ومنه أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به، وهو قليل:

٤٥ فقرة، ج ١ ص ١٨١

الصفحة ١ من ٢

  1. كقوله: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم: ٦١] ، أي آتيا.

    ج ١ ص ١٨١
  2. باب تأويل الحروف التي ادّعى على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم

    من ذلك (الحروف المقطّعة) .

    ج ١ ص ١٨٢
  3. قد اختلف المفسرون في الحروف المقطّعة:

    فكان بعضهم يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها.

  4. وكان بعضهم يجعلها أقساما.

  5. وكان (بعضهم) يجعلها حروفا مأخوذة من صفات الله تعالى، يجتمع بها في المفتتح الواحد صفات كثيرة، كقول ابن عباس: في كهيعص (١) [مريم: ١] : إنّ (الكاف) من كاف، و (الهاء) من هاد، و (الياء) من حكيم، و (العين) من عليم، و (الصاد) من صادق.

    وقال الكلبيّ «١» هو: كتاب كاف، هاد، حكيم، عالم، صادق.

  6. ولكل مذهب من هذه المذاهب وجه حسن، ونرجو ألا يكون ما أريد بالحروف خارجا منها، إن شاء الله.

  7. فإن كانت أسماء للسور، فهي أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان الأشياء وتفرق بينها. فإذا قال القائل: قرأت المص أو قرأت ص أو ن- دلّ بذاك على ما قرأ، كما تقول: لقيت محمدا وكلمت عبد الله، فهي تدل بالاسمين على

    ج ١ ص ١٨٣العينين، وإن كان قد يقع بعضها مثل «حم» و «الم» لعدة سور- فإنّ الفصل قد يقع بأن تقول: حم السّجدة، والم البقرة، كما يقع الوفاق في الأسماء، فتدل بالإضافات وأسماء الآباء والكنى.

  8. وإن كانت أقساما، فيجوز أن يكون الله، عز وجل، أقسم بالحروف المقطّعة كلّها، واقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها، فقال: «الم» وهو يريد جميع الحروف المقطعة، كما يقول القائل: تعلمت «اب ت ث» وهو لا يريد تعلم هذه الأربعة الأحرف دون غيرها من الثمانية والعشرين، ولكنّه لما طال أن يذكرها كلّها، اجتزأ بذكر بعضها. ولو قال: تعلمت «حاء طاء صاد» لدلّ أيضا على حروف المعجم، كما دلّ بالقول الأول، إلا أن الناس يدلون بأوائل الأشياء عليها فيقولون: قرأت «الحمد لله» يريدون فاتحة الكتاب فيسمونها بأول حرف منها. هذا الأكثر، وربما دلّو بغير الأول أيضا، أنشدّ الفرّاء «١» :

    لما رأيت أنّها في حطّي ... أخذت منها بقرون شمط

    يريد (في أبي جاد) فدلّ بحطّي كما دلّ غيره بأبي جاد.

  9. وإنما أقسم الله بحروف المعجم، لشرفها وفضلها، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون، ويذكرون الله ويوحّدون.

  10. وقد أقسم الله في كتابه بالفجر، والطّور، وبالعصر، وبالتّين، والزّيتون- وهما جبلان ينبتان التين والزيتون، يقال لأحدهما: طور زيتا وللآخر: طور تينا، بالسّريانية، من الأرض المقدسة، فسماها بما ينبتان- وأقسم بالقلم، إعظاما لما يسطرون.

  11. ووقع القسم بها في أكثر السور على القرآن فقال: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١، ٢] ، كأنه قال: وحروف المعجم، لهو الكتاب لا ريب فيه.

  12. والم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١، ٢] ، أي وحروف المعجم لهو الله لا إله إلا هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [آل عمران: ٢، ٣] .

  13. والمص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: ١، ٢] ، أي وحروف المعجم، لهو

    ج ١ ص ١٨٤كتاب أنزل إليك فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] ، ويس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١، ٢] .

  14. وص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص: ١] ، وق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) [ق: ١] ، كله أقسام.

  15. وإن كان حروفا مأخوذة من صفات الله، فهذا فنّ من اختصار العرب، وقلّما تفعل العرب شيئا في الكلام المتصل الكثير إلا فعلت مثله في الحرف الواحد المنقطع.

  16. فكما يستعيرون الكلمة فيضعونها مكان الكلمة لتقارب ما بينهما، أو لأنّ إحداهما سبب للأخرى، فيقولون للمطر: سماء، لأنه من السماء ينزل ويقولون للنبات: ندى، لأنه بالندى ينبت، ويقولون: ما به طرق، أي ما به قوّة، وأصل الطّرق: الشحم، فيستعيرونه مكان القوّة، لأنّ القوّة تكون عنه.

