الحالة السياسية
١٦ فقرة، ج ١ ص ١٥
- : ١ - خراسان:
-
كانت خراسان موطنا للثورات والفتن طيلة عهد خلفاء بني العباس. فعلى سبيل المثال في سنة إحدى وستين ومائة خرج رجل يقال له المقنع في قرية من قرى مرو فجهز إليه المهدي عدة من أمرائه وأنفذ إليه جيوشا كثيرة (٤) .
- ج ١ ص ١٦
وفي سنة اثنتين وستين ومائة خرجت طائفة بجرجان (١) فلبسوا الحمرة شعارا لهم فغزاهم عمرو بن العلاء من طبرستان وقهرهم فأبادهم جميعا (٢) . وفي سنة تسع ومائتين جرت حروب مع بابك الخرّمي فأسر بعض أمراء الإسلام وأحد مقدّمي العساكر فاشتد ذلك على المسلمين (٣) . وفي سنة تسع عشرة ومائتين ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضى من آل محمد واجتمع عليه خلق كثير، وقاتله قواد عبد الله بن طاهر (٤) مرات متعددة ثم ظهروا عليه وهرب (٥) . وهكذا تبين من خلال هذا العرض التاريخى لمسرح الأحداث في خراسان في فترات من الزمن الذي عاصره أبو عبيد مدى ضراوة الوضع السياسي والأمني لتلك البلاد ولم يكن القاسم بن سلّام أيام إقامته بخراسان بمعزل عن الأحداث بل كان قريبا من وهجها فلقد كان مؤدبا لآل هرثمة (٦) ، وهرثمة هذا هو ابن أعين (٧) الذي دخل خراسان نائبا عليها
ج ١ ص ١٧سنة اثنتين وتسعين ومائة من قبل المأمون (١) . وكان طاهر بن الحسين (٢) لما نزل مرو من خراسان طلب رجلا يحدثه ليلة فقيل ما هاهنا إلا رجل مؤدب فأدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلّام فوجده أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه فقال له: من المظالم تركك أنت بهذا البلد فدفع إليه ألف دينار وقال له أنا متوجه إلى خراسان إلى حرب وليس أحب استصحابك شفقا عليك فأنفق هذا إلى أن أعود إليك فألف أبو عبيد غريب المصنف إلى أن عاد طاهر من خراسان، فحمله معه إلى سر من رأى (٣) وطاهر هذا هو قائد من كبار قواد المأمون قد ولاه خراسان سنة خمس ومائتين (٤) أضف إلى ذلك أن أبا عبيد قد لازم عبد الله بن طاهر أيام مقامه واليا على خراسان من قبل المأمون إذ تولى عليها بعد وفاة والده سنة ست ومائتين (٥) . قال ابن خلكان: وانقطع أبو عبيد إلى عبد الله بن طاهر مدة ولما وضع كتابه الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه وقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في كل شهر (٦) وهكذا يظهر بجلاء ووضوح مدى ما كان يتمتع به أبو عبيد من مكانة عالية لدى ولاة خراسان وأهلها.
-
[٢ - بغداد]
-
: لقد عاش أبو عبيد في بغداد دار السلام عاصمة الخلافة مدة من الزمن.
قال الخطيب في تاريخه: كان قد أقام ببغداد مدة ثم ولي القضاء بطرسوس وخرج
ج ١ ص ١٨بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها (١) وقال أبو يعلى في طبقات الحنابلة:
قد أقام ببغداد ثم ولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة وخرج بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها (٢) .
-
وقد كان أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني قد أنهى بناء بغداد وسكنها سنة ست وأربعين ومائة (٣) فظلت مركزا للخلافة في عهد المهدي والهادي والرشيد والأمين فغدا أمرا بدهيا أن تظل في حكمهم موطدة الأركان مزدهرة العمران، عزيزة السلطان يكدر صفوها تلك الثورات والهجمات المتوالية بين الحين والآخر.
