سورة البقرة
٤٧٨ فقرة، ج ١ ص ٢٧
الصفحة ٥ من ١٢
- ج ١ ص ٣٨
على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن شاء تارع وإن شاء فرق، لأن الله تعالى يقول:
ج ١ ص ٣٩{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .
-
واستدل به على أنه ليس على الفور، خلافاً لدواد على أن من أفطر رمضان كله قضى أياماً بعدده فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص، أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين، قال ابن القصار: ويحتج به لمذهب مالك والشافعي في أن المسافر إذا أقام، أو شفي المريض أثناء النهار، لا يلزمهم الإمساك بقيته لأنه تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر، وهؤلاء قد أفطروا، فحكم الإفطار لهم باقٍ ومن حكمه أن لا يجب عليه أكثر من يوم ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه، ويستدل بالآية على أنه يجزيء صوم يوم قصير مكان يوم طويل ولا أعلم فيه خلافاً وعلى أنه فدية مع القضاء.
-
قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}
-
هذا منسوخ وقيل لا؛ والمراد لمن لا يطيق الصوم لهرم أو لمرض أو نحوه، إما بتقدير لا النافية أو أن يطيقونه بمعنى يتكلفونه كما قرئ يطوقونه، وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس لأنه قرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}
-
قال يكلفونه وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يطعموه كل يوم مسكيناً ولا يقضون وله طرق كثيرة عنه، وأخرج الدارقطني عنه أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام عليك الجزاء وليس عليك القضاء. قال الشافعي: ظاهر الآية أن الذين يطيقون الصوم إذ لم يصوموا أطعموا ونسخ في غيره حق الحامل والمرضع وبقي في حقهما، فالحاصل أنا إن جعلناها منسوخة فهي في الحامل والمرضع محكمة وإن جعلناها محكمة ففيها دليل على إباحة الإفطار لمن لا يطيق لعذر لا يرجى برؤه وأن عليه فدية بدل الصوم وأنها عن كل يوم قدر لطعام مسكين وهو مُدُّ من حبًّ، وأن من زاد على ذلك فهو أفضل وأن مصرفها طائفة المساكين بخلاف غيرهم من أهل الزكاة، وقد يستدل بالآية على أن الصوم لا يقبل النيابة وإلا لذكرها واستدل بها ابن عباس على أن الحامل والمرضع يفديان ولا قضاء عليهما قال أبو عبيد اختلف الناس في الحامل والمرضع فقيل عليهما الفدية دون القضاء وقيل القضاء دون الفدية وقيل الأمران وكل تأول الآية، من قال بالفدية فقط رأى أنهما ممن لا يطيق وليستا من أهل السفر والمرض، وأهل هذا الوصف هم أهل الفدية، ومن رأى القضاء رأى الحمل والرضاع علتين من العلل كالمرض، ومن أوجبهما قال إن الله حكم في تارك الصوم بعذر بحكمين في آية والفدية في أخرى فلما يجد لهما ذكراً في واحد منهما
ج ١ ص ٤٠جمعها عليهما أخذاً بالأحوط، واستدل بالآية على أن المسافر والمريض يفديان ولا يقضيان أخذاً من عموم اللفظ، ورد لأن قوله تعالى أولاً في حقهما: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}
-
يمنع دلالة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} .
-
عليهما لأن ما عطف على الشيء غيره لا محالة، وفي الآية رد على من قال بإسقاط الصوم عن الشيخ ونحوه بلا فدية، وعلى من جوز الفدية فيه بالعتق.
-
قوله تعالى {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}
-
قال ابن الفرس يحتج بها على جواز التطوع بصوم يوم الشك لعموم قوله خيراً قوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم. قال ابن الفرس يحتج بها على أن الصوم لمن أبيح له الفطر أفضل ما لم يجهده.
-
١٨٥- قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ}
-
استدل به من كره أن يقال رمضان، قوله تعالى {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}
-
يستجل به مع قوله {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}
-
على أن ليلة القدر في رمضان ليست في غيره خلافاً لمن زعم أنها ليلة النصف من شعبان.
-
قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
-
استدل به من قال من الأصوليين بوجوب الصوم على المسافر والمريض والحائض، لأنهم شهدوا الشهر. واستدل به من قال لا قضاء على من مر عليه رمضان وهو مجنون بناء على أن شهد بمعنى: علم. واستدل به من قال لابقضي، وفسر: شهد، بمعنى: أدرك، قلت: واستدل به أبو حنيفة على أن من شهد بعض الشهر لزمه صوم كله وإن سافر لم يبح له الفطر، ووجهه أنه لا يمكن أن يراد به شهود جميع الشهر، لأنه لا يكون شاهداً لجمعية إلا بعد مضيه كله ويستحيل أن يكون مضيه كلية شرطاً للزوم صومه كله لأن الماضي من الوقت يستحيل إيقاع الصوم فيه فعلم أنه لم ير شهود جمعية فالتقدير من شهد منك الشهر فليصم ما لم يشهد منه. وقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قول: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
-
قال من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد لزمه الصوم لأن الله تعالى يقول: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
-
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد لزمه الصوم لأن الله تعالى يقول {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
-
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال هو إهلاله بالدار واستدل بالآية عاى إجزاء صوم الأسير إذا صام بالإجتهاد ووافق رمضان خلافا للحسن بن صالح وعدمه إذا صادف ما قبله وعلى أن رأى الهلال وحده لزمه الصوم بنفسه خلافاً لمن قال لا
ج ١ ص ٤١يلزمه إلا بحكم الإمام.
