ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيج ذلك
٨٥ فقرة، ج ٩ ص ٩٢٥
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٩ ص ٩٤٤
حدّثني إبراهيم بن سَلْم، قال: كان الفُراقصَة العجليّ قد همّ بالوثوب بالكوفة، فامتنع لمكان أبي جعفر ونزوله بها؛ وكان ابن ماعز الأسديّ يبايعُ لإبراهيم فيها سرًّا.
-
حدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعت إسماعيل بن موسى البَجَليّ وعيسى بن النَّضْر السُّمَّانيْنِ وغيرهما يخبرون أن غَزوان كان لآل القعقاع بن ضِرار، فاشتراه أبو جعفر، فقال له يومًا: يا أميرَ المؤمنين؛ هذه سفُن منحدرة من الموصل فيها مبيّضةٌ تريد إبراهيم بالبصرة، قال: فضمّ إليه جندًا، فلقيهم بباحَمشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين؛ وكانوا تجارًا فيهم جماعة من العُبّاد من أهل الخير وغيرهم، وفيهم رجل يُدعى أبا العرفان من آل شعيب السّمّان، فجعل يقول: ويلك يا غزوان! ألست تعرفني! أنا أبو العرفان جارك؛ إنما شخصتُ برقيق فبعتُهم؛ فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبعث برؤوسهم إلى الكوفة، فنصِبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة، قال أبو أحمد عبد الله بن راشد: فأنا رأيتها منصوبةً على كوم التراب.
قال: وحدّثنا أبو عليّ القَدّاح، قال: حدّثني داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القدّاحين، قالوا: كنّا بالموصل وبها حرْب الراونديّ رابطة في ألفين، لمكان الخوارج بالجزيرة، فأتاه كتاب أبي جعفر يأمره بالقفل إليه؛ فشخص؛ فلما كان بباحَمْشا اعترض له أهلها، وقالوا: لا نَدَعُك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم، فقال لهم: ويحكم! إني لا أريد بكم سوءًا؛ إنما أنا مارٌّ دعوني، قالوا: لا والله لا تجوزنا أبدًا، فقاتلهم فأبارهم، وحَمل منهم خمسمئة رأس، فقدم بها على أبي جعفر، وقصّ عليه قصتهم. قال أبو جعفر: هذا أوّل الفتح. [٧/ ٦٣١ - ٦٣٣] .
قال أبو عمر الحوضيّ: جعل أصحاب إبراهيم ينادون سفيان وهو محصور: اذكر بيعتَك في دار المخزوميّين.
ج ٩ ص ٩٤٥قال أبو عمر: وحدّثني محارب بن نصر، قال: مرّ سفيان بعد قتل إبراهيم في سفينة وأبو جعفر مُشرِفٌ من قصره، فقال: إنّ هذا لسفيان؟ قالوا: نعم، قال: والله للعَجب! كيف يفلتني ابن الفاعلة! قال الحوْضيّ: قال سفيان لقائد من قوّاد إبراهيم: أقمْ عندي، فليس كل أصحابك يعلم ما كان بيني وبين إبراهيم.
قال: وحدّثني نضر بن فرقد قال: كان كَرْزَم السَّدوسيّ يغدو على سفيان بخبر إبراهيم ويروح، ويُعْلمه مَنْ يأتيه فلا يعرض له، ولا يتبع له أثرًا.
-
وذكر أن سفيان بن معاوية كان عامل المنصور أيّامئذ على البصرة، وكان قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. [٧/ ٦٣٣ - ٦٣٤] .
- * ذكر من قال ذلك:
-
حدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وغلَب على المدينة ومكة، وسُلِّم عليه بالخلافة، وجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فدخلها في أوّل يوم من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومئة، فغلب عليها، وبيّض بها وبيّض بها أهل البصرة معه، وخرج معه عيسى بن يونس ومُعاذ بن معاذ بن العوّام وإسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشام، وجماعة كثيرة من الفُقهاء وأهل العلم؛ فلم يزلْ بالبصرة شهر رمضان وشوّالًا، فلما بلغه قتلُ أخيه محمد بن عبد الله تأهَّب واستعدّ، وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة.
-
وقد ذكرنا قول من قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومئة، غير أنه كان مقيمًا بها، مختفيًا يدعو أهلها في السرّ إلى البيعة لأخيه محمد، فذكر سهل بن عَقيل، عن أبيه، أنّ سفيان كان يرسل إلى قائدين كانا قدِما عليه من عند أبي جعفر مددًا له قبل ظهور إبراهيم، فيكونان عنده؛ فلما وعده إبراهيم بالخروج أرسلَ إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرَج، فأحاط به وبهما فأخذهم.
