أسباب الفتنة أيام أمير المؤمنين عثمان ودور السبئية فيه أتباع عبد الله بن سبأ
٤ فقرات، ج ٣ ص ٣٥٧
- ج ٣ ص ٣٥٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = إلا أنه ندم بعد مقتل سيدنا عثمان لأنه لم يشارك في تكذيب الخارجين عليه وحثهم عن الرجوع عن المدينة. كما روى البلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٥٩٥) عن طريق نافع بن عمر رضي الله عنهما قال: ما زال ابن عباس ينهى عن قتل عثمان ويعظم شأنه حتى جعلت ألوم نفسي على أن لا أكون قلت مثل ما قال: أي: أنه رضي الله عنه كان يتمنى أنه قد نهى الناس عن التحريض على الفتنة وتخويفهم من إثم ذلك وندم على تركه ذلك الفعل، وهكذا طلحة ندم على إصغائه بعض الوقت للإشاعات وعلى عدم مقارعته لمثيري الفتنة بالحجة والبرهان، وإن كانت مشاركته رضي الله عنه لم يكن بدليل قطعي، وإنما كان اجتهادًا منه، ثم تبين له بعد ذلك: أنه اجتهاد خاطئ كما قال الذهبي في تفسير قوله: (إنا كنا داهنا في أمر عثمان) إن المداهنة هنا (تمغفل وتأليب فعله باجتهاد) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥). أسباب الفتنة أيام أمير المؤمنين عثمان ودور السبئية فيه أتباع عبد الله بن سبأ أما عن أسباب الفتنة فقد راجعنا ما كتب الباحثون والمهتمون بالتاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا ومقارنته بما صح رواية في موضوع الفتنة خلصنا إلى هذه الأسباب: ١ - عند انتهاء النصف الأول من خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه كانت الفتوحات الإسلامية بلغت أوسع مدى لها مقارنة بالسنين الماضية من الفتوحات، ولقد استشهد في هذه المعارك كثير من الصحابة الأجلاء بالإضافة إلى ما استشهد منهم في معارك الردة في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، مما اضطر سيدنا عثمان للسماح للعرب المسلمين (الذين ارتدوا في الماضي ثم رجعوا بعد ذلك) بالمشاركة في الفتوحات، فكانت الفتوحات بابا واسعًا دخل منه كثير من أعراب الجزيرة واليمن، ولم يكن هؤلاء بالدرجة المناسبة من التربية الإيمانية والتعليم الشرعي بحيث يكونوا مؤهلين لفهم إنجازات سيدنا عثمان لجمع الناس على مصحف وما إلى ذلك، بالإضافة إلى حسد بعضهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين فتح الله عليهم بالغنائم فانتعشت أحوالهم المعاشية، فتصوروا ذلك ثراء غير مشروع ونسوا أو تناسوا: أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم سبقوا إلى الإسلام، وضحوا بالغالي والنفيس، وعانوا الأمرّين، واستشهد منهم المئات بينما تأخر هؤلاء الأعراب والقبائل في إسلامهم، ثم ما لبثوا أن نقضوا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتدوا وحاربوا هؤلاء الصحابة مرة أخرى وقتلوا منهم من قتلوا، ولكنه الحسد يعمي الأبصار والبصائر فلا يرى إلا نعمة الغير، وبعض هؤلاء والله أعلم كانوا طرفًا من أطراف الفتنة. ٢ - إن فتح المسلمين لبلاد مختلفة أي بالنتيجة إلى دخول أقوام شتى مختلفة المشارب والمذاهب في دين الإسلام منهم نصارى العرب في العراق والشام ومنهم الفرس ومنهم الأقباط وما إلى ذلك، وكان من هؤلاء نفر يحملون في أنفسهم حقدًا على الإسلام من أمثال الذي قتل سيدنا عمر وغيرهم كثير هنا وهناك كانوا يتحينون الفرص للنيل من عزة الإسلام =
- ج ٣ ص ٣٥٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = والطعن في عدالة أئمة المسلمين وكان هؤلاء النفر طرفًا من أطراف الفتنة، والذي ثبت أن من هؤلاء النفر من حرّض على الفتنة وقدم من العراق ومصر، وثبت كما سبق بالسند عن كنانة مولى صفية قال: قتله رجل من أهل مصر يقال له: جبلة (المطالب العالية ٤ / ح ٤٤٥٢) وحسن المحقق إسناده. وفي رواية أخرى: رأيت قاتل عثمان في الدار رجلًا أسود من أهل مصر (الطبقات الكبرى ٣/ ٨٣) وإسناده صحيح وسبق أن ذكرنا رواية خليفة: قتله أعلاج من أهل مصر. ٣ - كان بعض الشباب المتحمس للإسلام والذي لم يفقه الإسلام كما فقهه الصحابة لا يفهمون ما اجتهد عثمان في باب السياسة الشرعية، وقد كان عمر رضي الله عنه ومن قبله أبو بكر رضي الله عنه قد اجتهدا وفعلا ما فعل سيدنا عثمان، ولكن طوائف من الناس وعلى رأسهم هؤلاء الشباب لم يفهموا ذلك، فأبو بكر رضي الله عنه جمع القرآن في مصحف من قبل فلم تحدث الفتنة وعزل سيدنا عمر أناسًا وعين عمالًا آخرين فلم لم تحدث الفتنة؟ ! ، وزاد سيدنا عمر في الحمى ولم تحدث فتنة من أجل ذلك، فلم حدثت في عهد سيدنا عثمان؟ ! ، إنه سبب مهم ولذلك نفرده بسبب مستقل وإن كان متممًا للسبب الثالث فنقول: ٤ - إن الشطر الثاني من عهد سيدنا عثمان وكذلك فترة خلافة سيدنا علي عصر يختلف عن عصر أبي بكر وعمر، فسيدنا عمر لم يكن محققًا للعدالة بجهوده الفردية وإنما كان يعتمد في ذلك على قاعدة قوية من رعايا أو (محكومين) على مستوى عالي من التربية الإيمانية، ولكن عدد هؤلاء قل، أو قلت نسبتهم بدخول الجموع الغفيرة (من الأقوام الحديثة الإسلام) في المجتمع الإسلامي وهجرة كثير من الصحابة إلى أماكن الفتوح والأمصار التي بيت حديثًا، فالأداة التنفيذية لم تبق على حالها في النصف الأخير من عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه وكان من بين هؤلاء الشباب بعض أولاد الصحابة مثل محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، وكان من حماس محمد بن أبي بكر وعدم إدراكه لما عند سيدنا عثمان من فقه واسع نقول: كان لذلك الحماس وعدم الإدراك أثر في مشاركة محمد بن أبي بكر في الفتنة ولكنه تراجع في نهاية المطاف، وكذلك محمد بن أبي حذيفة الذي أكرمه عثمان رضي الله عنه إكرامًا لوالده الذي قتل في حروب الردة، والروايات التي تذكر دور محمد بن أبي حذيفة في إثارة الفتنة بين أهل مصر ضد عثمان هي روايات ضعيفة سواء عند الطبري أو غيره، والرواية الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح تذكر: أن ممثل أهل مصر كان شابًّا يشير إلى سيدنا عثمان أن يقرأ سورة السابعة ظنًّا من هذا الأب وأمثاله أن عثمان بن عفان نسي هذه الآية ولم يعلم معناها، وهذا الظن محض جهل، ولقد فند سيدنا عثمان كل شبهاتهم واحدة بعد الأخرى كما مر بنا في قسم الصحيح فلا داعي للإعادة هنا. ٥ - يبقى هنالك بُعْدٌ غامض في إذكاء نار الفتنة، وهذا البعد محل خلاف بين الباحثين =
- ج ٣ ص ٣٥٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = المعاصرين وإن كان محل إجماع كثير المصادر التأريخية المتقدمة والمتأخرة، ونعني بذلك دور عبد الله بن سبأ ومن على شاكلته: ولقد انقسم المعاصرون في حقه إلى طوائف: ١ - الطائفة الأولى: بالغت في إبراز دور عبد الله بن سبأ والسبئية من أمثال سعيد الأفغاني في كتابه (عائشة والسياسة) وهو باحث سني. ٢ - الطائفة الثانية: بالغت في تقليل دور عبد الله بن سبأ والسبئية إلى حد إنكار وجود هذه الشخصية التأريخية من أمثال مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى) وهو باحث شيعي. ٣ - الطائفة الثالثة: لم تنكر دوره ولكن بين هؤلاء وهؤلاء، ولقد استقرأ سليمان بن حمد العودة في كتابه (عبد الله بن سبأ) معظم كتابات المعاصرين عن شخصية ابن سبأ ودوره في إحداث الفتنة، ولقد حصل على رسالة الماجستير برسالته هذه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكتابه المذكور ثري بمادة علمية غزيرة فصّل فيها وأجاد وأغنانا عناء التفصيل فجزاه الله خيرًا، ولكنا هنا نذكر زبدة أو خلاصة ترجّح لدينا والله أعلم فنقول وبالله التوفيق: أولًا: أما نفي مرتضى العسكري لوجود شخصية عبد الله بن سبأ فنفي لا يستند إلى دليل قوي، وهو تغافل عن حقائق تأريخية وإنكار حتى لمصادر التأريخ والفقه الشيعي (الذي يعتبر من رواده المعاصرين) ولقد سبق إلى ذلك كل من علي الوردي وآخرين من كتاب الشيعة ولسنا بصدد مناقشة حول تضعيف أو تقوية ما أورده الكيثي من روايات مسندة عن عبد الله بن