ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر مسير من سار إلى ذي خشب من أهل مصر وسبب مسير من سار إلى ذي المروة من أهل العراق

٢٧ فقرة، ج ٣ ص ٣٢٥

  1. ٢٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الأسَديّ، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاويةُ يطمع فيها بعد مَقدَمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمَعوا إليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدَا به الرّاجز:

    ج ٣ ص ٣٢٦إن الأميرَ بعده علِيُّ ... وفي الزبير خَلَفٌ رضيُّ

    قال كعب: كَذبتَ! صاحب الشَّهْباء بعده - يعني: معاوية- فأخبِر معاوية، فسأله عن الذي بلغه، قال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنّها والله لا تصل إليك حتى تُكذّب بحديثي هذا. فوقعتْ في نفس معاوية.

    ج ٣ ص ٣٢٥
  2. وشارَكَهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان، عن رَجاء بن حَيوة وغيره. قالوا: فلما وردَ عثمانُ المدينة ردّ الأمرِاءَ إلى أعْمالهم، فمضَوا جميعًا، وأقام سعيد بعدَهم، فلما ودّع معاويةُ عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدًا سيفه، متنكّبًا قَوسَه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعليّ، فقام عليهم، فتوكّأ على قوسه بعد ما سلّم عليهم، ثم قال: إنّكم قد علمتم أنّ هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منكم أحد إلّا وفي فصيلته من يَرْئِسه، ويستبدّ عليه، وتقطع الأمرَ دونَه، ولا يُشهِده، ولا يؤامرُه، حتى بعث الله جلّ وعزّ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -، وأكرم به من اتبعه، فكانوا يُرَئَسون من جاء من بعده، وأمرهم شُورَى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقُدْمة والاجتهاد؛ فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبعا لهم، وإن أصغَوا إلى الدّنيا وطلبوها بالتغالُب سُلِبوا ذلك، وردّه الله إلى من كان يرئِسُهم. وإلّا فليَحذروا الغِيَرَ، فإنّ الله على البَدَل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إنّي قد خلّفت فيكم شيخًا فاستوصُوا به خيرًا، وكانفوه تكونوا أسعدَ منه بذلك، ثم ودّعهم ومضى؛ فقال عليّ: ما كنتُ أرى أنّ في هذا خيرًا؛ فقال الزبير: لا والله، ما كان قطّ أعظمَ في صدرك وصدورنا منه الغَداة.

  3. رجع الحديث إلى حديث سيف، عن شيوخه:
  4. وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج: يا أميرَ المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يَهجم عليك مَن لا قِبَل لك به، فإنّ أهل الشام على الأمر لم يزالوا. فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء؛ وإن كان فيه قَطع خَيطِ عنقي. قال: فأبعثُ إليك جندًا منهم يقيم بين ظَهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينةَ أو إياك. قال: أنا أقَتِّر على جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأرزاق بجندٍ تساكنهم، وأضيّق على أهل دار الهجرة والنصرة! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتُغتالنَّ أو لتُغزَيَنّ! قال: حسبيَ الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجَزُور، وأين

    ج ٣ ص ٣٢٧أيسار الجَزور! ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى. وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعَهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميعَ من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم. واتّعدوا يومًا حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ذلك لأحد منهم، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإنّ يزيد بن قيس الأرحبيّ ثار فيها، واجتمع إليه أصحابُه، وعلى الحرب يومئذ القَعقاع بن عمرو - فأتاه فأحاط النَّاس بهم وناشَدوهم؛ فقال يزيد للقَعقاع: ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء! فوالله إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي إلا أنّي أستعفي ومَن ترى من إمارة سعيد، فقال: استعفى الخاصةُ من أمر قد رضيَتْه العامة؟ ! قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يُظهروا غيرَ ذلك، فاستقبلوا سعيدًا، فردّوه من الجَرَعة، واجتمع الناسُ على أبي موسى، وأقرّه عثمان رضي الله تعالى عنه. ولما رجع الأمراء لم يكن للسّبئيّة سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعَهم من أهل الأمصار أن يتوافَوْا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهَروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياءَ لتطير في الناس، ولتُحقَّق عليه؛ فتوافَوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزوميًّا وزُهْريًّا، فقال: انْظُرا ما يريدون، واعلما علمَهم - وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب، فاصطَبَرا للحقّ، ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثُّوهما وأخبِروهما بما يريدون، فقالا: مَن معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نَفر، فقالا: هل إلّا؟ قالوا: لا! قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعنْاها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجّاج حتى نقدم فنحيطَ به فنخلَعه، فإنْ أبى قتلناه. وكانت إيّاها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهمّ سلِّم هؤلاء، فإنك إن لم تُسلّمهم؛ شقُوا.

  5. أمَّا عمار فحَمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعَرَكه. وأما محمد بن أبي بكر فإنه أُعِجب حتى رأى أنّ الحقوق لا تلزمه، وأمّا ابن سهلة فإنه يتعرّض للبلاء، فأرسل إلى الكوفيين والبصريّين، ونادى: الصلاة جامعة! وهم عنده في أصل المنبر، فأقبلَ أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرَهم خبرَ القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعًا: اقتُلهم، فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنةُ الله

    ج ٣ ص ٣٢٨فاقتلوه". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أحلّ لكم إلّا ما قتلتموه وأنا شريكُكم.

    فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصِّرهم بجهدنا، ولا نُحادّ أحدًا حتى يركب حدًّا، أو يبديَ كُفرًا، إنّ هؤلاء ذَكروا أمورًا قد علموا منها مثلَ الذي علمتم، إلّا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليُوجبوها عليَّ عند مَن لا يعلم.

    وقالوا: أتمّ الصلاة في السفر، وكانت لا تُتَمُّ، ألا وإنّي قدمت بلدًا فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين؛ أوَ كذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.

    وقالوا: وحميتَ حمىً؛ وإني واللهِ ما حمَيتُ، حُمِيَ قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلّا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رِعْيةٍ أحدًا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازُع، ثم ما منعوا ولا نحَّوْا منها أحدًا إلّا من ساق درهمًا؛ ومَا لِي مِن بعير غيرُ راحلتين، ومَا لِي ثاغية ولا راغية، وإنّي قد وُلِّيتُ، وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءَ، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرَين لحجّي، أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.

    وقالوا: كان القرآن كتُبًا، فتركتَها إلّا واحدًا، ألا وإنّ القرآن واحد، جاء من عندِ واحد؛ وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء؛ أكذلك؟ قالوا: نعم، وسألوه أن يقيلهم.

    وقالوا: إنِّي رددتُ الحَكَم وقد ستره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. والحَكَم مَكَيّ، سيّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى الطائف، ثم ردّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيّره، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ردّه؛ أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.

    وقالوا: استعملتَ الأحداث. ولم أستعمل إلّا مجتمِعًا محتمِلًا مرضيًّا، وهؤلاء أهلُ عملهم، فسَلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولّى مَن قبلي أحدثَ منهم، وقيل في ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشدُّ مما قيل لي في استعماله أسامة؛ أكذاك؟ قالوا: اللهمّ نعم، يعيبون للناس ما لا يفسّرون.

    وقالوا: إنِّي أعطيتُ ابن أبي سَرْح ما أفاء الله عليه. وإني إنما نفلتُه خُمسَ ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مئة ألف، وقد أنفذ مثلَ ذلك أبو بكر وعمر

    ج ٣ ص ٣٢٩رضي الله عنهما، فزعم الجُند أنهم يَكرهون ذلك، فرددتُه عليهم وليس ذاك لهم، أكذاك؟ قالوا: نعم.

    وقالوا: إني أحبّ أهل بيتي وأعطيهم؛ فأما حبّي فإنه لم يمِلْ معهم على جوْر، بل أحمل الحقوق عليهم، وأمَّا إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي، ولا أستحلّ أموال المسلمين لنفسي؛ ولا لأحد من الناس؛ ولقد كنت أعطي العطيّة الكبيرة الرغيبة من صُلْب مالي أزمانَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحينَ أتيت على أسنان أهل بيتي، وفَنيَ عمري، وودّعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا! وإني والله ما حملت على مصْرٍ من الأمصار فضلًا فيجوزَ ذلك من قاله؛ ولقد رددتُه عليهم، وما قدم عليّ إلا الأخماس، ولا يحلّ لي منها شيء؛ فوليَ المسلمون وضْعها في أهلها دوني؛ ولا يُتَلفَّت من مال الله بفلْس فما فوقه؛ وما أتبلّغ منه ما آكل إلّا مالي.

    وقالوا: أعطيت الأرض رجالًا؛ وإنّ هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت؛ فمَن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومَن رجع إلى أهله لم يُذْهب ذلك ما حوى الله له؛ فنظرت في الذي يُصيبهم مما أفاء الله عليهم، فبعتُه لهم بأمرهم من رجال أهل عقارٍ ببلاد العرب، فنقلتُ إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني.

  6. وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أميّة، وجعل ولده كبعض مَن يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكَم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مئة ألف، وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب.

  7. ولانتْ حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبي المسلمون إلّا قتلَهم، وأبَى إلّا تركهم؛ فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج؛ فتكاتبوا وقالوا: موعدُكم ضواحي المدينة في شوّال؛ حتى إذا دخل شوّال من سنة اثنتي عشرة، ضربوا كالحُجّاج فنزلوا قرب المدينة (١) . (٤: ٣٤٣/ ٣٤٤ / ٣٤٥/ ٣٤٦ / ٣٤٧/ ٣٤٨) .

