سورة النور
١٠٩ فقرة، ج ١ ص ١٨٨
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ١٩١
هو بيان لكيفية الاستئذان فقد أخرج أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استأذن على سعد فقال السلام عليكم وأخرج أبو داود عن عبد الله بن بشر قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: "السلام عليكم السلام عليكم" وأخرج أيضاً عن رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أألج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخادمه: "أخرج وعلمه الاستئذان فقل له قل السلام عليكم أأدخل" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أيوب قال قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئناس قال: "يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت" حديث غريب، واستدل بالآية الأكثر على الجمع بين الاستئناس والاستئذان والأقل على تقديم الاستئناس على السلام لتقديمه في الآية وأجاب الأكثر بأن الواو لا يفيد ترتيبا وبأنه قرئ "حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا" كذا هو في مصحف ابن مسعود وقد بينت السنة تقديم السلام واستدل بها أيضا من قال له الزيادة في الاستئذان على ثلاثة حتى يؤذن له أو يصرح بالمنع وفهم من الآية أن الرجل لا يستأذن عند دخول بيته على امرأته.
-
٢٩- قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ}
-
فسرها سعيد بن جبير وابن الحنيفة وآخرون ببيوت التجارة الخانات والأسواق أو منازل الأسفار واختاره ابن جرير لأن جلوسهم فيها للبيع بمثابة الإذن لكل داخل فاستدل الفقهاء بها على جواز الدخول في مثل ذلك بلا إذن وفي بيوت يجلس فيها الحكام والمفتون برسم الفصل بين الخصوم والإفتاء وقد فهم من الآية تحريم النظر كما قال - صلى الله عليه وسلم - "إنما جعل الاستئذان من أجل النظر" ثم صرح به تعالى فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}
-
ففيها تحريم النظر إلى النساء وعورات الرجال وتحريم كشفها أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال كل شيء في القرآن من حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية والتي بعدها فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة.
-
٣١- قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} الآية.
-
فيها أن المرأة يحرم عليها النظر إلى
ج ١ ص ١٩٢الرجل كحرمة نظره إليها وأنه يجب عليها ستر عورتها.
-
قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}
-
فسره ابن عباء بالوده والكفين، أخرجه ابن أبي حاتم، فاستدل به من أباح النظر إلى وجه المرأة وكفيها حيث لا فتنة، ومن قال إن عورتها ما عداهما، وفسره ابن مسعود بالثياب وفسر الزينة بالخاتم والسوار والقرط والقلادة والخلخال، وأخرجه ابن أبي حاتم أيضا فهو دليل لمن لم يجوز النظر إلى شيء من بدنها وجعلها كلها عورة.
-
قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}
-
فيه دليل على وجوب ستر الصدر والنحر والعنق وأن ذلك منها عورة.
-
قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} الآية.
-
فيها إباحة النظر للمحارم واستدل بها بعضهم على أنه لا يباح النظر للعم والخال لعدم ذكرهما في الآية، أخرج ابن المنذر عن الشعبي وعكرمة، قال لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال.
-
قوله تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ}
-
فيه إباحة نظر المرأة إلى المرأة كمحرم، واستدل به على تحريم نظر الذمة إلى المسلمة، أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال نسائهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أين عبيدة، أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فانْهَ مَنْ قِبَلَكَ فإنَّهُ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.
-
قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}
-
قال مجاهد وسعيد بن جبير يعني عبدها أخرجه ابن أبي حاتم، فاستدل به من أباح نظر العبد إلى سيدته، وأخرج عن سعيد ابن المسيب، قال إنما يعني بذلك الإماء، وكذا قال ابن جريح يعني من نساء المشركين يجوز لها أن تظهر لها زينتها وإن كانت مشركة لأنها أمتها وهو المختار تأويلاً وحكماً وعلى الأول، استدل بإضافة اليمين على أنه ليس لعبد الزوج النظر، واستدل من أباحة بقراءة أو ما ملكت أيمانكم.
-
قوله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ}
-
فسره مجاهد وغيره بالأبلة الذي لا إرب له في المساء، وقال ابن عباس هو المغفل الذي لا يشتهي النساء، وقال بشر ابن سعيد هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق النساء، وقال عكرمة هو العنين، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم، وقد استدل بهذا من أباح نظر الخصي.
- ج ١ ص ١٩٣
قوله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ}
-
أي لم يفهموا أحوالهن لصغرهم، فيستدل به على تحريم نظر المراهق الذي فهم ذلك كالبالغ.
-
قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} الآية.
-
فيخ النهي عن تحريك رجلها بالخلخال عمداً ليسمع صوته.
-
٣٢- قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}
-
فيها الأمر بالإنكاح، فاستدل به الشافعي على اعتبار الولي لأن الخطاب له، وعدم استقلال المرأة بالنكاح، واستدل بعموم الآية من أباح نكاح الإماء بلا شرط ونكاح العبد الحرة، واستدل بها من قال بإجبار السيد على إنكاح عبده وأمته.
-
قوله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ} الآية.
-
فيه الحث على النكاح وأنه مجلبة للرزق أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: "التمسوا الغنى في النكاح" يقول الله: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}
-
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى وتلا الآية، قال ابن الفرس: واحتج بعضهم بهذه الآية، على أنه لا يفسخ النكاح بالعجز الظاهر عن النفقة لأنه قال: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ}
-
ولم يفرق بينهم.
-
٣٣- قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ}
-
فيه استحباب الصبر عن النكاح لمن لا يقدر على أهبته والاستعفاف بأن يكسر شهوته بالصوم كما بينه الحديث، واستدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، قال ولا يفهم منه تحريم ملك اليمين لأن من لا يقدر على النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الجارية غالباً ذكره الكيا.
-
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} الآية.
-
فيها مشروعية الكتابة وأنها مستحبة، وقال أهل الظاهر واجبة لظاهر الأمر وأن لندبها أو وجوبها شرطين طلب العبد لها وعلم الخير فيه، وفسره مجاهد وغيره بالمال والحرفة والوفاء والصدق والأمانة.
-
قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ}
-
قال بريدة هو خطاب للناس، حث لهم على إعانتهم وكذا قال ابن عباس، وقال زيد بن أسلم للولاة بأن يعطوهم من الزكاة، وقال علي بن أبي طالب للسيد بأن يضع عنه من ثمنه، أخرج ذلك ابن أبي حاتم، وأخرج مثل قول علي عن ابن عباس أيضاً ومجاهد وآخرين، فاستدل به الشافعي على وجوب أن يحط السيد عنه جزءاً من المال الذي كاتبه عليه، أو يدفعه إليه، وقال غيره، هو أمر ندب، وفي الآية رد على
ج ١ ص ١٩٤من حدد القدر المؤتى.
-
قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ} الآية.
-
فيه النهي عن إكراه الإماء على الزنا وأن المكره غير مكلف ولا آثم وأن الإكراه على الزنا يتصور وأن مهر البغي حراك وفيه رد على أوجب الحد على المكره.
-
٣٦- قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ} الآية.
-
فيه الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهما عن اللغو والقاذورات، وفيه استحباب ذكر الله والصلاة في المساجد وفي قوله رجال إشارة إلى أن أفضل للنساء الصلاة في بيوتهن كما صرح به الحديث، وقوله: {لَا تُلْهِيهِمْ} الآية.
-
فيه أن التجارة لا تنافي الصلاح، لأن مقصود الآية أنهم يتعاطونها ومع ذلك لا تلهيهم عن الصلاة وحضور الجماعة، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ} الآية.
-
وأخرج عن الضحاك والحسن وسالم ومطرف مثل ذلك.