باب ما ادعي على القرآن من اللحن
٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦
الصفحة ١٣ من ١٧
- ج ١ ص ١٢٦
وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عزّ وجلّ لو لم يجد له مذهبا، لأنّ الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت.
- ج ١ ص ١٢٧
فمن ذلك قول لبيد «١» :
نحن بنو أمّ البنين الأربعة قال ابن الكلبي: هم خمسة، فجعلهم للقافية أربعة.
وقال آخر يصف إبلا «٢» :
صبّحن من كاظمة الخصّ الخرب ... يحملن عبّاس بن عبد المطّلب
أراد: (عبد الله بن عباس) فذكر أباه مكانه.
وقال الصّلتان «٣» :
أرى الخطفي بذّ الفرزدق شعره ... ولكنّ خيرا من كليب مجاشع
أراد: «أرى جريرا بذ الفرزدق شعره» فلم يمكنه فذكر جدّه.
وقال ذو الرّمة «٤» :
عشيّة فرّ الحارثيّون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر
قال ابن الكلبي: هو (يزيد بن هوبر) فاضطرّ.
وقال (أوس) «٥» :
ج ١ ص ١٢٨فهل لكم فيها إليّ فإنّني ... طبيب بما أعيا النّطاسيّ حذيما
أراد: (ابن حذيم) وهو طبيب كان في الجاهلية:
وقال ابن ميّادة وذكر بعيرا «١» :
كأنّ حيث تلتقي منه المحل ... من جانبيه وعلين ووعل
أراد: وعلين من كل جانب، فلم يمكنه فقال: ووعل.
وقال أبو النجم «٢» :
ظلّت وورد صادق من بالها ... وظلّ يوفي الأكم ابن خالها
أراد: فحلها: فجعله ابن خالها.
وقال آخر «٣» :
مثل النصارى قتلوا المسيح أراد: اليهود:
وقال آخر «٤» :
ومحور أخلص من ماء اليلب واليلب: سيور تجعل تحت البيض، فتوهّمه حديدا.
ج ١ ص ١٢٩وقال رؤبة «١» :
أو فضّة أو ذهب كبريت وقال أبو النجم «٢» :
كلمعة البرق ببرق خلّبه أراد: بخلّب برقه، فقلب.
وقال آخر «٣» :
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتّكل
أراد: إن لم يجد يوما من يتكل عليه.
-
في أشباه لهذا كثيرة يطول باستقصائها الكتاب.
-
والله تعالى لا يغلط ولا يضطرّ، وإنما أراد: ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: ١٧١] ، وحذف ومثلنا، لأنّ الكلام يدل عليه. ومثل هذا كثير في الاختصار.
وقال الفراء «٤» :
أراد: ومثل واعظ الذين كفروا، فحذف، كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] ، أي: أهلها.
- ج ١ ص ١٣٠
وأراد بقوله: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦] ، أي: تميلها من ثقلها.
قال الفراء أنشدني بعض العرب «١» :
حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شقّ الشّمال كاهله
يريد: أنه لما أخذ القوس ونزع، مال عليها.
قال: ونرى قولهم: (ما ساءك وناءك) ، من هذا. وكان الأصل (أناءك) فألقي الألف لما اتبعه (ساءك) كما قالوا: (هنأني ومرأني) ، فاتبع مرأني هنأني. ولو أفرد لقال: أمرأني.
-
وأراد بقوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٨] ، أي: وإنه لحبّ المال لبخيل، والشدة: البخل هاهنا، يقال: رجل شديد ومتشدّد.
-
وقوله سبحانه: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] ، يريد: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤] ، أي: قادة، كذلك قال المفسّرون.
-
وروي عن بعض خيار السلف: أنه كان يدعو الله أن يحتمل عنه الحديث، فحمل عنه.
وقال بعض المفسرين في قوله: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] ، أي:
اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يقتدي بنا من بعدنا. فهم على هذا التأويل متّبعون ومتّبعون.
-
ومن المقدّم والمؤخّر قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً [الكهف: ١، ٢] أراد: أنزل الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا.
-
وقوله: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١] ، أي: بشرناها بإسحاق فضحكت.
-
وقوله: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها [الشمس: ١٤] ، أي: فعقروها فكذّبوه بالعقر.
- ج ١ ص ١٣١
وقد يجوز أن يكون أراد: فكذّبوا قوله: إنها ناقة الله، فعقروها.
قال الأعشى «١» :
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضّي لبانات ويسأم سائم
أراد: لقد كان في ثواء حول ثويته.
وقال ذو الرّمّة يصف الدّار «٢» :
فأضحت مباديها قفارا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش توهل
أراد: كأن توهل سوى أهل من الوحش.
-
وقد كان بعض القراءة يقرأ: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧] ، أي: قتل شركائهم أولادهم.
-
ومن المقدّم والمؤخّر قوله سبحانه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة: ٥٥] .