    1. (١)إسناد هذه الرواية ضعيف ولكن لمتنه (في أغلب مفرداته) ما يشهد له إلا ما سنوضح بطلانه، = = وهذا خبر مهم شرحه أئمة الهدى في مواضع عدة لأنه يوضح التهم الموجّهة إلى سيدنا عثمان من قبل رؤوس الفتنة وتفنيدها من قبل سيدنا عثمان واحدًا فواحدًا - وسنذكر عدة روايات في ذلك إن شاء الله - ويتبين لنا بعدها أنه رضي الله عنه كان على صواب وحق في تصرفاته التي أغاظتهم ومع ذلك رجع عن بعض هذا الصواب إخمادًا لنار الفتنة وحفاظًا على جماعة المسلمين وهيبة الخلافة التي أضحت رمزًا لعزة المسلمين وشوكتهم وهي كذلك - ويتبين لنا أيضًا أن بعضًا من هذه الأمور لم تصبح أصلًا وانفرد بها سيف وعليها مضى المؤرخون ولكننا ذكرنا هذه الرواية في قسم الصحيح لغلبة جانب الصحة على غير ذلك كما سنبين إن شاء الله تعالى: ١ - أما ما جاء في رواية سيف هذه من أن أهل الكوفة رفضوا ولاية سعيد بن العاص وقبلوا ولاية أبي موسى فأقرهم عثمان على ذلك؛ فهو صحيح كما سبق أن ذكرنا في موضعه، وفي هذا ردّ على أهل البدع والمستشرقين والمتغربين الذين يزعمون أن سيدنا عثمان لم يكن يأبه لرأي العامّة والرعية بل كان يسمع من أقربائه من بني أمية فقط، وهذه الرواية وما يؤيدها من الصحيح تكذب ما قالوا فهو رضي الله عنه سمع لأهل الكوفة وليسوا من أقربائه ولم يسمع كلام معاوية رضي الله عنه وهو قريبه، ولم يكن معزولًا عن جماهير الأمة بسوار من بني أمية لاهيًا عن معاناة الناس ومشاكلهم كما يحلو لبعض الحاقدين أن يقولوا ذلك. ٢ - وأما إتمام سيدنا عثمان للصلاة في السفر وهي من الأمور التي عابوه عليها واستغربوه فلا ضير عليه، ورواية سيف تؤكد بوضوح: أنه رضي الله عنه كان يتأول ذلك بأنه قدم بلدًا فيه أهله فأتم لذلك - وهو بتأوله خرج من كونه مخالفًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سنذكر وهذه المسألة ليست بغريبة على فقه الصحابة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (الصلاة أول ما فرضت ركعتان؛ فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) فقال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان (أبواب التقصير ٢/ ٣٦) ولذلك قال ابن حجر في الفتح: والمنقول: أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان أثناء سفره فله حكم المقيم (فتح الباري / ٦٦٥). ويقول أيضًا: والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عبادة بن عبد الله بن الزبير قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذ قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام أتم الصلاة (فتح الباري ٢/ ٦٦٥). وراجع مسند أحمد (٤/ ٩٤). ٣ - أما جمع القرآن فكما قال الإمام القاضي أبو بكر العربي: فتلك حسنته العظمى وخصلته الكبرى وإن كان وجدها كاملة، لكنه أظهرها ورد الناس إليها وحسم مادة الخلاف فيها وكان = = نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه حسبما بيناه في كتب القرآن وغيرها (العواصم من القواصم ٦٦) قلنا: وفي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير (ك ٦٥ السورة ٩ ب ج ٥/ ٢١٠) وغيره من المواضع، وكذلك أحمد في مسنده عن زيد بن ثابت حديثًا طويلًا في جمع القرآن وفي آخره: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر، حتى قدم حذيفة بن اليمان على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينجة وأذربيجان مع أهل العراق فحدّثه حذيفة عن اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. ولا أدري كيف يجرؤ أعداء الإسلام على ذكر الأمور التي أثارها أصحاب الفتنة على سيدنا عثمان ليقولوا لأبناء الأمة المسلمة انظروا إلى هذه الأمور التي انتقدها المعارضون لحكم سيدنا عثمان، فنقول لهم: هل هذه منقبة ومفخرة أم شبهة وتهمة؟ ! ولا بأس هنا أن نذكر تعليقًا للأستاذ الهمام محب الدين الخطيب في حاشيته على العواصم من القواصم / ص ٦٩: إذ يقول محب الدين رحمه الله: جاء في كتاب تأريخ القرآن لأبي عبد الله الديحاني (ص ٤٦) من شيعة عصرنا: أن علي بن موسى المعروف بابن طاووس (٥٨٩ - ٦٦٤) وهو من علمائهم نقل في كتابه (سعد السعود) عن الشهرستاني في مقدمة تفسيره عن سويد بن علقمة قال: سمعت علي بن أبي طالب - عليه السلام - يقول: أيها الناس! الله الله! إياكم والغلوّ في أمر عثمان وقولكم: حراق المصاحف، فوالله ما حرقها إلّا عن ملأ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي اختلف الناس فيها، يلقى الرجل فيقول قراءتي خير من قراءتك وهذا يجر إلى الكفر؟ فقلنا: ما الرأي؟ قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافًا. فقلنا: نعم ما رأيت ا. هـ. ٤ - أما قول سيف في هذه الرواية من أن سيدنا عثمان ردّ الحكم بعد أن سيّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف، وبيان عثمان للناس أن رسول الله سيره ثم ردّه، فلم يخالف بذلك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا معنى رواية سيف - ولكن العلماء نفوا أن يكون ذلك صحيحًا أي: أن سيفًا انفرد بذلك. فقال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما ردُّ الحكم فلا يصح (العواصم / ٧٧) وقال محب الدين في الحاشية مفسرًا لكلام القاضي: أي لم يصح زعم البغاة على عثمان أن عثمان خالف بذلك ما يقتضيه الشرع. اهـ. وأما ابن تيمية فقد قال: وقضية نفي الحكم ليست في الصحاح ولا لها إسناد يعرف به أمرها. = = العسرة بثلاثمئة بعير (سنن الترمذي ٥/ ٦٢٥) فأين كان المتخرصون يومئذ من هذا الإنفاق العظيم؟ ! أم أن أعداء التأريخ الإسلامي يصمون آذانهم عن هذا ويفتحون أعينهم على روايات غير صحيحة. وكان غنيًّا قبل أن يكون خليفة ثم وزع ماله وأراضيه بين أقاربه فما الخطأ في هذا؟ لِمَ نسكت عندما يجهز جيشًا من ماله الخاص ولماذا نقوم ولا نقعد عندما يوزع ماله الخاص على أهل بيته ويبقى زاهدًا كأي فرد من أفراد المجتمع. هذا إن كان ما قاله سيف صحيحا (ولا نعلمه كذلك) وقد انفرد به. والله أعلم. وأما قصة نفيه للحكم فليست صحيحة وليس لها إسناد صحيح أو حسن، وكما قال ابن تيمية: وقصة نفي الحكم ليست من الصحاح ولا لها إسناد يعرف به أمرها (منهاج السنة ٩/ ٢٦٥).
  8. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٣٣٠
  9. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٣٣١