-
وحُدّثت عن محمد بن معروف بن سويد، قال: حدّثني أبي، قال: وجَّه أبو جعفر مجالدًا ومحمدًا ويزيد؛ قوّادًا ثلاثة كانوا إخوة قبل ظهور إبراهيم،
ج ٩ ص ٩٤٦فقدَّموا جندهم، فجعلوا يدخلون البصرة تَترَى بعضهم على أثر بعض، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها فظهر.
-
وذكر نصر بن قديد، أنّ إبراهيم خرج ليلة الإثنين لغرّة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ومئة، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر رجلًا فارسًا، فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرّقاشيّ، قال: وقدم تلك الليلة أبو حمّاد الأبرصُ مددًا لسفيان في ألفي رجل، فنزل الرّحبة إلى أن ينزلوا، فسار إبراهيم فكان أوّل شيء أصاب دوابَّ أولئك الجند وأسلحتهم، وصلّى بالناس الغداة في المسجد الجامع، وتحصّن سفيان في الدّار، ومعه فيها جماعة من بني أبيه وأقبل الناسِ إلى إبراهيم مِنْ بين ناظر وناصر حتى كثروا، فلما رأى ذلك سفيان طلب الأمان، فأجيب إليه، فدسّ إلى إبراهيم مطهّر بن جويرية السَّدوسيّ، فأخذ لسفيان الأمان، وفتح الباب، ودخل إبراهيم الدّار؛ فلما دخلها ألقي له حصير في مُقَدَّم الإيوان، فهبّت ريح فقلبته ظهرًا لبطن؛ فتطيَّر الناسُ لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيَّر، ثم جلس عليه مقلوبًا والكراهة تُرَى في وجهه؛ فلما دخل إبراهيم الدّار خلّى عن كلّ مَنْ كان فيها - فيما ذكر - غير سفيان بن معاوية؛ فإنه حبسه في القصر وقيَّده قيدًا خفيفًا، فأراد إبراهيم - فيما ذكر - بذلك من فعله أن يُرِى أبا جعفر أنه عنده محبوس، وبلغ جعفرًا ومحمدًا بني سليمان بن عليّ - وكانا بالبصرة يومئذ - مصيرُ إبراهيم إلى دار الإمارة وحبْسه سفيان، فأقبلا - فيما قيل - في ستمئة من الرّجالة والفرسان والنَّاشبة يريدانه، فوجَّه إبراهيم إليهما المضاء بن القاسم الجزريّ في ثمانية عشر فارسًا وثلاثين راجلًا؛ فهزمهم المضاءُ، ولحق محمدًا رجل من أصحاب المضاء فطَعنه في فخِذه، ونادى مناد لإبراهيم: لا يتُبَع مدبر؛ ومضى هو بنفسه حتى وقف على باب زينب بنت سليمان، فنادى بالأمان لآل سليمان، وألّا يعرِض لهم أحد.
-
وذكر بكر بن كثير؛ أنّ إبراهيم لما ظهر على جعفر ومحمد أخذ البصرة، وجَدَ في بيت المال ستمئة ألف، فأمر بالاحتفاظ بها - وقيل إنه وجد في بيت المال ألفي درهم، فقويَ بذلك، وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين؛ فلما غلب إبراهيم على البصرة وجّه - فيما ذكر - إلى الأهواز رجلًا يُدعى الحسين بن ثوْلاء، يدعوهم إلى البيْعة، فخرج فأخذ بيعتهم؛ ثم رجع إلى إبراهيم، فوجه إبراهيم
ج ٩ ص ٩٤٧المغيرة في خمسين رجلًا، ثم اجتمع إلى المُغيرة لمّا صار إلى الأهواز تمام مئتي رجل، وكان عامل الأهواز يومئذ من قِبَل أبي جعفر محمد بن الحصين، فلما بلغ ابنَ الحصين دنوُّ المغيرة منه خرج إليه بمَنْ معه، وهم - فيما قيل - أربعة آلاف، فالتَقوْا على مِيل من قَصبة الأهواز بموضع يقال له دشت أربُك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز.
-
وقد قيل: إنّ المغيرة صار إلى الأهواز بعد شخوص إبراهيم عن البصرة إلى باخَمْرى.
