افتراء بروكلمان حول موقف سيدنا عثمان من الفتنة
٣ فقرات، ج ٣ ص ٣٥٤
- ج ٣ ص ٣٥٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = لما أقدم عليه ثم جاء عزمة فبايعت، فلما قالوا: يا أمير المؤمنين! فكأن صدع قلبي وانسكبت عبرة). افتراء بروكلمان حول موقف سيدنا عثمان من الفتنة يقول بروكلمان: [عندئذ طلب إليه الثائرون بتسليم أن يستقيل ما دام من الممكن أن يجري شيء كهذا من غير علمه، ولكن عثمان رفض في أنفة وكبر] (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٤) ولو قال بروكلمان عن غير عثمان رضي الله عنه أنه يتكبر؛ لكان الأمر أهون أما الرجل الذي يقطر حياء وأدبًا، ولو كان متكبرًا يا بروكلمان فكيف سمحت له الأنفة والكبرياء أن يخرج إليهم ويسمع من يمثلهم وهو شاب صغير بينما أمير المؤمنين قد طعن في السن! ! إن من الغرابة وليس من الغرابة في نفس الوقت أن تقول هذا، فمن الغرابة أن تقول هذا لأن الوقائع تكذب ما تقول وليس من الغرابة لأنك لا تفهم أو تريد ألا تفهم أو يفهم الناس السبب الحقيقي وراء رفض عثمان رضي الله عنه لطلب العزل والإقالة، وإليك ما صح سندًا ومتنًا حتى تتبين لك الأسباب الحقيقية لهذا الرفض: أخرج ابن ماجه في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عثمان! إن ولّاك الله هذا الأمر يومًا، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه" يقول ذلك ثلاث مرات، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٢٥). وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عهد سأصبر عليه. قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إليه فيما يكون من أمره) وصححه الألباني (السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٥٦١). وأحاديث كثيرة ذكرت في فضائل الصحابة تؤكد: أن إصراره على عدم التنازل عن الخلافة كان امتثالًا منه لأوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكان رحمه الله ورضي عنه يعلم أنه سيقتل فأيَّة أنفة وأيُّ كبر يا بروكلمان! أم أنه الكبر الذي ورثته من أسلافك المستشرقين الذي يأنفون ويتكبرون أن يروا حضارة لا تمتُّ إلى الغرب بصلة ولها تأريخ مشرف لا تحلمون حتى به ناهيك عن وقوعه في بلادكم، وهذه مذابح الثورة والثورة المضادة في أيام الثورة الفرنسية ومذابحها الرهيبة خير شاهد وليس ببعيد وكم وكم وكم من أمثلة؟ ويقول بروكلمان أيضًا: (فانقضُّوا على المنزل من الأرض المجاورة وقتلوا الخليفة الذي كان يتلو القرآن في هدوء من غير أن يشترك في المعركة) (تأريخ الشعوب / ١١٤). ويا ليت بروكلمان بيّن لنا ما السبب في هذا الهدوء العجيب الذي تحلّى به الخليفة وهو محاصر بين سيوف شهرت للانقضاض عليه، وهذه رواية تبين السبب وتبطل العجب: فقد أخرج أحمد في فضائل الصحابة عن مسلم (أبي سعيد) مولى عثمان رضي الله عنه قال: (أعتق عثمان بن عفان عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل، فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا في إسلام، قال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارحة في النوم، ورأيت أبا بكر، وعمر، =
- ج ٣ ص ٣٥٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه). وقال محققه وصي الله: وإسناده حسن (فضائل الصحابة ١/ ٤٩٧). وأخيرًا فإن بروكلمان يفجّر قذيفة أخرى من قذائف الحقد والدس على التاريخ الإسلامي فيقول: (فحاصروه في منزله حيث لم يدافع عنه غير نفر قليل من أنسابه وبعض الموالي والعبيد، أما المحرضون الفعليون للثورة: علي، وطلحة، والزبير؛ فآثروا أن يتباعدوا إنقاذًا للمظاهر) (تأريخ الشعوب / ١١٤). أما قول بروكلمان: (فحاصروه في منزله حيث لم يدافع عنه غير نفر قليل) فالروايات الصحيحة المستفيضة تذكر: أن الصحابة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره طلبوا من الخليفة أن يأذن لهم فيهجموا هجمة رجل واحد، ويذبحوا جيش الخارجين عن المدينة، ولكنه أقسم عليهم ألّا يريقوا دمًا من أجل الدفاع عنه، فسمعوا، وأطاعوا للخليفة، وطاعته واجبة. وهذا سيدنا علي خير شاهد على نكذيب بروكلمان؛ إذ يقول عنه شداد بن أوس: فرأيت علي بن أبي طالب خارجًا من منزله معتمًا بعمامة رسول الله متقلدًا سيفه أمامه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار ... إلخ وفيه: يقول علي: فمرنا فلنقاتل فقال عثمان: أنشد الله رجلًا رأى حقا وأقرّ أن لي عليه حقًّا أن يهريق في سبيلي ملء محجمة من دم، أو يهريق دمه فيّ، فأعاد علي رضي الله عنه عليه القول، فأجابه بمثلٍ ما أجابه. قال (أي: شداد بن أوس الصحابي الجليل راوي الحديث): فرأيت عليًّا خارجًا من الباب وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا بذلنا المجهود. (المحب