حقيقة تأريخية لا يفهمها المستشرقون

٧ فقرات، ج ٣ ص ٣٩٠

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وطلحة رضي الله عنهم إلى جانب طلب الإسراع بالقصاص من قتلة سيدنا عثمان رضي الله عنه. وهناك رواية أخرى تؤكد القصد الإصلاحي لخروج الصحابة الثلاثة رضي الله عنهم إلى البصرة، فقد أخرج الحاكم من طرق المستدرك (٣/ ٣٦٦) و (٣/ ٣٦٧) وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٢) حديثًا طويلًا يفيد: أن الزبير عزم على الرجوع والانحياز خارجًا فاعترضه ابنه عبد الله قائلًا: (ما لك؟ قال: ذكرني علي حديثًا سَمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإني راجع، وقال ابنه: وهل جئت للقتال؟ إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح هذا الأمر). وقال الذهبي: والحديث فيه نظر (٣/ ٣٦٦). ولقد ذكر ابن كثير طرق هذه الرواية عند البيهقي وغيره وقال بعد ذلك: وعندي أن الحديث الذي أوردناه إن كان صحيحًا عنه فما رجعه سواه (البداية والنهاية ٧/ ٢٥٣) وأما الأستاذ خالد بن محمد الغيث فقد ذكر طرق الحديث وما فيها من علل وخلص إلى أن الحديث ضعيف الإسناد (استشهاد عثمان / ٢٠٢) والله تعالى أعلم. حقيقة تأريخية لا يفهمها المستشرقون بعد سردنا لهذه الأدلة الصحيحة الدامغة القاطعة نقول: إن المؤرخين الغربيين: لا يفهمون الجانب الروحي من التأريخ الإسلامي، وإذا فهموه؛ فهم في شك منه فهم لا يعرفون تفسيرًا للتأريخ إلّا من خلال المصالح الاقتصادية والعوامل المادية الأخرى، ولكنهم لا يدركون البعد المعنوي للتأريخ الإسلامي والذي يتجلّى حتى في أحلك الظروف وأقساها؛ فهذا هو طلحة يندم لأنه يسكت عن الذين ظلموا سيدنا عثمان وخرجوا عليه وألّبوا الناس عليه، فكان الزبير يحسّ في قرارة نفسه أنه مقصر في حق سيدنا عثمان فلم يدافع عنه كما كان يجب ولم يقف في طريق السبئية ومثيري الفتنة، فلما أن قتل المجرمون سيدنا عثمان حزّ في نفس الزبير ألمًا وحسرة فخرج يطالب بدمه وكان يتمنى أن ينال المتاعب والمشاق عسى أن تكون كفارة لقعوده وقصوره عن نصرة سيدنا عثمان بل كان يتمنى أن يُسفك دمه كما سُفك دم عثمان رضي الله عنهما عسى أن يكون بذلك قد كفر عن إثم القعود. ولقد أخرج الحافظ أبو نعيم الأصفهاني من طريق محمد بن إسحاق السراج ثنا محمد بن الصباح أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة يوم الجمل: اللهم! إن كنا هادنًا في أمر عثمان رضي الله عنه وإنا لا نجد من الممانعة اللهم فخذ لعثمان مني حتى يرضى. (كتاب الإمامة ٣٢٧ / ح ١٣٤). قلنا: وهؤلاء الرواة ثقات والله تعالى أعلم. ٤ - كانت السيدة عائشة رضي الله عنها والزبير وطلحة رضي الله عنهما ينوون الإصلاح بين الناس، وكان اعتقادهم الراجح أن الناس يستحون من منزلة أم المؤمنين فيهدؤون =
    ج ٣ ص ٣٩٠
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ولا يتنازعون والفتنة كانت على أوجها بين أهل البصرة كما تصف الرواية الصحيحة الإسناد عند خليفة بن خياط في تأريخه (١٨٢) عن أبي رجاء العطاردي: أتيت طلحة بن عبيد الله وقد غش ٤ يه الناس وهو على دابته فجعل يقول: يا أيها الناس أتنصتون؟ فجعلوا يركبونه ولا ينصتون فقال: أف أف فراش نار وذبان طمع. وكانت السيدة عائشة ترى أنها بمنزلتها في قلوب المسلمين فهي أمهم بنص كتاب الله كما في (مغازي الزهري / ١٥٤) أن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا. ويؤيد رواية الزهري هذه ما ذكرنا من رواية أحمد الصحيحة من أن الزبير حثّها على عدم الرجوع عسى أن يراها الناس فيصلح الله بها بينهم. ٥ - كان خروج سيدنا علي رضي الله عنه قاصدًا الكوفة ولكن عند وصوله إلى ذي قار علم بالاضطراب الشديد الحاصل في البصرة كما وصفت رواية خليفة السابقة، وخشي أمير المؤمنين على أن تحدث فتنة أعظم من الفتنة في عهد سيدنا عثمان فقصد البصرة من ذي قار ومعه أهل الكوفة، والروايات الصحيحة تؤكد أن الطرفين كانا حريصين كلّ الحرص على تجنب القتال وحلّ المسألة سلميًّا، ولكن قتلة عثمان ومثيري الفتنة كالسبئية وغيرهم لم يرق لهم الصلح فحرّضوا بين الطرفين وهكذا اشتعل القتال كما تؤكد المصادر التأريخية الموثوقة ومع ذلك بقي أعيان الصحابة وعلى رأسهم علي وطلحة والزبير وعائشة موقف المدافع قدر الاستطاعة خشية إراقة المزيد من الدماء، ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله: (ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر، فأثاروا الفتنة، وبدؤوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير وقالوا لعلي: إنهم حملوا قبل ذلك، فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفاعًا عن نفسه، ولم يكن لعلي ولا طلحة والزبير غرض في القتال أصلًا وإنما كان الثأر من قتلة عثمان) (منهاج السنة ٦/ ٤٦٦). ٦ - ولم يكن أحد من الطرفين مدافعا عن قتلة عثمان أو صحبًا لهم وإنما كانا يدعوان على هؤلاء القتلة علمًا منهما بأنهما هم أساس الفتنة، كما أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٥) بسند صحيح عن محمد بن الحنفية قال: (بلغ عليًّا: أن عائشة تلعن قتلة عثمان في المربد، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: وأنا ألعن قتلة عثمان لعنهم الله في السهل والجبل. قال مرتين، أو ثلاثًا). ٧ - لم يكن لأحد من الطرفين من الصحابة رغبة في القتال وأثناء المعركة كان أحدهم يتمنى أن يقتل مظلومًا، وبعد انتهاء المعركة القصيرة التي دامت لفترة ما بين الظهر وغروب الشمس تألم الطرفان ألمًا شديدًا، فالقتال لم يكن هدفهم وإنما الصلح كان هدف الطرفين وما كان بحسبان الطرفين أن الأمر سيصل إلى القتال ولكن مثيري الفتنة أشعلوا القتال بين الطرفين فقتل من قتل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. =
    ج ٣ ص ٣٩١
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = فقد أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة بسند صحيح (٢/ ٥٨٩) عن قيس بن عباد رضي الله عنهم قال: قال علي رضي الله عنه لابنه الحسن يوم الجمل: يا حسن ليت أباك مات من عشرين سنة، قال فقال له الحسن: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني لم أو الأمر يبلغ هذا. وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٨٢) وجوّد الهيثمي إسناده (المجمع ٩/ ١٥٠) أي أنه لم يكن يظن أن الأمر يصل إلى درجة القتال واقعًا بين الطرفين. وكذلك بالنسبة للطرف الآخر فقد أخرج البزار في البحر الزخار (٣/ ١٩٠) وأحمد في (المسند ١/ ١٦٥) عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: قلنا للزبير -يعني في قصة الجمل-: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل -يعني: عثمان- بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه -يعني: بالبصرة- فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} (لم نكن نحسب أنّا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت). وكذلك أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٢١٨) عن