  10. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وقال أيضًا: وأما قصة الحكم فإنما ذكرت مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه فلم يكن هناك نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان (منهاج السنة ٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦). ٥ - وأما قول سيدنا عثمان في رواية سيف عند الطبري (وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مئة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم أكذاك؟ قالوا: نعم) وهذا يعني أن رواية سيف تؤكد أن سيدنا عثمان قد أعطى لابن أبي سرح خمس الخمس وهو ما فعله أبو بكر وعمر ولم ينكر عليهما أحد، أي: أن فعلته رضي الله عنه صواب وأقرّ خصومه بذلك ثم تراجع عن هذا الصواب إرضاء للأمة ودرءًا للفتنة وسدًا لبابها. وأما القاضي أبو بكر بن العربي فقد قال في ردّ هذه الشبهة: وأما عطاؤه خمس إفريقية لواحد فلم يصح. فقال الخطيب في الحاشية: والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور (العواصم / ١٠٠). قلنا: ومرّ بنا: أن عمر رضي الله عظ قد زاد فيما قسمه لجرير بن عبد الله حين وجهه وقومه إلى العراق لنجدة جيش المثنى بن حارثة بعد أن انكسر المسلمون في معركة الجسر وقتل أبو عبيد رضي الله عنه وأرضاه. ٦ - وأما اعتراض خصومه عليه كما في رواية سيف من أنه زاد في الحمى فقد تبين بما لا يخفى أن هذا الحمى كان لأموال الصدقة التي كثرت في نهاية عهد عمر وخلافة سيدنا عثمان رضي الله عنهم أجمعين. قلنا: ومسألة الحمى لإبل الزكاة أو الموقوفة للجهاد في سبيل الله ومصالح المسلمين فلا ضير كما هو معلوم عند الفقهاء استنادًا إلى ما أخرجه البخاري وغيره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا حمى إلا لله ورسوله" كتاب المساقاة (ك ٤٢ ب ١١). وفي رواية أحمد في مسنده (ح ٥٦٥٥) عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى النقيع للخيل وفيه قال حماد بن خالد وهو من رواة الحديث: يا أبا عبد الرحمن! خيله؟ قال: خيل المسلمين. ومعلوم أن هذا الحمى اتسع في عهد سيدنا عمر حتى وصل الربذة ولم ينكر عليه أحد، كيف وهذا الحمى في خدمة الجهاد والمصلحة العامة للمسلمين ودولتهم والله أعلم. وسنأتي فيما بعد على ذكر حديث صحيح أخرجه ثلاثة من أئمة التاريخ والحديث: (الطبري ٤/ ١٠٥٧)، و (خليفة بن خياط في تأريخه / ١٩٦) و (ابن شبة في تأريخ المدينة المنورة ٦/ ٣ / ٣٥١) وفيه من الحوار الذي دار بين عثمان رضي الله عنه والخارجين عليه يبيّن فيه لهم بعض الحقائق ومنها قوله رضي الله عنه: (فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة فلما =
    ج ٣ ص ٣٣٢
  11. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد إبل الصدقة) وراجع تفاصيل هذه الرواية القيمة في موضعها مع بقية تفاصيلها. ٧ - وإنصافًا لسيدنا عثمان رضي الله عنه نقول ونردد ما جاء في رواية الطبري هذه: (وإني قد وُلَّيتُ وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءً، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجّي؛ أكذلك؟ قالوا: نعم). قلنا: وكيف ينسى أهل البدع والضلال أنه رضي الله عنه جهز جيش الصحابة يوم العسرة وكان من أثرياء قريش حتى أصبح حاله كما ذكر عن نفسه حين كان خليفة رضي الله عنه، ولكن ماذا نقول لقوم قد أعدّوا أنفسهم مسبقًا للنيل من خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذهانهم محشوة بالافتراءات وأنفسهم مهيأة لإلقاء التهم والشبه فلا حول ولا قوة إلا بالله! ٨ - أما العبارة التي قلنا عنها: إنها غير صحيحة وردت في رواية سيف هذه فهي العبارة الأخيرة من الرواية وهي: (وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطي ... ). وهذه العبارة لم نجد ما يؤيدها من رواية مسندة صحيحة في جميع المصادر التأريخية التي بين أيدينا، وعلى هذه العبارة الضعيفة وأمثالها يعتمد المستشرقون في افنراءات بينما يرفضون وجود شخصية كعبد الله بن سبأ لأنها من طريق سيف كما يزعمون، فكيف يقبلون بهذه الزيادة وهي من طريق سيف. أم أنهم ينتقون من الروايات ما يوافق أهواءهم وإن كان ضعيف السند أو موضوعه، ويغضون الطرف عن أمور لا توافق هواهم وإن كانت صحيحة الأسانيد، والحمد لله على نعمة الإسناد. ولو فرضنا جدلًا: أن هذه العبارة صحيحة، أي: أنه رضي الله عنه قسم ماله وأرضه في بني أمية، فما الخطأ في هذا ولماذا لا نفرق بين من قسّم مال المسلمين بين أقربائه وبين من فرّق ماله وأرضه بين أقاربه صلة لأرحامه؟ ! وكل المسلمين شيعة وسنة ومتأخرين ومتقدمين ومعاصرين يعلمون علم اليقين: أنه رضي الله عنه من أغنى أغنياء قريش في الجاهلية ثم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه جهز جيش العسرة. فقد أخرج البخاري في صحيحه قال: وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن: أن عثمان رضي الله عنه حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ومن حفر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قال: فصدقوه بما قال: هكذا رواه البخاري دون أن يوصل ما بينه وبين عبدان (فتح الباري ٥/ ٤٧٧) ولكن وصله الدارقطني في سننه (٤/ ١٩٩) من طريق القاسم بن محمد المروزي عن عبدان وكذلك نسب الحافظ في الفتح وصله إلى الحافظ الإسماعيلي في مستخرجه (فتح الباري ٥/ ٤٧٧) وكذلك أخرجه النسائي في سننه (٦/ ٢٣٦)، وينسب رواية للترمذي: أنه رضي الله عنه جهز جيش =
    ج ٣ ص ٣٣٣
  12. ٢٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهلُ مصر في أربع رِفاق على أربعة أمراء، المقلّل يقول: ستمئة، والمكثر يقول: ألف. على الرّفاق عبد الرحمن بن عُدَيس البلَويّ، وكنانة بن بشر التُّجيبيّ، وعروة بن شيبم الليثيّ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، وسواد بن رومان الأصبحيّ، وزرع بن يشكر اليافعيّ، وسودان بن حُمران السَّكونيّ، وقُتيرة بن فلان السَّكُونيّ، وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العَكّيّ، ولم يجترئوا أن يُعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب؛ وإنما أخرجوا كالحُجّاج، ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكوفة في أربع رِفاق، وعلى الرّفاق زيد بن صُوحان العبْديّ، والأشتر النخعيّ، وزياد بن النضْر الحارثيّ، وعبد الله بن الأصمّ، أحد بني عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر؛ وعليهم جميعًا عمرو بن الأصمّ. وخرج أهلُ البصرة في أربع رفاق، وعلى الرّفاق حُكَيم بن جبلة العبديّ، وذَريح بن عبّاد العبديّ، وبشر بن شُرَيح الحُطَم بن ضُبيعة القيسيّ وابن المَحرِّش بن عبد بن عمرو الحنفيّ وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعًا حُرقوص بن زهير السعديّ، سوى مَن تلاحق بهم من الناس. فأمّا أهلُ مصر فإنهم كانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهلُ البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير.