سبأ، فلسنا مختصين في كتب رجال الشيعة ولكننا نحاوره في نقده للروايات المنقولة في كتب السنة. وخلاصة قوله: إن سيف بن عمر التميمي هو المصدر الرئيس لذكر عبد الله بن سبأ كما في تأريخ الطبري بالإضافة إلى كتب الملل والنحل التي ذكرت ابن سبأ بلا إسناد، ثم اعتمد من جاء بعدهم على مرويات سيف أو أقوال أهل الملل والنحل كابن إسماعيل الأشعري والشهرستاني وغيرهم. وعندما يتحدث عن مؤرخ موثوق ومشهور كابن عساكر، وابن حجر، والذهبي فإنه يقول: هؤلاء وغير هؤلاء نهلوا من معين سيف تارة وأخرى من معين مؤلفي الفرق والملل والنحل (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى / ١٧١). ويبدو أن مرتضى العسكري يعتقد: أن القراء لا يستطيعون الرجوع إلى هذه المصادر التي ذكر بعضها وتغافل عن بعضها الآخر أو يتمنى العسكري ذلك، وردًا على كلام العسكري، وجواد مغنية، وعلي الوردي نقول: ١ - ليس الجاحظ بأول من ذكر عبد الله بن سبأ وإنما ذكره من قبل حبجب البغدادي (٢٤٥ هـ) في كتابه (المحبّر / ٣٠٨). ٢ - وذكر عبد الله بن سبأ يعود إلى قبل ذلك بقرن ونصف من الزمان، فقد أخرج ابن عساكر =
- ج ٣ ص ٣٦٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = في تأريخ دمشق بسنده الموصول إلى الإمام الجليل عامر الشعبي الذي ولد في عهد سيدنا عمر وتوفي سنة (١٠٣ هـ) كما في ترجمة عبد الله بن سالم وعبد الله بن أبي عائشة) من تأريخ دمشق عن الشعبي قال: أول من كذب عبد الله بن سبأ، وهذه الرواية ليست من طريق سيف كما يدعي مرتضى العسكري. ٣ - وكذلك ذكر ابن سبأ إمام آخر وهو الحسن بن محمد بن الحنفية الذي توفي سنة ٩٥ هـ وعلى قول الذهبي (الكاشف ١/ ٢٧) فقد ذكره في رسالته الإرجاء قائلًا: (ومن خصومة السبئية التي أدركنا إذ يقولون: هدينا لوحي ضلّ عنه الناس) ولم نطلع على هذه الرسالة التي اطلع عليها سليمان حمد العودة في مخطوط باسم الإيمان، رسالة الإرجاء للحسن بن محمد بن الحنفية ص ٢٤٩ / ب (عبد الله بن سبأ) ص ٥٤. ٤ - يبدو أن العسكري يتغاضى عن إمامين حافظين متقدمين ذكرا روايات مسندة عن ابن سبأ من طريق لا يمر بسيف الراوي، وأحدهما هو أبو يعلى (في مسنده) والثاني ابن أبي عاصم في كتاب السنة. أما ابن أبي عاصم فقد أخرج قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن حسن الأسدي حدثنا هارون بن صالح عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي الجلاس قال: سمعت عليًّا يقول لعبد الله السبائي: ويلك ما أفضى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء كتمه أحد من الناس ولقد سمعته يقول: "إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا وإنك منهم". وأبو الجلاس كوفي من الثالثة مجهول الحال، إلا أن لابن عساكر روايات صحيحة أو حسنة سنأتي على ذكرها، ولكنا ذكرنا رواية ابن أبي عاصم حتى نؤكد ورود خبره من غير طريق سيف عند غير واحد من أئمة الحديث علمًا بأن هذه الرواية أخرجها كذلك الحافظ أبو يعلى في مسنده (١/ ١٢٨). ٥ - أما ابن عساكر فقد أخرج في تأريخ دمشق (ترجمة عبد الله بن سالم) روايات عدة نذكر منها: قال ابن عساكر: قرأنا على أبي عبيد الله بن يحيى بن الحسن عن أبي الحسين الدنبوسي أن أحمد بن عبيد بن الفضل ح، وعن أبي نعيم محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز: أن علي بن محمد بن خزفة قالا: نا محمد بن الحسين نا ابن أبي خيثمة نا محمد بن عمار نا سفيان عن عمار الدهني قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت المسيب بن نجبة أتى به يلببه -يعني: ابن السوداء- وعلي على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله. والرواية الأخرى عند ابن عساكر: أنا أبو محمد بن أبي نصر: أن خيثمة بن سليمان نا أحمد بن زهير بن حرب نا عمرو بن مرزوق: أن شعبة عن سلمة بن كهيل قال علي بن أبي طالب: ما لي ولهذا الحميت الأسود -يعني: عبد الله بن سبأ- وكان يقع في أبي بكر وعمر. =