الحسن البصري قال: (قال الزبير: لقد خوفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ظننا أن خصصنا بها). وهاتان الروايتان تبين لنا أمرين: الأول: أن الزبير رضي الله عنه لم يكن هدفه القتال حين خروجه صوب البصرة -والأمر الثاني: أن الزبير أكد أنه لم يكن من المجموعة (الخاصة) التي شاركت في فتنة عثمان وإنما كان من (العامة) الذين لم يظلموا سيدنا عثمان في حقيقة الأمر. الطابع الدفاعي للمعركة: بعد ما تبيّن لنا نوايا الطرفين وأنهما ما كانا يقصدان القتال، ولم يكونا يتوقعان ذلك يومًا من الأيام نقول: لعلّ أحد المبتدعة يقول فلماذا إذًا تقاتلوا؟ فنقول وبالله التوفيق: إن قيادة الجيشين من الصحابة ومن معهم من التابعين كانوا يتحاشون القتال قدر المستطاع ولكن مثيري الفتنة، والسبئية، وقتلة عثمان حرّشوا بين الصفين وحملوا عليهما فبدأ القتال الذي لم يتمناه علي ولا طلحة ولا الزبير ولا عائشة، وحتى الذين كانوا مع السيدة عائشة رضي الله عنها قاتلوا دفاعًا عنها لأنها أم المؤمنين وبقية مما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والحديث الذي أخرجه الطبري في تأريخه خير دليل على كلامنا هذا؛ فقد أخرج (٤/ ٥٠٣) عن حجير بن ربيع (وهو تابعي جليل) أنه قال: قال لي عمران بن حصين سر إلى قومك أجمع ما يكونون فقم فيهم قائمًا فقل: أرسلني إليكم عمران بن حصين صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليكم السلام ورحمة الله، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لأن يكون عبدًا حبشيًّا مجدَّعًا يرعى أعنزًا حضينات في رأس جبل حتى يدركه الموت أحبّ إليّ من أن يرمى بسهم واحد بين الفريقين؛ قال: فرفع شيوخ الحيّ رؤوسهم إليه، فقالوا: إنا لا ندع ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشيء أبدًا. وإسناده حسن صحيح. =
    ج ٣ ص ٣٩٢
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وهذا يعني: أن قبيلة حجير بن ربيع لم يصبروا على أن يروا هودج أم المؤمنين يضرب بالنبال وهم ساكتون فأرادوا أن يدفعوا عنها وأقسموا على ذلك وإن كان ذلك غالي الثمن من حياتهم، فهي رخيصة عندهم دفاعًا عن زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة. ولقد ذكرنا مرارًا في أماكن أخرى: أن سيدنا عليًّا رضي الله عنه اتبع كل وسيلة لمنع حدوث القتال بين الصفين، وكذلك السيدة عائشة عندما أرسلت قاضي البصرة ودفعت إليه بمصحف فوقف بين الصفين ليوقف القتال ولكن جاء أجله فرحمه الله. ٨ - ولم يتوانَ الطرفان في بذل كافة مساعيهم الحميدة لمنع حدوث المصيبة باقتتال المسلمين حتى قبل المعركة بلحظات لم يتوقف كل طرف من محاولة تهدئة الآخر خشية وقوع ما لا يحمد عقباه من الاقتتال، كما فعل أمير المؤمنين علي مع الزبير وطلحة وعائشة رضي الله عنهم ولم يمنعه منصبه كإمام عام للمسلمين أن يحاورهم بنفسه عسى أن يستنقذ ولو نفسًا واحدة من القتال؛ فيلقى الزبير ويحاوره ويستجيش في نفسه معاني الأخوة الإيمانية والسمع والطاعة فيقنع الزبير ويخرج من ساحة المعركة قبل بدء القتال. كما قال الحافظ ابن حجر: روى ابن أبي خيثمة في (تاريخه) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (إنا لمع علي لما التقى الصفان فقال: أين الزبير؟ فجاء فجعلنا ننظر إلى يد علي يشير بها، إذ ولّى الزبير قبل أن يقع القتال). وكما أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا علي بن عاصم عن حصين عن عمرو بن جأوان عن الأحنف قال: لما انحاز الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع (تاريخ خليفة / ١٨٦) ورجاله ثقات غير عمرو بن جأوان فقد وثقه ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة. وكذلك أخرج يعقوب بن سفيان في المعرفة والتأريخ (٣/ ٤٠١) من طريق عمرو بن جأوان قال: (فانطلق الزبير منصرفًا فقتله عمرو بن حرموز بوادي السياع) ... وحتى في لحظة الالتحام العصيبة لم يكلّ الطرفان عن محاولاتهم الإصلاحية السليمة ولما أن أيقن سيدنا علي: أن القتال واقع لا محاولة حاول أن لا يكون جيشه هو البادئ بالقتال فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٦) عن زيد بن وهب قال: (فكف علي يده حتى بدؤوه بالقتال) ... إلخ الخبر. وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ٦٢): وحتى في لحظة الالتحام العصيبة لا يكلّ الطرفان من حيث الجانب المقابل بالتوقف عند هذا الحد فقد أخرج يعقوب بن سفيان عن عمرو بن جأوان قال: (لما التقوا قام كعب بن سور ومعه المصحف ينشدهم الله والإسلام فلم ينشب أن قتل) (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣١٢). وأخرجه خليفة بن خياط موصولًا عن عمرو قال: سمعت الأحنف بن قيس (تأريخ خليفة / ١٨٥) كما سنذكر بعد قليل. ٩ - كثرت الروايات الضعيفة في تحديد عدد الجيش الذي كان مع علي رضي الله عنه ولكنّا وجدنا أصح رواية هي ما أخرجه الطبري (٤/ ٥٠٥) عن محمد بن الحنفية قال: أقبلنا من =
    ج ٣ ص ٣٩٣
  5. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = المدينة بسبعمئة رجل، ورحل إلينا من الكوفة سبعة آلاف وانضم إلينا من حولنا ألفان أكثرهم بكر بن وائل. وإسناده حسن. ووقعت المعركة بقدر الله دون أن يكون في حسبان علي، وعائشة، وطلحة، والزبير رضي الله عنهم أجمعين وكان وقت بدء المعركة بعد الظهر وانتهت قبل غروب الشمس فكانت معركة قصيرة. كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٦) عن زيد بن وهب قال: فكف علي يده حتى بدؤوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل أحد فقال علي: لا تتموا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن. وصحح الحافظ إسناده في الصحيح (١٣/ ٦٣). ١٠ - وكان أول قتيل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه كما أخرج خليفة بن خياط قال: فحدثنا علي بن عاصم قال: حدثنا حصين قال: حدثني عمرو بن جأوان قال: سمعت الأحنف بن قيس قال: لما التقوا كان أول قتيل طلحة بن عبيد الله، وخرج كعب بن سور من البصرة معه المصحف ناشره بين الصفين يناشد الناس في دمائهم فقتل وهو بتلك الحال (تأريخ خليفة / ١٨٥) ورجاله ثقات غير عمرو بن جأوان وثقه ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة. وكم كان عدد القتلى من الطرفين؟ نقول: بالغت الروايات التأريخية في عدد القتلى كما بالغت في عدد الجيشين ولقد ذكرنا أصح رواية في تعداد جيش علي رضي الله عنه (٩٧٠٠ مقاتل) وأما عن القتلى فلم نجد رواية يحتج بها لتحديد العدد فكلها روايات ضعيفة أو ضعيفة جدًّا، إلا أن خليفة بن خياط ذكر أسماء القتلى فكانوا مئة ونرجح ألا يزيد العدد عن المئة بكثير نظرًا لقصر الفترة الزمنية التي استغرقتها المعركة فلم تدم إلا ساعات ما بين الظهر وغروب الشمس، وللأستاذ خالد الغيث تحليل نفيس يصل في نهايته إلى أن عدد القتلى كان ضئيلًا جدًّا لأسباب: منها تحرج كل فريق من القتال لما يعلمون من عظم حرمة الدم المسلم، وقياسًا بعدد شهداء المسلمين