-
ذكر محمد بن خالد المربّعيّ، أنّ إبراهيم لما ظهر على البصرة ثم أراد الخروج إلى ناحية الكوفة، استخلف على البصرة نُميْلة بن مرّة العبشَميّ، وأمر بتوجيه المغيرة بن الفزع أحد بني بَهْدلة بن عوْف إلى الأهواز، وعليها يومئذ محمد بن الحصين العبديّ، ووجَّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملًا عليها، فمرّ برامَ هرمز بيعقوب بن الفضل وهو بها، فاستتبعه؛ فشخص معه حتى قدم فارس، وبها إسماعيل بن عليّ بن عبد الله عاملًا عليها من قِبَل أبي جعفر، ومعه أخوه عبد الصّمد بن عليّ، فلما بلغ إسماعيل بن عليّ وعبد الصمد إقبالُ عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل - وكانا بإصطخْر - بادرا إلى دَارَا بْجِرد، فتحصّنا بِها، فصارت فارس في يد عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل، فصارت البَصْرة والأهواز وفارس في سلطان إبراهيم.
-
وحدِّثت عن سليمان بن أبي شيخ، قال: لما ظهر إبراهيم بالبصرة، أقبل الحكم بن أبي غَيْلان اليشكريّ في سبعة عشر ألفًا حتى دخل واسطًا؛ وبها هارون بن حميد الإياديّ من قِبَل أبي جعفر، فدخل هارون تنورًا في القصر حتى أخرِج منه، وأتى أهلُ واسط حفصَ بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فقالوا له: أنت أولى مِنْ هذا الهجيميّ؛ فأخذها حَفْص، وخرج منها اليشكُريّ، وولَّى حفص شُرَطه أبا مقرن الهُجيميّ.
-
وذكر عمر بن عبد الغفار بن عمرو الفُقَيْميّ، ابن أخي الفضل بن عمرو الفُقيميّ، قال: كان إبراهيم واجدًا على هارون بن سعد، لا يكلِّمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد، فأتى سلم بن أبي واصل، فقال له: أخبرني عن صاحبك، أما به إلينا حاجة في أمره هذا! قال: بلى لعمر الله، ثم قام فدخل على
ج ٩ ص ٩٤٨إبراهيم، فقال: هذا هارون بن سعد قد جاءك، قال: لا حاجة لي به، قال: لا تفعل؛ في هارون تزهّد؛ فلم يزل به حتى قِبله، وأذن له فدخل عليه؛ فقال له هارون: استكفِني أهمَّ أمورك إليك، فاستكفاه واسطًا، واستعمله عليها. [٧/ ٦٣٤ - ٦٣٧] .
-
وذكر عن ابن أبي الكرام، وأنه قال: قدمت على أبي جعفر برأس محمد، وعامر بن إسماعيل بواسط محاصرٌ هارون بن سعد، وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبي جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة، فذكر سليمان بن أبي شيخ، قال: عسكر عامر بن إسماعيل مِنْ وراء النيل، فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون، فضربه عبدٌ سقّاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه، فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صَمْغ عربيّ؛ وقال: داوِ بها جراحتك، فالتقوْا غير مرّة، فقتِل من أهل البصرة وأهل واسط خلْق كثير؛ وكان هارون ينهاهم عن القتال، ويقول: لو لقى صاحبنا صاحبَهم تبيّن لنا الأمر، فاستبقوا أنفسكم؛ فكانوا لا يفعلون، فلما شخص إبراهيم إلى باخَمْرَى كفّ الفريقان من أهل واسط وعامر بن إسماعيل بعضُهم عن بعض، وتوادعوا على تراك الحرب إلى أن يلتقي الفريقان، ثم يكونوا تبعًا للغالب؛ فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخولَ واسط، فمانعه أهلُها الدخول، قال سليمان: لما جاء قتلُ إبراهيم هرب هارون بن سعد، وصالح أهلُ واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم، فلم يثق كثير منهم بأمانه، فخرجوا منها، ودخلها عامر بن إسماعيل، وأقام بواسط فلم يُهجْ أحدًا.
-
وكان عامر - فيما ذكر - صالح أهلَ واسط على ألّا يقتل أحدًا بواسط، فكانوا يقتلون كلّ مَنْ يجدونه من أهل واسط خارجًا منها؛ ولما وقع الصُّلْح بين أهل واسط وعامر بعد قتلِ إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة، فتوفِّيَ قبل أن يبلغها فيما ذكر.