    ج ٣ ص ٣٣٤
  13. فخرجوا وهل على الخروج جميع، وفي الناس شتى؛ لا تشكّ كلّ فرقة إلّا أنّ الفُلْج معها، وأن أمرَها سيتمّ دون الأخْرَيين؛ فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب، وناس من أهل الكوفة

    ج ٣ ص ٣٣٥فنزلوا الأعوَص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامّتهم بذي المرْوَة. ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النّضْر وعبد الله بن الأصمّ، وقالا: لا تَعجلوا ولا تُعجِلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا؛ فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا؛ فهم إذا علموا علْمنا أشدّ؛ وإنّ أمرنا هذا لبَاطل؛ وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلًا، لَنرجعنَّ إليكم بالخبر.

    قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليًّا وطلحة والزبير، وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت، ونستعفي هذا الواليَ من بعض عمّالنا، ما جئنا إلّا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلّهم أبَى، ونهى وقال: بَيْض ما يُفْرِخَنَّ، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوْا عليًّا ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوْا الزبير؛ وقال كلّ فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرّقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتَهم، فأتى المصريون عليًّا وهو في عسكر عند أحجار الزّيت، عليه حلّة أفوافٍ معتمّ بشقيقة حمراء يمانية، متقلّد السيف، ليس عليه قميص، وقد سزح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسنُ جالس عند عثمان، وعليّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جَيش ذي المرْوة وذي خُشب ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، فارجعوا لا صحِبكم الله! قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك.

  14. وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلّم البصريّون عليه وعرَضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المرْوة وذي خُشب والأعوَص ملعونون على لسان محمّد - صلى الله عليه وسلم -.

  15. وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى؛ وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جَيش ذي المَروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، فخرج القوم وأرَوْهم أنهم يرجعون، فانفشّوا عن ذي خشُب والأعوص، حتى انتهوا إلى عساكرهم؛ وهي ثلاث مراحل؛ كي يفترق أهلُ

    ج ٣ ص ٣٣٦المدينة، ثم يكرُّوا راجعين. فافترق أهل المدينة لخروجهم.

  16. فلما بلغ القوم عساكرَهم كرُّوا بهم، فبغتوهم، فلم يفجأ أهلَ المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان، وقالوا: مَن كفّ يده فهو آمن.