في معارك الفتوحات فكانت في اليرموك مثلًا ثلاثة آلاف شهيد وكانت في القادسية ثمانية آلاف وخمسمئة شهيد علمًا بأنها استمرت عدة أيام وأخذًا بعين الاعتبار شراسة معارك الفتوح وحدّتها أما هذه فكانت قصيرة، ويخلص في نهاية الأمر إلى أن قتلى معركة الجمل لا يتجاوز المئتين وهذا هو الرقم الذي ترجح عندي من خلال الحيثيات السابقة (استشهاد عثمان / ٢١٥ / بتصرف). ١١ - وما هي إلا ساعات حتى انفض الجمع المقاتل ولم يبق حول هودج عائشة رضي الله عنها أحد بحلول الغروب كما سبق. وحرصًا من أمير المؤمنين علي (وهو القائد المنتصر ميدانيًا) نقول: حرصًا منه على حقن دماء المسلمين أصدر أوامره بعدم ملاحقة المنسحبين من ساحة المعركة وعدم إيذاء الجرحى، =
    ج ٣ ص ٣٩٤
  6. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وخير شهادة على ذلك من كان في الطرف الآخر (أصحاب عائشة، وطلحة، والزبير رضي الله عنهم أجمعين). فقد أخرج الشافعي في الأم (٤/ ٢١٦) عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال: ما رأيت أحدًا أكرم غلبة من أبيك -يعني: عليًّا- ما هو إلّا أن ولّينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر، ولا يذفف على جريح. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ١٨٦) خبرًا وفيه: (فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي: لا تتموا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن). وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ٦٢) وباعتقادنا أن هذه التعليمات التي أصدرها الخليفة الراشد كانت سببًا آخر من أسباب ضآلة القتلى، والله تعالى أعلم. ١٢ - ونعود مرة أخرى لنثبت: أن الجمعين لم يكونا راغبين في القتال وإلّا قولوا لنا بربكم: ماذا يكون شعور القائد بعد أن تكون له الغلبة؟ يفرح، وينتشي، ولكن عليًّا كرّم الله وجهه يحزن حزنًا لا يقل عن حزن الطرف المقابل فيأتيه قاتل الزبير رضي الله عنه عمرو بن جرموز ويتصور أن سيدنا علي سيقلده نوط شجاعة (كما يقال في عصرنا هذا) ولكن سيدنا عليّا يبشره بنار جهنم كما أخرج الترمذي في سننه (٥/ ٦٤٦) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٦٧) (بشر قاتل ابن صفية بالنار) (مرفوعًا). وصحح الحافظ إسناده في الفتح (٦/ ٢٦٤) وكما يقول ابن حجر: فقتله عمرو بن جرموز وجاء إلى علي متقربًا بذلك فبشره بالنار (الفتح ٧/ ١٠٢) ويكفي الزبير: أنه خرج من أرض المعركة قبل نشوبها وفرّ بدينه الذي كان أكبر همه كي لا يموت ظالمًا في الفتنة، وكانت أمنيته أن يموت مظلومًا عسى ألا يبوء بالإثم، كما أخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير (الفتح ٦/ ٢٦٢) قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه فقال: يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أر مظلوم وإني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا وإن أكبر همي لديني. ونحن نقول (والله أعلم): ولعلّ الذين ماتوا ظالمين في هذه المعركة هم قتلة عثمان الذين حرّضوا على القتال والفتنة من السبئية أو غيرهم والله أعلم. ولم يكن علي رضي الله عنه حزينًا على الزبير فحسب الذي امتنع بكلامه وانسحب فقتل مظلومًا وهو ينجو بنفسه من الفتنة، نقول: بل كان حزينًا أيضًا على كل من قتل كما كان حريصًا على دم كل مقاتل من الطرفين وما أن وقف متأملًا ما آلت إليه المعركة بعد انجلاء غبارها. حدّث سليمان بن صرد قال: جئت إلى الحسن فقلت: اعذرني عند أمير المؤمنين حيث لم أحضر الوقعة -يعني: الجمل- فقال الحسن: ما يصنع بهذا؟ لقد رأيته يلوذ بي وهو يقول: (يا حسن ليتني متُّ قبل هذا بعشرين سنة) وقال البوصيري: رجاله ثقات (المطالب العالية ٤/ ٣٠٢) وعندما تفقد قتلى الجانبين بعد انتهاء المعركة وجد من بينهم كعب بن سور (قاضي =