-
وقيل: إن هارون بن سعد اختفَى فلم يزل مختفيًا حتى ولي محمد بن سليمان الكوفة، فأعطاه الأمان، واستدرجه حتى ظهر، وأمره أن يفرض لمئتين من أهل بيته، فهمّ أن يفعل، وركب إلى محمّد، فلقيه ابن عمّ له، فقال له: أنت مخدوع، فرجع فتوارى حتى مات، وهدم محمد بن سليمان داره.
ج ٩ ص ٩٤٩قال: ولم يزل إبراهيم مقيمًا بالبصرة بعد ظهوره بها، يفرّق العمال في النواحي ويوجّه الجيوش إلى البلدان؛ حتى أتاه نعيُّ أخيه محمد؛ فذكر نصر بن قُديد؛ قال: فرض إبراهيم فروضًا بالبصرة، فلما كان قبل الفِطْر بثلاثة أيام، أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فخرج بالناس إلى العيد، وهم يعرفون فيه الانكسار، وأخبر الناسَ بقتل محمد؛ فازدادوا في قتالَ أبي جَعفر بصيرةً، وأصبح من الغدِ فعسكر، واستخلف نُمَيلةَ على البَصْرة، وخلّف ابنه حسنًا معه.
قال سعيد بن هريم: حدثني أبي، قال: قال عليّ بن داود: لقد نظرت إلى الموت في وجْه إبراهيم حين خطَبنَا يوم الفطر، فانصرفتُ إلى أهلي فقلت: قتِل والله الرجل!
-
وذكر محمد بن معروف، عن أبيه أن جَعفرًا ومحمدًا ابني سليمان لما شخصا من البصرة، أرسلاه إلى أبي جعفر ليخبره خبر إبراهيم، قال: فأخبرتُه خبرهما، فقال: والله ما أدري كيف أصنع! والله ما في عسكري إلا ألفا رجل؛ فرّقت جندي، فمع المهديّ بالرّيّ ثلاثون ألفًا، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفًا والباقون مع عيسى بن موسى؛ والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفًا.
-
وقد قال عبد الله بن راشد: ما كان في عسكر أبي جعفر كثيرُ أحد؛ ما هم إلا سودان وناسٌ يسير؛ وكان يأمر بالحطَب فيحزَم ثم يوقَد بالليل، فيراه الرائي فيحسِب أن هناك ناسًا؛ وما هي إلّا نار تضرَم، وليس عندها أحد.
قال محمد بن معروف بن سويد: حدّثني أبي، قال: لما ورد الخبر على أبي جعفر، كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: إذا قرأتَ كتابي هذا فأقبل وَدعْ كلّ ما أنت فيه؛ قال: فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس، وكتب إلى سلْم بن قتيبة فقدِم عليه من الرّيّ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان.
-
فذكر عن يوسف بن قتيبة بن مسلم، قال: أخبرني أخي سلْم بن قتيبة بن مسلم، قال: لما دخلتُ على أبي جعفر قال لي: اخرج؛ فإنه قد خرج ابنا عبد الله، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعُه؛ فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان جميعًا؛ فابسط يدك، وثِقْ بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك، قال:
ج ٩ ص ٩٥٠فوالله ما هو إلا أن قُتِل إبراهيم، فجعلت أتذكر مقالته فأعجب.
قال سعيد بن سلم: فاستعمله على ميسرة الناس، وضمّ إليه بشار بن سلم العُقيليّ وأبا يحيى بن خُرَيم وأبا هُراسة سنان بن مخيَّس القشيريّ، وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة؛ عُرْبُها ومواليها، وكتب المنصور إلى المهديّ وهو يومئذ بالرّيّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهديّ - فيما ذُكر - في أربعة آلاف من الجند، فصار إليها، وحارب بها المغيرة، فانصرف إلى البصرة، ودخل خازم الأهواز، فأباحها ثلاثًا.
-
وذكر عن الفضل بن العبّاس بن موسى وعمر بن ماهان، أنهما سمعا السنديّ يقول: كنت وصيفًا أيام حرب محمد، أقوم على رأس المنصور بالمذَبّة، فرأيته لما كثف أمر إبراهيم وغلُظ أقام على مصلى نيّفًا وخمسين ليلة، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جُبَة ملوّنة قد اتّسخ جَيْبها وما تحت لحيته منها؛ فما غيَّر الجُبّة، ولا هجرَ المصلَّى حتى فتح الله عليه؛ إلّا أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبّة بالسواد، وقعد على فراشه؛ فإذا بطن عاد إلى هيئته، قال: فأتته ريسانة في تلك الأيام، وقد أهديت له امرأتان من المدينة؛ إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمَة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص؛ فلم ينظر إليهما، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما، وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك لهما؛ فنهرها، وقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء؛ لا سبيل لي إليهما حتى أعلم: أرأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيَم!