  17. وصلَّى عثمان بالناس أيامًا؛ ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدًا من كلام، فأتاهم الناس فكلّموهم، وفيهم عليّ، فقال: ما ردّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا؛ وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا؛ كأنما كانوا على ميعاد. فقال لهم عليّ: كيف علمتم يا أهلَ الكوفة ويا أهل البصرة بما لقيَ أهل مصر؛ وقد سرتم مراحل؛ ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمرٌ أبرِم بالمدينة! قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرّجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلّون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدقّ من التراب؛ وكانوا لا يمنعون أحدًا من الكلام، وكانوا زُمَرًا بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع.

  18. وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدّهم: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعدُ؛ فإن الله عزّ وجل بعث محمدًا بالحق بشيرًا ونذيرًا، فبلّغَ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه؛ وخلَّف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدّر، فأمضاها على ما أحبّ العباد وكرهوا، فكان الخليفةُ أبو بكر رضي الله عنه وعمرُ رضي الله عنه، ثم أدخلتُ في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس عليّ، على غير طلَب مني ولا محبّة؛ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعًا غير مستتبع، متّبعًا غير مبتدِع، مقتديًا غير متكلف. فلما انتهت الأمورُ، وانتكث الشرُّ بأهله؛ بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا تِرةٍ فيما مضى إلّا إمضاء الكتاب؛ فطلبوا أمرًا وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر، فعابوا عليّ أشياء مما كانوا يرضوْن، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها؛ فصبرتُ لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين وأنا أرى وأسمع؛ فازدادوا على الله عزّ وجلّ جُرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرَمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب؛ فهم

    ج ٣ ص ٣٣٧كالأحزاب أيّام الأحزاب أو مَنْ غزانا بأحُد إلّا ما يُظهرون؛ فمن قدر على اللحاق بنا فلْيَلْحَق.

  19. فأتى الكتاب أهلَ الأمصار، فخرجوا على الصّعبة والذّلول؛ فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهريّ، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حُديج السّكونيّ، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو.

  20. وكان من المحضّضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عُقْبةُ بن عمرو وعبد الله بن أبي أوفَى وحنظلة بن الربيع التميميّ في أمثالهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكان من المحضّضين بالكوفة من التابعين أصحابُ عبد الله مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وشُريح بن الحارث، وعبد الله بن عُكَيم؛ في أمثالهم؛ يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها؛ يقولون: يا أيها الناس! إن الكلام اليوم وليس به غدًا، وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غدًا، وإنّ القتال يحلّ اليوم ويحرُم غدًا، انهضوا إلى خليفتكم، وعصْمة أمرِكم.

  21. وقام بالبصرة عمران بن حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون مثل ذلك، ومن التابعين كعب بن سُور، وهرِم بن حَيّان العبديّ، وأشباه لهما يقولون ذلك! وقام بالشام عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقولون مثل ذلك، ومن التابعين شريك بن خُباشة النُّميريّ، وأبو مسلم الخوْلانيّ، وعبد الرحمن بن غَنْم بمثل ذلك، وقام بمصر خارجة في أشباه له؛ وقد كان بعض المحضّضين قد شهد قدومهم، فلمَّا رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم.

  22. ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين مسجدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عثمان فصلَّى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدَى، اللهَ اللهَ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فامحوا الخطايا بالصواب؛ فإن الله عزّ وجلّ لا يمحو السيّئ إلّا بالحسن.

  23. فقام محمد بن مسلمة، فقال: أنا أشهدُ بذلك، فأخذه حُكَيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغِني الكتاب، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قُتَيرة فاقعده؛ وقال فأفظَع؛ وثار القوم بأجمعهم، فحصَبُوا الناس

    ج ٣ ص ٣٣٨حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صُرع عن المنبر مغشيًّا عليه، فاحتُمل فأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدَهم إلّا في ثلاثة نفر؛ فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حُذيفة، وعمَّار بن ياسر؛ وشمّر أناس من الناس فاستقتلوا؛ منهم سعد بن مالك، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ؛ فبعث إليهم عثمان بعزْمةٍ لَمَا انصرفوا. فانصرفوا، وأقبل عليٌّ عليه السلام حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزُّبَيْر حتى دخل عليه؛ يعودُونه من صرعته؛ ويشكُون بثّهم، ثم رجعوا إلى منازلهم. (١) (٤: ٣٤٨/ ٣٤٩ / ٣٥٠/ ٣٥١ / ٣٥٢/ ٣٥٣) .

    1. (١)إسناده ضعيف والمتن متكون من عدة مقاطع لأغلبها ما يؤيدها كما سنذكر إلّا أن فيه مقطعًا يخالف ما ورد في الروايات الصحيحة وهي عبارة: وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم ... إلخ ص ٥١). فقد أخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة (٢/ ٥٦١) عن عائشة قالت: لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عهد سأصبر عليه، قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إليه فيما يكون من أمره. وصحح الألباني إسناده. وكذلك أخرج المحب الطبري في الرياض النضرة (٣/ ٦٨) عن شداد بن أوس حديثًا وفيه: ثم دخلوا على عثمان فقال له علي: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر وإني والله لأرى القوم إلا قاتلوك فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان: أنشد الله رجلًا رأى الله حقًّا وأقرّ لي عليه حقًّا أن يهريق في سبيلي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه فيّ. أما بقية مقاطع الرواية (٤/ ٢٤٣) فسنذكر ما يشهد لها بعد الرواية التالية.
  24. ٢٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، قال: قلت له: هل شهدت حَصْر عثمان؟ قال: نعم؛ وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد، فإذا كثُر اللغط جثوتُ على ركبتيّ أو قمت؛ فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله؛ فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة، يُعظمون ما صنعوا. وأقبلوا على أهل المدينة يتوعّدونهم؛ فبينا هم كذلك في لَغطهم حَوْل الباب، فطلع عثمان؛ فكأنما كانت نارٌ طَفِئت، فعمَد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل، فأقعده رجل، وقام آخر فأقعده