-
قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} . هذا أصل لقاعدة عظيمة يبنبي عليها فروع كثيرة وهي أن المشقة تجلب التيسير وهي إحدى القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه وتحتها من القواعد قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع ومن الفروع ما لايحصى كثرة والآية أصل في جميع ذلك، وقد يستدل بالآية على أحد الأقوال في مسألة تعارض المذاهب والروايات والاحتمالات هل يؤخذ بالأخف أو بالأقوى أو بأيهما شاء.
-
قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} .
-
فيه دليل على اعتبار العددإذا لم يكن يرى الهلال، ولا يرجع فيه لقول الحساب والمنجمين، واستدل به أبو حنيفة على أن من صام تسعة وعشرين رؤية بلده وقد صام أهل بلده أخرى ثلاثين أنه ىيلزم أولئك قضاء يوم لأنه ثبت برؤية تلك البلدة أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها.
-
قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ}
-
فيه مشروعيه التكبير لعيد الفطر وأن وقته من إكمال العدة وهو غروب شمس آخر يوم. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: حقاً المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفزعوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} . قال ابن الفرس: والآية حجة على من ذكر أثناء التكبير تهليلاً وتسبيحاً وحجة لمن لا يرى إلا التكبير.
-
١٨٦- قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي} الآية.
-
فيه تنزيهه تعالى عن المكان وإجابته الداعي والترغيب في الدعاء، وأورد الصوفية هذه الآية في باب ألنس وهو عبارة عن روح القرب.
-
١٨٧- قزله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}
-
فيه إباحة الجماع وسائر أنواع الاستمتاع للصائم ليلاً.
-
قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} .
-
قيل: إنه كناية عن المعانقة. قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}
-
- إلى قوله - {مِنَ الْفَجْرِ} .
-
فيه إباحة الجماع وأنواع المباشرة والأكل والشرب إلى تبين الفجر وتحريم المذكورات نهاراً، واستدل به على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته في آخر جزء من أجزاء الليل، ويلزم من ذلك بطريق الإشارة طلوع الفجر وهو جنب. ومن منعه قال إن الغاية متعلقة بكلوا واشربوا دون باشروهن وقد يستدل به بالطريق المذكورة على أنه لا يجب
ج ١ ص ٤٢تجديد النية إذا جامع أو أمل بعدها واستدل به على جواز لمن شك في طلوع الفجر لأنه تعالى أباح الأكل إلى التبين مع الشك خلافاً لمالك، واستدل به مجاهد على عدم القضاء والحالة هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر لأنه أكل في وقت أذن له فيه. وأخرج سعيد ابن منصور عنه قال إذا تسحر الرجل وهو يرى أن عليه ليللاً وقد كان طلع الفجر فليتم صومه لأن الله تعالى يقول {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} .
-
وإذا أكل وهو يرى أن الشمس غابت ولم تغب فليقضه لأن الله تعالى يقول {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}
-
واستدل به اللخمي على إجزاء النية مع الفجر، لأنه إذا كان الأكل مباحاً إلى الفجر لم تجب النية إلا في الموضع الذيفيه الإمساك، واستدل به قوم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع في الحال أو في فيه طعام فلفظه بطريق الإشارة السابقة. قلت ويستدل بقوله {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ}
-
على أن المراد بالجر في الصومونحوه من الأحكام ما يظهر لنا لا ما في نفس الأمر، وبقوله: {الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}
-
على أن المراد بالفجر المعترض دون المستطيل، بقرينة قوله: {الْخَيْطُ}
-
كما لا يخفى، وفي الآية رد على من جعل أول الصيام لأمن طلوع الشمس وقوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} .
-
فسره ابن عباس في رواية بالولد وفي ا×رى بليلة القدر أخرجهما ابن أبي حاتم ففيه استحباب طلب ليلة القدر وأن ينوي بالجماع النسل ولإقامة السنة دون مجرد اللذة، وقال قتادة وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، ففيه كراهية ترك الرخصة واستحباب فعلها.
-
قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} .
-
استدل بعمومه على الإفطار باليسير وبما لا يغذي، واستدل به على أنه لا يجوز الأكل لمن شك في الغروب وعلى تحريم الوصال. روى أحمد من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمر الله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} , فإذا كان الليل فأفطروا. وروى الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واصل يومين فأتاه جبريل فقال إن الله قبل وصالك ولا يحل أحد بعدك وذلك بأن الله قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} , فلا صيام بعد الليل.
- ج ١ ص ٤٣
قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} .