة بالسرج الموجّه إليه وألبسناه السواد وعممناه وأخرجت كتاب الخليفة فقرأته وهو قائم على قدميه ثم قرأت كتاب الوزير حامد بن العباس وهو قائم أيضا، وكان بدينا، فنثر أصحابه علينا الدّراهم، وأخرجنا الهدايا وعرضناها عليه ثم خلعنا على امرأته وكانت جالسة إلى جانبه، وهذه سنتهم ودأبهم، ثم وجّه إلينا فحضرنا قبته وعنده الملوك عن يمينه وأمرنا أن نجلس عن يساره وأولاده جلوس بين يديه وهو وحده على سرير مغشّى بالديباج الرومي، فدعا بالمائدة فقدّمت إليه وعليها لحم مشوي، فابتدأ الملك وأخذ سكينا وقطع لقمة فأكلها وثانية وثالثة ثم قطع قطعة فدفعها إلى سوسن الرسول فلما تناولها جاءته مائدة صغيرة فجعلت بين يديه، وكذلك رسمهم لا يمدّ أحد يده إلى أكل حتى يناوله الملك فإذا تناولها جاءته مائدة ثم قطع قطعة وناولها الملك الذي عن يمينه فجاءته مائدة، ثم ناول الملك الثاني فجاءته مائدة وكذلك حتى قدّم إلى كل واحد من الذين بين يديه مائدة، وأكل كل واحد منا من مائدة لا يشاركه فيها أحد ولا يتناول من مائدة غيره شيئا، فإذا فرغ من الأكل حمل كلّ واحد منا ما بقي على مائدته إلى منزله، فلما فرغنا دعا بشراب العسل وهم يسمونه السجو فشرب وشربنا. وقد كان يخطب له قبل قدومنا: اللهم أصلح الملك بلطوار ملك بلغار، فقلت له: إن الله هو الملك ولا يجوز أن يخطب بهذا لأحد سيما على المنابر، وهذا مولاك أمير المؤمنين قد وصى لنفسه أن يقال على منابره في الشرق والغرب: اللهم أصلح عبدك وخليفتك جعفرا الإمام

    ج ١ ص ٤٨٧المقتدر بالله أمير المؤمنين، فقال: كيف يجوز أن يقال؟ فقلت: يذكر اسمك واسم أبيك، فقال: إنّ أبي كان كافرا وأنا أيضا ما أحبّ أن يذكر اسمي إذ كان الذي سمّاني به كافرا، ولكن ما اسم مولاي أمير المؤمنين؟ فقلت: جعفر، قال: فيجوز أن أتسمّى باسمه؟ قلت: نعم، فقال: قد جعلت اسمي جعفرا واسم أبي عبد الله، وتقدم إلى الخطيب بذلك، فكان يخطب: اللهم أصلح عبدك جعفر بن عبد الله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين، قال: ورأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها كثرة، من ذلك أن أول ليلة بتناها في بلده رأيت قبل مغيب الشمس بساعة أفق السماء وقد احمرّ احمرارا شديدا وسمعت في الجوّ أصواتا عالية وهمهمة، فرفعت رأسي فإذا غيم أحمر مثل النار قريب منّي، فإذا تلك الهمهمة والأصوات منه وإذا فيه أمثال الناس والدوابّ وإذا في أيدي الأشباح التي فيه قسيّ ورماح وسيوف، وأتبيّنها وأتخيّلها وإذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها رجالا أيضا وسلاحا ودوابّ، فأقبلت هذه القطعة على هذه كما تحمل الكتيبة على الكتيبة، ففزعنا من هذه وأقبلنا على التضرّع والدعاء وأهل البلد يضحكون منا ويتعجبون من فعلنا، قال: وكنا ننظر إلى القطعة تحمل على القطعة فتختلطان جميعا ساعة ثم تفترقان، فما زال الأمر كذلك إلى قطعة من الليل ثم غابتا، فسألنا الملك عن ذلك فزعم أن أجداده كانوا يقولون هؤلاء من مؤمني الجنّ وكفّارهم يقتتلون كل عشية، وأنهم ما عدموا هذا منذ كانوا في كل ليلة. قال: ودخلت أنا وخيّاط كان للملك من أهل بغداد قبّتي لنتحدّث، فتحدّثنا بمقدار ما يقر الإنسان نصف ساعة ونحن ننتظر أذان العشاء، فإذا بالأذان فخرجنا من القبّة وقد طلع الفجر، فقلت للمؤذّن: أي شيء أذّنت؟ قال: الفجر، قلت: فعشاء الأخيرة؟ قال: نصلّيها مع المغرب، قلت: فالليل؟

  40. قال: كما ترى وقد كان أقصر من هذا وقد أخذ الآن في الطول، وذكر أنه منذ شهر ما نام الليل خوفا من أن تفوته صلاة الصبح، وذلك أن الإنسان يجعل القدر على النار وقت المغرب ثم يصلّي الغداة وما آن لها أن تنضج، قال: ورأيت النهار عندهم طويلا جدّا، وإذا أنه يطول عندهم مدّة من السنة ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، فلما كانت الليلة الثانية جلست فلم أر فيها من الكواكب إلّا عددا يسيرا ظننت أنها فوق الخمسة عشر كوكبا متفرّقة، وإذا الشّفق الأحمر الذي قبل المغرب لا يغيب بتّة، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل الرجل فيه من أكثر من غلوة سهم، قال: والقمر إنما يطلع في أرجاء السماء ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب القمر، قال: وحدّثني الملك أن وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوما يقال لهم ويسو، الليل عندهم أقلّ من ساعة، قال: ورأيت البلد عند طلوع الشمس يحمر كلّ شيء فيه من الأرض والجبال، وكل شيء ينظر الإنسان إليه حين تطلع الشمس كأنها غمامة كبرى فلا تزال الحمرة كذلك حتى تتكبّد السماء. وعرّفني أهل البلد أنه إذا كان الشتاء عاد الليل في طول النهار وعاد النهار في قصر الليل، حتى إنّ الرجل منا ليخرج إلى نهر يقال له إتل بيننا وبينه أقل من مسافة فرسخ وقت الفجر فلا يبلغه إلى العتمة إلى وقت طلوع الكواكب كلّها حتى تطبق السماء، ورأيتهم يتبرّكون بعواء الكلب جدّا ويقولون: تأتي عليهم سنة خصب وبركة وسلامة.