-
وكمثال على ذلك نكبة هارون الرشيد سنة سبع وثمانين ومائة للبرامكة ومحوه آثارهم من مدينة دار السلام، وفي ذلك يقول ابن كثير: قتل جعفر بن يحيى البرمكي، ودمر ديارهم، واندرست آثارهم، وذهب صغارهم وكبارهم اه (٤) . وهو حدث كبير الخطورة إذ كان للبرامكة من العزة والسلطان عند الرشيد وعامة الناس القدر الذي يضاهي منزلة الخليفة ويكاد يعلو عليه.
-
على أن أعظم رزية حلت ببغداد محاصرة طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين للخليفة الأمين بدار السلام بأمر من المأمون، وذلك بعد أن نشب النزاع بين الأخوين على إثر نزع الأمين ولاية العهد من أخيه المأمون وجعلها في ابنه موسى.
-
ولقد أسفر هذا الحصار عن قتل الأمين بعد أن عم الخراب بغداد وأصابها الذعر والجوع، قال ابن كثير يصف تلك الحالة: واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدّعار والشطار أهل الصلاح، وخربت الديار وصارت الفتنة بين الناس حتى قاتل الأخ أخاه للأهواء المختلفة، والابن أباه، وجرت شرور عظيمة واختلفت الأهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد (٥) .
- ج ١ ص ١٩
وفي سنة اثنتين ومائتين بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة في بغداد وخلع خلافة المأمون ولقب بالمبارك فأرسل له المأمون جيشا ألحق به أبلغ الهزيمة فاختفى بعد سنة من ظهوره (١) وفي تلك السنة شخص المأمون من مرو إلى بغداد فقدمها سنة أربع ومائتين وانقطعت مادة الفتن بمقدمه (٢) .
-
هذه بعض نماذج من وقائع جرت في مدينة السلام كان لها دون أدنى شك أبلغ الأثر في عرقلة التقدم العلمي والرقي العمراني.
- ٣ - طرسوس (٣) :
-
كانت ثغرا من ثغور المسلمين في مواجهة الروم وكانت حياة الثغور يعوزها الاستقرار إذ تتسم بالمرابطة والترقب الدائم تحسبا لأي غارة قد يشنها أعداء الأمة المسلمة من أمم الكفر المجاورة وقد كانت هذه المدينة- مثلها مثل غيرها من الثغور المتاخمة للأعداء- يؤمها الصالحون والأخيار (٤) رجاء الحصول على الأجر والفوز من الله جل ثناؤه، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» رواه البخاري (٥) .
-
أقام أبو عبيد في طرسوس ثماني عشرة سنة تولى خلالها منصب القضاء لواليها ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي وقد كان من قبل ذلك مؤدبا لأولاده (٦) .
- ج ١ ص ٢٠
وبعد طرسوس نزل أبو عبيد مصر بصحبة يحيى بن معين سنة ثلاث عشرة ومائتين وكتب وصنف بها (١) .
-
وفي سنة تسع عشرة ومائتين وقيل سنة أربع عشرة ومائتين خرج أبو عبيد من العراق إلى مكة للحج (٢) . فلما عزم العودة إلى العراق واستأجر مركبا بعد الفراغ من حجه رأى رؤيا كانت سببا في مجاورته للبلد الأمين حتى مات.
قال أبو عبيد: فرأيت النبي صلّى الله عليه وسلم في النوم وهو جالس على فراشه وقوم يحجبونه والناس يدخلون إليه ويسلمون عليه ويصافحونه. قال: فلما دنوت لأدخل مع الناس منعت فقلت لهم: لم لا تخلّون بينى وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟
فقالوا: إي والله، لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلى العراق فقلت لهم: فإني لا أخرج إذا، فأخذوا عهدي ثم خلوا بيني وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم فدخلت وسلمت وصافحت، فلما أصبح قرر الإقامة في مكة فلم يغادرها حتى مات (٣) .