الطبري / الرياض النضرة ٣/ ٦٨). وأخرج ابن سعد في طبقاته: أن زيد بن ثابت رضي الله عنه جاء إلى عثمان رضي الله عنه وهو محاصر في الدار فقال زيد: (هذه الأنصار في الباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله. مرتين. قال: فقال عثمان: أما القتال فلا) الطبقات الكبرى (٣/ ٧٠) وابن أبي شيبة (٨/ ٦٨٢) وإسناده صحيح والله أعلم. وأخرج ابن سعد (الطبقات ٣/ ٧١) عن ابن سيرين قال: كان مع عثمان يومئذ في الدار سبعمئة لو يدعهم لضربوهم إن شاء الله حتى يخرجوهم من أقطارها؛ منهم ابن عمر، والحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، وإسناده صحيح. قلنا: وإذا كان في الدار فقط (٧٠٠) فما بال الذين في أرجاء المدينة الأخرى؟ ! والحق يقال: إن جمع الصحابة قد تفرق عن الدار بأمر أمير المؤمنين فاستغل القتلة ذلك وتسوروا الدار فقتلوه رضي الله عنه. ولكن الصحابة مع ذلك لم يتحملوا أن يتركوه وحده تماما وبالذات الذين ذكرهم، فهم كانوا بين أمرين: الطاعة لأمر الخليفة، والخوف عليه إن أطاعوه وتركوه وحده، وتوفيقًا بين الأمرين خرجوا ولكنهم تركوا حوله فلذات أكبادهم (أبناءهم) الذين هم قرة أعينهم تركوهم ليدافعوا عن الخليفة المظلوم؛ فهل كان (عبد الله بن الزبير) من أنسبائه أم كان ابنًا للزبير الذي يزعم بروكلمان زورًا: أنه المحرض الفعلي للثورة؟ وماذا يقول =
- ج ٣ ص ٣٥٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = بروكلمان عن الحسن بن علي هل هو من أقربائه، وإذا كان مروان بن الحكم من أقربائه فماذا عن البقية وهل يضحي الإنسان في هذا الموقف العصيب بولده؟ وإذا كانوا محرّضين حقيقيين للثورة فلماذا يجازفون بأولادهم في سبيل حماية من ثاروا ضده؟ ! ألا إنه التغاضي عن الحقائق. ولقد أثبتنا بالروايات الصحيحة: أن عليًّا رضي الله عنه لم يكن يومًا محرّضًا على الخروج على أمير المؤمنين عثمان ولم ترد رواية صحيحة تؤكد ذلك عن الزبير. ولم نجد رواية صحيحة ولا واحدة عن اشتراك أحد من الصحابة في قتل سيدنا عثمان، فهم برآء من دمه وعلى رأسهم علي رضي الله عنه، ولم نجد رواية واحدة صحيحة تثبت اشتراك الصحابة في التحريض على الفتنة إلّا طلحة بن عبيد الله وحتى طلحة هذا فقد ثبت أنه تراجع عن رأيه قبل مقتل عثمان بأيام وانسحب من جمع القوم الخارجين على مرأى ومسمع من الناس، وأعلنها بأعلى صوته أن نعم لما يقوله الخليفة المظلوم. أشرف عثمان على المسجد فإذا طلحة جالس في شرق المسجد قال: يا طلحة! قال: لبيك قال: نشدتك بالله هل تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من يشتري قطعة يزيدها في المسجد، فاشتريتها من مالي، قال طلحة: اللهم نعم، فقال: يا طلحة قال: لبيك قال: نشدتك بالله هل تعلمني حملت في جيش العسرة على مئة؟ قال طلحة اللهم نعم. ثم قال طلحة: اللهم لا أعلم عثمان إلا مظلومًا. رواه الدارقطني في فضائل الصحابة (الرياض النضرة للمحب الطبري ٣/ ٥٧). وفي رواية أخرى نحو هذه أخرجها الحافظ ابن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه: أنه شهد حصار عثمان وفيه أن عثمان حاور طلحة حوارًا رقيقًا ثم قال في آخره: يا طلحة نشدتك بالله أتعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنه ليس من نبي إلّا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة وإن عثمان بن عفان هذا -يعني- رفيقي في الجنة فقال طلحة: اللهم نعم، ثم انصرف (البداية والنهاية ٧/ ١٨٦) ومع أن طلحة رضي الله عنه قد تراجع عن موقفه بعدما أدرك صواب موقف عثمان وابتعد عن الفتنة ثم برئ من المشاركة في حصار وقتل سيدنا عثمان، إلّا أنه ظل طول حياته يتألم من ذلك ويندم وبالغ في الندم حتى أنه خرج للمطالبة بدمه كما وردت بذلك رواية صحيحة عند ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٦٤ / ح ١٩٦٢٧) عن حكيم بن جابر قال: سمعت طلحة بن عبيد الله يوم الجمل يقول: إنا كنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد بدًّا من المبالغة) وهذه الرواية تحتمل معنيين، المعنى الأول: أنه رضي الله عنه سارع في بيعة علي لأنه داهن في موقف الفتنة ولم يدافع عن عثمان بأعلى صوته كما فعل عبد الله بن عباس، علمًا بأن موقف طلحة كان معاتبة ولم يكن مطالبة بالقتل وحاشاه أن يفعل، والمعنى الآخر: أنه بالغ في ندمه على مشاركته في معاتبة عثمان ومحاسبته حتى أنه خرج يطالب بدمه مبالغة في إظهار الندم، ويؤيد هذا المعنى الثاني إحدى روايتي الحديث: (إنا كنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد بدًا من المبالغة) ونحن نرجح المعنى الثاني، والدليل على هذا الرجحان أن لصحابي آخر موقفًا ليس ببعيد، فعبد الله بن عمر فبالرغم من أنه لم يشارك في الفتنة واعتزلها =