-
وذُكِر أن محمدًا وجعفرًا ابني سليمان كتبا إلى أبي جعفر يُعْلمانه بعد خروجهما من البَصْرة الخبر في قطعة جِراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه غير ذلك؛ فلما وصل الكتاب إليه؛ فرأى قطعة جِراب بيد الرسول، قال: خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم، ثم قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الخُتّليّ وبأبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما في خيل كثيفة إليهما، وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما؛ وكتب إليهما يعجّزهما ويضعّفهما ويوبخهما على طمع إبراهيم في الخروج إلى مصر هما فيه، واستتار خبره عنهما، حتى ظهر وكتب في آخر كتابه:
ج ٩ ص ٩٥١أَبْلغْ بني هاشمٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... فاستَيْقِظُوا إنَّ هذا فِعْل نُوّام
تعدو الذِّئاب على من لا كلاب له ... وتتَّقي مَرْبِضَ المسْتَنْفِر الحامي
وذكر عن جعفر بن ربيعة العامريّ عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم، قال: دخلت على المنصور أيام حرْب محمد وإبراهيم، وقد جاءه فتق البَصْرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وهو ينكت الأرض بمخْصَرِته ويتمثّل:
ونصبتُ نفسي للرِّماح دَريّةً ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أدام إعزازك ونصرك على عدوّك! أنت كما قال الأعشى:
وإنْ حَرْبهُمْ أُوقِدَتْ بينهمْ ... فحرَّت لهم بعد إبرادِها
وجدتَ صَبُورًا على حَرِّها ... وكرِّ الحروب وترْدادها
فقال: يا حجاج، إنّ إبراهيم قد عرف وُعورة جانبي وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني؛ وإنما جرّأه على المسير إليّ من البصرة اجتماعُ هذه الكُور المُطلَّة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجَرها وكلّ ناحية بسهمها، ووجّهت إليهم الشهْم النجْد الميمون المظفّر عيسى بن موسى، في كثرة من العدد والعُدّة، واستعنت بالله عليه، واستكفيته إياه؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به.
قال جعفر بن ربيعة: قال الحجاج بن قتيبة: لقد دخلتُ على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلِّمًا، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفُتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به، ولمئة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره، ينتظرون به صَيْحة واحدة فيثبون؛ فوجدته صقْرًا أحوزيًّا مشمّرًا، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعرُكها ويمرُسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه؛ وإنه لكما قال الأوّل:
نفسُ عِصامٍ سوَّدَتْ عصاما ... وعلَّمتْه الكرَّ والإِقْدَاما (١)
- (١)مما نسب إلى النابغة الذبياني؛ العقد الثمين ١٧٥.
-
وصيّرتْهُ مَلِكًا هُمَامَا
وذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجَرْميّ، وقد وجَّه محمد بن عبد الله أخاه
ج ٩ ص ٩٥٢لحرب أبي جعفر، فقال يونس: قدِم هذا يريد أن يزيل ملكًا فألهتْهُ ابنة عمر بنُ سلمة عمّا حاوله، ولقد أهدِيت التيميّة إلى أبي جعفر في تلك الأيام، فتركها بمزجَر الكلب، فما نظر إليها حتى انقضى أمرُ إبراهيم.
-
وكان إبراهيم تزّوج بعد مقدمه البصرَة بهكْنة بنت عمر بن سلمة، فكانت تأتيه في مصبّغاتها وألوان ثيابها.
-
فلما أراد إبراهيم الشخوص نحو أبي جعفر، دخل - فيما ذكر بشرُ بن سلم - عليه نُمَيلة الطُّهَوِيّ وجماعة من قوّاده من أهل البَصْرة، فقالوا له: أصلحك الله! إنك قد ظهرت على البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقِمْ بمكانك، ووجّه الأجناد، فإن هُزِم لك جند أمددتَهم بجند، وإن هُزِم لك قائد أمددته بقائد، فخيِف مكانك، واتّقاكَ عدوُّك، وجُبِيت الأموال، وثبتتْ وطأتك؛ ثم رأيْك بعد. فقال الكوفيّون: أصلحك الله! إن بالكوفة رجالًا لو قد رأوْك ماتُوا دونك، وإلّا يرْوك تقعد بهم أسبابٌ شتى فلا يأتونك، فلم يزالوا به حتى شخَص.