    ج ٣ ص ٣٣٩آخر، ثم ثار القوم فحصَبوا عثمان حتى صرُع، فاحتُمِل فأُدخِل، فصلى بهم عشرين يومًا، ثم منعوه من الصلاة (١) . (٤/ ٣٥٣) .

    1. (١)إسناده ضعيف ولكن أصل الرواية أي منع الوفود القادمة إلى المدينة لعثمان بن عفان رضي الله عنه في إمامة الناس في الصلاة عند البخاري في صحيحه، إذ أخرج عن عبد الله بن عدي بن الخيار: أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم. (فتح الباري ٢/ ٢٢١).
  25. ٢٤٥ - ما حدّثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو نضْرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريّ، قال: سمع عثمان أنّ وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، وكان في قرية له خارجة من المدينة -أو كما قال- فلمّا سمعوا به، أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه - قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة أو نحوًا من ذلك- قال: فأتوْه، فقالوا له: ادعُ بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، قال: فقالوا له: افتح التاسعة - قال: وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: {قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} . قال: قالوا له: قف، فقالوا له: أرأيت ما حَمَيتَ من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري! قال: فقال: امضِه؛ نزلت في كذا وكذا. قال: وأما الحِمَى فإنّ عمر حَمَى الحمى قبلي لإبل الصّدَقة، فلما وليت زادت إبلُ الصدقة فزدت في الحِمَى لما زاد في إبل الصدقة، امضِه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضِه، نزلت في كذا وكذا - قال: والذي يتولى كلام عثمان يومئذ في سنّك، قال: يقول أبو نضرة، يقول ذاك لي أبو سعيد، قال أبو نُضْرة: وأنا في سنك يومئذ، قال: ولم يخرج وجهي يومئذ، لا أدري - ولعله قد قال مرة أخرى: وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرَج. قال: فعرفها، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قال: فأخذوا ميثاقه - قال: وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطًا - قال: وأخذ عليهم ألَّا يشقوا عَصًا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم -أو كما أخذوا عليه- قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألّا يأخذ أهل المدينة

    ج ٣ ص ٣٤٠عطاء، فإنما هذا المال من قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين.

    قال: فقام فخطب، فقال: إنّي ما رأيت والله وفدًا في الأرض هم خير لحوْباتِي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ. وقد قال مرّة أخرى: خشيت من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضَرْع فليحتلب؛ ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال من قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فغضِب الناس، وقالوا: هذا مكر بني أميّة.

    قال: ثم رجع الوفد المصريون راضين؛ فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرّض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم، لمّ يفارقهم ويتبيَّنُهم. قال: قالوا له: مَا لَك؟ إن لك لأمرًا! ما شأنك؟ قال: فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر؛ ففتّشوه؛ فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلّبهم أو يقتلهم أو يقطّع أيديهم وأرجلَهم من خلاف. قال: فأقبلوا حتى قدِموا المدينة، قال: فأتوْا عليًّا، فقالوا: ألم تر إلى عدوّ الله! إنه كتب فينا بكذا وكذا؛ وإنّ الله قد أحلّ دمه، قم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم؛ إلى أن قالوا: فلم كَتبتَ إلينا؟ فقال: والله ما كتبتُ إليكم كتابًا قطّ؛ قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون!

    قال: فانطلق عليّ، فخرج من المدينة إلى قرية. قال: فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا! قال: فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلّا هو ما كتبتُ ولا أملَلْت ولا علمت. قال: وقد تعلمون أنّ الكتاب يكتَب على لسان الرّجل، وقد ينقَش الخاتم على الخاتم. قال: فقالوا: فقد والله أحلّ الله دَمك، ونقضت العهد والميثاق. قال: فحاصروه (١) . (٤: ٣٥٤ - ٣٥٥ - ٣٥٦) .