    ج ٣ ص ٣٩٥
  7. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = البصرة والذي كان يدافع عن عائشة ويطلب الصلح معًا) يقول: عندما رأى علي رضي الله عنه جثته قال: والله إنك -ما علمت- كنت لصليبًا في الحق قاضيًا بالعدل وكيت وكيت فأثنى عليه. (الطبري ٤/ ٥٢٨) قسم الصحيح. وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها كلما تذكرت المعركة تألمت، وكما أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤٢) كانت رضي الله عنها إذا قرأت: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} بكت حتى يبتلّ خمارها. وكما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨١) أنها قالت: وددت أني كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا، وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٨) أنها رضي الله عنها قالت: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي. وأخرج الذهبي من طريق ابن علية عن أبي سفيان بن العلاء المازني عن أبي عتيق قال: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرونيه فلما مر قيل لها: هذا ابن عمر، قالت: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلًا قد غلب عليك وظننت أنك لا تخالفيه (يعني: ابن الزبير) قالت: أما أنك لو نهيتني ما خرجت (تعني: مسيرها في فتنة يوم الجمل). ١٣ - وفي خضم المعركة تنخلع قلوب المؤمنين لهودج أم المؤمنين زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخشون أن يقتلها من لا يعرف قدر أم المؤمنين عائشة من السبئيين وقتلة عثمان ومن اغترّ بهم من حديثي الإسلام ضعاف الإيمان، فيحوط الفرسان الشجعان بهودج أمهم ويمسكون بخطام الناقة ولا يهمهم أن يسقطوا صرعى دون أمّهم رضي الله عنها وأرضاها وهذا أثناء المعركة، ولقد سبق أن تحدثنا عن هذا قبل قليل (الطبيعة الدفاعية للمعركة). وأما بعد انتهاء المعركة وسقوط المدافعين من حول الهودج وانقضاض البقية يأتي دور الطرف المقابل، فيسارعون إلى هودج أمهم بعد عقر الجمل إيذانًا بانتهاء المعركة، ولتطمئن أم المؤمنين، فليس الأعيان في الأبطال في الطرف الآخر بأقل حمية وغيرة ودفاعًا عن أمهم أم المؤمنين رضي الله عنها، ومع كل ما حصل لم يزد أصحاب علي على أن عاتبوها عتابًا نديًا، واعتذروا إن كان بدر من أحد المقاتلين (الذين لا يعرفون قدرها) كلامًا يسوؤها ويشترون لها ناقة ويرجعونها معززة مكرمة. فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٥ / ح ١٩٦٧٧) عن عبد الرحمن بن أبزى حديثًا فيه: (انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال: يا أم المؤمنين! أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني؟ فقلت: الزم عليًّا، فسكتت. فقال: اعقروا الجمل فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي، فأمر بها فأدخلت بيتًا) اهـ. وجوّد الحافظ إسناده (الفتح ١٣/ ٦١) وفي رواية الطبري التي ذكرنا في قسم الصحيح (٤/ ٥٣٧) ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أول من دخل، فسلّم عليها فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك منهما؟ قال: نعم ذاك =
    ج ٣ ص ٣٩٦