-
وذُكر عن عبد الله بن جعفر المدينيّ، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخَمْرَى، فلمّا عسكرنا أتانا ليلة من الليالي، فقال: انطلق بنا نطفْ في عسكرنا، قال: فسمع أصوات طَنابير وغناء فرجع، ثم أتاني ليلة أخرى فقال: انطلق بنا، فانطلقتُ معه، فسمع مثل ذلك فرجع وقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا.
-
وذُكر عن عفان بن مسلم الصفار، قال: لمّا عسكر إبراهيمُ افترض معه رجال من جيراننا، فأتيت معسكَره، فحزَرتُ أنّ معه أقلّ من عشرة آلاف.
-
فأما داود بن جعفر بن سليمان، فإنه قال: أحصِيَ في ديوان إبراهيم من أهل البصرة مئة ألف، ووجّه أبو جعفر عيسى بن موسى - فيما ذكر إبراهيمُ بن موسى بن عيسى - في خمسة عشر ألفًا، وجعل على مقدّمته حُميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف، فلما شخص عيسى بن موسى نحو إبراهيم سار معه - فيما ذكر - أبو جعفر حتى بلغ نهر البصريّين، ثم رجع أبو جعفر، وسار إبراهيم من معسكره بالماخور من خُرَيبة البصرة نحو الكوفة.
-
فذكر بعض بني تيم الله عن أوس بن مهلهل القطعيّ، قال: مرّ بنا إبراهيم في
ج ٩ ص ٩٥٣طريقه ذلك، ومنزلنا بالقباب التي تدعى قباب أوْس، فخرجتُ أتلقّاه مع أبي وعمّى، فانتهينا إليه وهو على بِرْذون له يرتاد منزلًا من الأرض، قال: فسمعته يتمثّل أبياتًا للقُطاميّ:
أمورٌ لو تَدَبّرها حَلِيمٌ ... إذًا لنَهى وهَيَّبَ ما استَطَاعا
ومعْصِيَة الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرةً منه استماعا
وخبْرُ الأَمر ما استقبلتَ منه ... وليس بأَن تَتَبّعه اتّباعَا
ولكنَّ الأَدِيمَ إذا تفرَّى ... بِلىً وتعيُّبًا غلب الصَّنَاعا
فقلت للذي معي: إني لأسمع كلامَ رجل نادم على مسيره، ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له - فيما ذكر عن سليمان بن أبي شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيد - إن هذه بلادُ قومي، وأنا أعلم بها، فلا تقصد قصْد عيسى بن موسى، وهذه العساكر التي وُجّهتْ إليك، ولكني أسلك بك - إن تركتَني - طريقًا لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة، فأبى عليه. قال: فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى بياتًا، قال: إني أكره البَيَات.
-
وذُكر عن سعيد بن هريم أنّ أباه أخبره، قال: قلت لإبراهيم: إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة، فإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولي بعدُ بها أهيْلٌ، فدعني أسِرْ إليها مختفيًا فأدعو إليك في السرّ ثم أجهر؛ فإنهم إن سمعوا داعيًا إليك أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهْيعة بأرجاء الكوفة لم يردّ وجهه شيء دون حُلوان، قال: فأقبل على بشير الرحّال، فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ قال: إنا لوثقنا بالذي تصِف لكان رأيًا؛ ولكنّا لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة، فيرسل إليهم أبو جعفر خيلًا فيَطأ البَريء والنَّطِف (١) والصّغير والكبير؛ فتكون قد تعرّضت لمأثمِ ذلك، ولم تبلغ منه ما أمّلتَ، فقلتُ لبشير: أخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه؛ وأنت تتوقَّى قتل الضّعيف، والصغير والمرأة والرجل؛ أوَليس قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجّه السرّية فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت! فقال: إنّ أولئك كانوا مشركين كلهم، وهؤلاء أهلُ ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكْمهم غير حكم أولئك، فاتبع إبراهيم رأيه
ج ٩ ص ٩٥٤ولم يأذن له، وسار إبراهيم حتى نزل باخَمْرَى.
- (١)النطف: الرجل المريب المتهم. القاموس ص ١١٠٨.