    1. (١)إسناده صحيح وكذلك أخرجه خليفة بن خياط في تأريخه: حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبي قال: قال نا أبو نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فقالوا: ادعُ بالمصحف فدعا به فقالوا: افتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ = = تَفْتَرُونَ} فقالوا له: قف أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لك أم على الله تفتري! فقال: امضه نزلت في كذا وكذا، فأقام الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زادت إبل الصدقة امضه، قال فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول: امضه نزلت في كذا وكذا فما يزيدون فأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطًا وأخذ عليهم ألا يشقوا عصًا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين فبينما هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ويفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطّع أيديهم وأرجلهم، فاقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليًّا فقالوا: ألم تر إلى عدوّ الله كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحل دمه فقم معنا إليه. قال: والله لا أقوم معكم قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابًا فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا كتابًا بكذا وكذا فقال إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يمين بالله لا إله إلّا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق، وحصروه في القصر رضي الله عنه (تأريخ خليفة / ١٦٩). وإسناده صحيح - وكذلك أخرجه ابن شبة في تأريخ المدينة من طريق سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: خطبنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: إن ركبًا نزلوا ذا الحليفة وإني خارج إليهم فمن شاء أن يخرج فليخرج؟ قال: فكنت فيمن خرج يعني: أبا سعيد - قال: فأتيناهم فإذا هم في حظائر سقفٍ، أبصرناهم من خلال الحائط وإذا شاب قاعد في حجره المصحف فقال: يا أمير المؤمنين {قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} فقال: إن عمر رضي الله عنه حمى حمى، وإن الصدقة زادت فزدت في الحمى، فمن شاء أن يرعى فليرع، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: يا أمير المؤمنين أحسنت! ثم قالوا: يا أمير المؤمنين هل على بيت الله إذن؟ قال: كنت أرى أن الجهاد أفضل من الحج فإن كان ذلك من رأيكم فقد أذنا للناس فمن أراد أن يحج فليحج، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين في خصال سألوه عنها فتاب منها ورجع عنها كل ذلك يقولون: قد أحسنت يا أمير المؤمنين. قال: فانفروا وتفرقوا ثم قام خطيبًا فقال: ما رأيت ركبًا كانوا في نفس أمير المؤمنين خيرًا من هؤلاء الركب. والله إن قالوا إلا حقًّا، وإن سألوا إلا حقًّا. فرجعوا إليه فأشرف عليهم فقال: ما رجعكم إليّ بعد إعطائكم الحق؟ قالوا: كتابك. قال: ويلكم لا تهلكوا أنفسكم وتهلكوا أمتكم والله إن كتبتها ولا أمليتها فقال الأشتر: إني والله لأسمع حلف رجل أراه قد مُكِر به ومُكِر بكم قال: فوثبوا عليه فوطؤوه حتى ثقل ثقلا قال: فوقف عليهم سعد بن مالك فقال: أفبما قتلكم! ! تركتموه وهو في خطيئته تطهر منها قتلتموه! ! = = فجعلوا يقرعونه بالرماح حتى سقط لجنبه وجعل يقول: هلّم فاقتلوني فلقد أصابت أمي اسمي إذ سمتني سعدًا. وأقبل الأشتر فنهاهم وقال: يا عباد الله اتخذتم أصحاب محمدًا بدُنًا؟ ! وخرج سعد يدعو ويقول: اللهم إني فررت بديني من مكة إلى المدينة وأنا أفرّ به من المدينة إلى مكة (أخبار المدينة المنورة ٦/ ٣ / ٣٥١) وقال الدويش في الحاشية: رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أبا سعيد مولى أبي أسيد وهو ثقة كما أشار إلى ذلك الهيثمي في (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٩). اهـ. قلنا: فهؤلاء ثلاثة من أئمة الحديث والتأريخ (الطبري، خليفة بن خياط، ابن شبة) ثلاثتهم رووا هذه الرواية المهمة من طريق أبي نضرة به، ولكن الطبري زاد زيادة لم نجدها عند خليفة ولا عند ابن شبة وهو قوله: (وقالوا: هذا مكر بني أمية) أما بقية الرواية فهي متفقة في المعنى عند الثلاثة إلا في مواضع يسيرة كقوله عند الطبري: (ثم أخذوا بأشياء لم يكن عنده منها مخرج) بينما العبارة غير موجودة أصلًا عند خليفة بل هي هكذا (فما يزيدون فأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطًا وأخذ عليهم ألّا يشقوا عصًا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين) أما عند عمر بن شبة فهي هكذا: (فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين في خصال سألوه عنها فتاب فيها ورجع عنها كل ذلك وهم يقولون: قد أحسنت يا أمير المؤمنين قال: فانفروا وتفرقوا). على أية حال هذه الرواية الصحيحة تبيّن أمورًا اتفق عليها المؤرخون الثلاثة: ١ - كان سيدنا عثمان واسع الصدر مهتمًا بأمور رعيته لا يحجبه عنهم حاجب وذهب بنفسه لملاقاة وفود الغاضبين عليه ليحاورهم ويجد ما عندهم ويرضيهم. ٢ - فنّد سيدنا عثمان ما راود الوفود من شبهات حول سياسته في إدارة الحكم. ٣ - اقتنعوا بما شرحه لهم أمير المؤمنين وخرجوا من عنده راضين. ٤ - قام بعض المغرضين بتزوير كتاب باسم أمير المؤمنين وزوروا ختمه وكذلك زوّروا كتابًا باسم سيدنا علي كل ذلك لأنهم لم يرضوا بالوئام والصفاء الذي عاد إلى صفوف الأمة المسلمة. ونعود إلى ذكر بقية الشواهد للرواية السابقة (٤/ ٧٤٤): ٢ - أخرج خليفة بن خياط في تأريخه قال: ثنا ابن علية قال أخبرنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: (قلت لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم، فائذن لنا. فقال: أذكر الله رجلًا أهرق في دمه، أو قال دمًا) (تأريخ خليفة / ١٧٣) وإسناده حسن. ٣ - أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". (فتح الباري ٤/ ٩٧).
  26. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٣٤١
  27. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٣٤٢