  17. كذلك يستعيرون الحرف في الكلمة مكان الحرف فيقولون: «مدهته» بمعنى:

    (مدحته) ، لأن (الحاء) و (الهاء) يخرجان جميعا من مخرج واحد.

  18. ويقولون للقبر: جدث وجدف، ويقولون: ثوم وفوم ومغاثير ومغافير لقرب مخرج (الفاء) من (التاء) .

  19. ويقولون: هرقت الماء وأرقته، ولصق ولسق، وسحقت الزعفران وسهكته، وغمار الناس وخمارهم.

  20. في أشباه لهذا كثيرة يبدلون فيها الحرف من الحرف، لتقارب ما بينهما.

  21. وكما يقلبون الكلام ويقدّمون ما سبيله أن يؤخّر، ويؤخرون ما سبيله أن يقدّم، فيقولون»

  22. :
  23. كان الزناء فريضة الرجم أي كان الرجم فريضة الزّنى.

  24. ويقولون «١» :
  25. كأنّ لون أرضه سماؤه يريدون: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه.

  26. ويقولون: اعرض الناقة على الحوض، يريدون اعرض الحوض على الناقة.

  27. وكذلك يقدمون الحرف في الكلمة وسبيله التأخير، ويؤخرون الحرف وسبيله التقديم، فيقولون: جذب وجبذ، وبئر عميقة ومعيقة، وأحجمت عن الأمر وأجحمت، وبتلت الشيء، أي قطعته وبلّته، وما أطيبه وما أيطبه. ورجل أغرل وأرغل، وأعتقاه الأمر واعتقاء، واعتام واعتمى، في أشباه لهذا كثيرة.

  28. وكما يزيدون في الكلام الكلمة والمعنى طرحها، كقول الشاعر «٢» :

    فما ألوم البيض ألا تسخرا يريد: أن تسخر.

  29. ويزيدون إذ، واللام، والكاف، والباء، وأشباه لهذا مما ذكرناه في باب المجاز- كذلك يزيدون في الكلمة الحرف، كما قال المفضّل العبدي «٣» :

    وبعضهم على بعض حنيق أي حنق.

    ج ١ ص ١٨٦وقال الآخر «١» :

    أقول إذ خرّت على الكلكل أراد: الكلكل.

  30. وأنشد الفرّاء «٢» :
  31. إنّ شكلي وإنّ شكلك شتّى ... فالزمي الخصّ واخفضي تبيضضّى

    فزاد ضادا، في أشباه لهذا كثيرة.

  32. وكما يحذفون من الكلام البعض إذا كان فيما أبقوا دليل على ما ألقوا فيقولون:

    والله أفعل ذاك، يريدون: لا أفعل. ويقولون: أتانا فلان عند مغيب الشمس، أو حين.

  33. أي حين كادت تغيب.

    وقال ذو الرّمة يذكر حميرا «٣» :

    فلمّا لبسن الليل أو حين نصّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح

    أراد: وحين أقبل الليل.

    وقال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرعد: ٣١] ، أراد لكان هذا القرآن، فحذف.

  34. وكذلك يحذفون من الكلمة الحرف والشّطر والأكثر، ويبقون البعض والشطر والحرف، يوحون به ويومئون. يقولون: «لم يك» ، فيحذفون النون مع حذفهم الواو لاجتماع الساكنين. ويقولون: «لم أبل» يريدون: لم أبال. ويقولون: ولاك افعل كذا، يريدون: ولكن، قال الشاعر «٤» :

    ج ١ ص ١٨٧ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل ويحذفون في الترخيم، فيقولون: يا صاح، يريدون: يا صاحب، ويا حار، يريدون: يا حارث.

  35. وقرأ بعض المتقدمين: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧] ، أي يا مالك.

    وقال الله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ [النمل: ٢٥] ، أي ألا يا هؤلاء اسجدوا لله.

  36. ويقولون: عم صباحا، أي أنعم.

    وقال الفرّاء في قولهم: سترى: إنما أرادوا: سوف ترى، فحذفوا الواو والفاء.

  37. وكذلك أمثالها.

  38. كقولك: سيكون كذا، وسيفعل كذا، تأويلها عنده: سوف يكون، وسوف يفعل.

  39. وفي قوله: بينا، إنما هو بينما.

    وقال في الآن: إنما هو أصله الأوان، كما قالوا: الراح والرّياح للخمر، قال لبيد «١» :

    درس المنا بمتالع فأبان أراد: المنازل، فقطع.

    ج ١ ص ١٨٨وقال الطّرمّاح يذكر بقرا «١» :

    تتّقي الشّمس بمدريّة ... كالحماليج بأيدي التّلام

    المدريّة: القرون هاهنا.

  40. والحماليج: منافيخ الصّاغة شبّه قرونها بها إذا نفخ فيها.