-
وذكر خالد بن أسيد الباهليّ أنه لما نزلها أرسل إليه سلْم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم: إنك قد أصْحَرْت، ومثلك أنفسُ به عن الموت، فخندِق على نفسك حتى لا تؤتَى إلا من مأتىً واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكرَه، فتخْفِفْ في طائفة حتى تأتيَه فتأخذ بقفاه.
قال: فدعا إبراهيم أصحابَه، فعرض ذلك عليهم، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم! لا والله لا نفعل، قال: فنأتيه؟ قالوا: ولمَ وهو في أيدينا متى أردناه! فقال إبراهيم لحكيم: قد تسمع، فارجع راشدًا.
-
فذكر إبراهيم بن سلم أنّ أخاه حدّثه عن أبيه، قال: لما التقينا صفّ لهم أصحابُنا، فخرجت من صفهم، فقلت لإبراهيم: إن الصّفّ إذا انهزم بعضه تداعَى، فلم يكن لهم نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كُرْدوس ثبت كردوس، فتنادوا: لا، إلا قتال أهل الإسلام يريدون قوله تعالى: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} (١) .
- (١)الصف: ٤.
-
وذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان، قال: قال المضاء: لما نزلنا باخَمْرَى أتيتُ إبراهيم فقلت له: إن هؤلاء القوم مصبِّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكُراع، وإنما معك رجال عُراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته، فوالله لأشتِّتَنّ جموعه، فقال: إني أكره القَتْل فقلت: تريد المُلْك وتكره القتل!
-
وحدّثني الحارث قال: حدّثني ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: لما بلغَ إبراهيمَ قتلُ أخيه محمد بن عبد الله، خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكُوفة، فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلِمه ذلك، ويأمره أن يُقبِل إليه؛ فوافاه رسول أبي جعفر وكتابُه - وقد أحرم بعمرة - فرفضها، وأقبل إلى أبي جعفر، فوجّهه في القوّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله.
-
وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس؛ أكثر من جماعة عيسى بن موسى، فالتقوْا بباخَمْرَى - وهي على ستة عشر فرسخًا من الكوفة - فاقتتلوا بها
ج ٩ ص ٩٥٥قتالًا شديدًا، وانهزم حُميد بن قحطبة - وكان على مقدّمة عيسى بن موسى - وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوُون عليه، ومرّوا منهزمين، وأقبل حُميد بن قحطبة منهزمًا، فقال له عيسى بن موسى: يا حُميد، الله الله والطاعة! فقال: لا طاعةَ في الهزيمة، ومرَّ الناس كلهم حتى لم يبقَ منهم أحد بين يديْ عيسى بن موسى، وعسكر إبراهيم بن عبد الله، فثبت عيسى بن موسى في مكانه الذي كان فيه لا يزول، وهو في مئة رجل من خاصّته وحَشمه، فقيل له: أصلح الله الأمير! لو تنحّيت عن هذا المكان حتى يثوب إليك الناس فتكرّ بهم! فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبدًا حتى أقتَل أو يفتح الله على يدي؛ ولا يقال: انهزم.
-
وذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ حدّثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدّث أباه أنه قال: لما أراد أمير المؤمنين توجيهي إلى إبراهيم، قال: إنّ هؤلاء الخبثاء - يعني المنجّمين - يزعمون أنك لاقٍ الرجلَ، وأن لك جولةً حين تلقاه، ثم يفئ إليك أصحابك، وتكون العاقبة لك، قال: فوالله لكان كما قال؛ ما هو إلّا أن التقيْنا فهزمونا، فلقد رأيتُني وما معي إلا ثلاثة أو أربعة؛ فأقبل عليّ مولىً لي - كان ممسكًا بلجام دابتي - فقال: جُعلت فداك! علامَ تقيم وقد ذهب أصحابك! فقلت: لا والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبدًا وقد انهزمتُ عن عدوّهم.
قال: فوالله لكان أكثر ما عندي أن جعلت أقول لمن مرّ بي ممن أعرف من المنهزمين: أقرِئوا أهل بيتي مني السلام، وقولوا لهم: إني لم أجد فداءً أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي، وقد بذلتُها دونكم، قال: فوالله إنا لعلَى ذلك والناس منهزمون ما يلوي أحدٌ على أحد، وصمد ابنا سليمان: جعفر ومحمد لإبراهيم، فخرجا عليه من ورائه، ولا يشعر مَنْ بأعقابنا من أصحاب إبراهيم؛ حتى نظر بعضهم إلى بعض؛ وإذا القتال من ورائهم، فكرُّوا نحوه، وعقّبنا في آثارهم راجعين؛ فكانت إياه، قال: فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبي: فوالله يا أبا العباس؛ لولا ابنَا سليمان يومئذ لافتضحنا؛ وكان مِنْ صنع الله أنّ أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترضَ لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب؛ ولم يجدوا مخاضة؛ فكرّوا راجعين بأجمعهم.