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: أراد: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، إنما يريد الله أن يعذّبهم في الآخرة.
-
ومنه قوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) [طه:
١٢٩] ، أي: ولولا كلمة سبقت وأجل مسمّى، لكان العذاب لزاما.
-
ومنه قوله سبحانه: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:
٨٣] ، أراد: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، ولولا فضل الله عليكم ورحمته،
ج ١ ص ١٣٢لاتبعتم الشيطان.
قال الشاعر «١» :
فاوردتها ماء كأنّ جمامه ... من الأجنّ حناء معا وصبيب
أي: فأوردتها ماء كأنّ جمامه حنّاء وصبيب معا.
- ج ١ ص ١٣٣
باب الحذف والاختصار
من ذلك: أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له.
-
كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] أي سل أهلها.
-
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] أي حبّه.
-
والْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة: ١٩٧] أي وقت الحج.
-
وكقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ- [الإسراء: ٧٥] أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات.
-
وقوله سبحانه: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: ٤٠] فالصلوات لا تهدّم، وإنما أراد بيوت الصلوات.
قال المفسرون: الصوامع للصّابئين، والبيع للنّصارى، والصلوات: كنائس اليهود، والمساجد للمسلمين.
-
وقوله: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣] أي أخرجك أهلها.
-
وقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣] أي مكركم في الليل والنهار.
-
وقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [التوبة: ١٩] ؟ أي:
أجعلتم صاحب سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن؟ ! ويكون يريد:
أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله وجهاده؟ كما قال: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: ١٧٧] .
قال الهذلي «١» :
ج ١ ص ١٣٤يمشّي بيننا حانوت خمر ... من الخرس الصّراصرة القطاط
أراد صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه.
-
وكذلك قول أبي ذؤيب في صفة الخمر»
- :
-
توصّل بالرّكبان حينا وتولف ال ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
اللفظ للخمر والمعنى للخمّار، أي يتوصّل الخمار بالركب ليسير معهم ويأمن بهم. وكذلك قوله «٢» :
أتوها بربح حاولته فأصبحت ... تكفّت قد حلّت وساغ شرابها
يريد: أتوا صاحبها بربح، فأقامها مقامه.
وقال كثير يذكر الأظعان «٣» :
حزيت لي بحزم فيدة تحدى ... كاليهوديّ من نطاة الرّقال
أراد كنخل اليهوديّ من خيبر، فأقامه مقامها.
-
ومثله قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) [العلق: ١٧] أي: أهله.
وقال الشاعر «٤» :
لهم مجلس صهب السبال أذلّة ... سواسية أحرارها وعبيدها
ومن ذلك أن توقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، وتضمر للآخر فعله.
-
كقوله سبحانه: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) [الواقعة: ١٨] .
ج ١ ص ١٣٥ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) [الواقعة:
٢٠، ٢١] والفاكهة واللحم والحور العين لا يطاف بها، وإنما أراد: ويؤتون بلحم طير.
-
ومثله قوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [يونس: ٧١] أي: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو في مصحف عبد الله.
قال الشاعر «١» :
تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
أي يجدع أنفه، ويفقأ عينيه.
- وأنشد الفراء «٢» :
-
علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همّالة عيناها
أي علفتها تبنا، وسقيتها ماء باردا.
وقال آخر «٣» :
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا
ج ١ ص ١٣٦والعيون لا تزجّج، وإنما أراد: وزجّجن الحواجب، وكحّلن العيون. وقال الآخر «١» :
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلّدا سيفا ورمحا
أي متقلدا سيفا، وحاملا رمحا.
-
ومن ذلك: أن يأتي بالكلام مبنيّا على أنّ له جوابا، فيحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب به.
-
كقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١] أراد: لكان هذا القرآن، فحذف.
-
وكذلك قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) [النور:
٢٠] أراد: لعذّبكم فحذف.
قال الشاعر «٢» :
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
أي لرددناه.
وقال الله عز وجلّ: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) [آل عمران: ١١٣] . فذكر أمّة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى.
-
وسواء تأتي للمعادلة بين اثنين فما زاد.
وقال: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: ٩] ولم يذكر ضدّ هذا، لأن
ج ١ ص ١٣٧في قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] دليلا على ما أراد.
وقال الشاعر «١» :
أراك فما أدري أهمّ هممته ... وذو الهمّ قدما خاشع متضائل
ولم يأت بالأمر الآخر.
وقال أبو ذؤيب «٢» :
عصيت إليها القلب إنّي لأمره ... سميع، فما أدري أرشد طلابها؟
-
أراد: أرشد هو أم غيّ؟ فحذف.
-
ومن ذلك: حذف الكلمة والكلمتين.
-
كقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ. [آل عمران: ١٠٦] والمعنى فيقال لهم:
أكفرتم؟ وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [السجدة: ١٢] والمعنى يقولون: ربنا أبصرنا.