- ج ٩ ص ٩٥٦
فذُكر عن محمد بن إسحاق بن مهران، أنه قال: كان بباخَمْرى ناسٌ من آل طلحة فمخرُوها على إبراهيم وأصحابه، وبثقُوا الماء، فأصبح أهل عسكره مرتطمين في الماء، وقد زعم بعضهم أن إبراهيم هو الذي مخرَ ليكون قتاله من وجه واحد؛ فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، فلما انهزم أصحاب إبراهيم وثبتَ معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه، اختلف في مبلغ عدَدهم، فقال بعضهم: كانوا خمسمئة، وقال بعضهم: كانوا أربعمئة، وقال بعضهم: بل كانوا سَبعين.
-
فحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه، أقبل إبراهيم بن عبد الله في عسكره يدنُو ويدنو غبارُ عسكره؛ حتى يراه عيسى ومَنْ معه؛ فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكرّ راجعًا يجري نحو إبراهيم، لا يعرّج على شيء؛ فإذا هو حُميد بن قحطبة قد غيّر لأمته، وعصَب رأسه بعصابة صفراء، فكرّ الناس يتبعونه حتى لم يبق أحدٌ ممن كان انهزم إلا كرّ راجعًا، حتى خالطوا القوم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى قَتل الفريقان بعضهم بعضًا، وجعل حُمَيد بن قحطبة يرسل بالرؤوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتي برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح، فقالوا: رأس إبراهيم بن عبد الله، فدعى عيسى بن موسى بن أبي الكرام الجعفريّ، فأراه إياه، فقال: ليس هذا؛ وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك؛ إلى أن جاء سهم عائر لا يُدْرَى من رمى به، فوقع في حَلْق إبراهيم بن عبد الله فنحرَه، فتنحَّى عن موقفه، فقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه، وهو يقول: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (١) ، أردنا أمرًا وأراد الله غيره؛ فأنزِل إلى الأرض وهو مثخَنٌ، واجتمع عليه أصحابه وخاصّته يحمونه ويقاتلون دونه، ورأى حُمَيد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكرهم فقال لأصحابه: شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلَموا ما اجتمعوا عليه، فشدُّوا عليهم، فقاتلوهم أشدّ القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم، وخلصوا إليه فحزُّوا رأسه؛ فأتوا به عيسى بن موسى، فأراه ابنَ أبي الكرام الجعفريّ، فقال: نعم؛
- (١)الأحزاب: ٣٨.
- ج ٩ ص ٩٥٧
هذا رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى أبي جعفر المنصور، وكان قتْلُه يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئة، وكان يوم قُتل ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام.
-
وذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة: كيف قُتِلَ إبراهيم؟ قال: إني لأنظر إليه واقفًا على دابّةٍ ينظر إلى أصحاب عيسى قد وَلَّوْا ومنحوه أكتافهم، ونكَص عيسى بدابته القَهْقَرَى وأصحابه يقتلونهم، وعليه قباء زَرَد، فآذاه الحرّ، فحل أزرار قَبائه، فشال الزّرد حتى سال عن ثدييه، وحسر عن لّبته، فأتته نُشّابة عائرة (١) ، فأصابته في لبّتِه، فرأيته اعتنق فرسه، وكرّ راجعًا، وأطافت به الزيديّة.
- (١)النشابة: واحدة النشاب وهو النبل، اللسان (١/ ٧٥٧). والعائر: ما لا يدرى راميه. القاموس ص ٥٧٣.
-
وذكر إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام؛ قال: حدّثني أبي، قال: لما انهزم أصحاب عيسى تبعتْهم رايات إبراهيم في آثارهم، فنادى منادى إبراهيم: ألا لا تَتّبعوا مدبرًا؛ فكرّت الرايات راجعةً، ورآها أصحاب عيسى فخالُوهم انهزموا، فكرُّوا في آثارهم؛ فكانت الهزيمة.