رد شبهات بروكلمان حول معركة الجمل
فقرتان، ج ٣ ص ٣٩٧
- ج ٣ ص ٣٩٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = الذي قال (أعق أمٍّ نعلمُ) وكذب والله! إنك لأبرُّ أمٍّ نعلمُ ... الخبر. وكما تذكرت السيدة عائشة وهي في خضم الأحداث قول الرسول الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: "كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب" فتنوي الرجوع من لحظتها، وكذلك سيدنا علي رضي الله عنه يرجع أم المؤمنين إلى مأمنها في المدينة وهو يتمثل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخرج البزار (كشف الأستار ٤/ ٩٣) وأحمد (٦/ ٣٩٣) عن أبي رافع رضي الله عنه قال لعلي بن أبي طالب: "سيكون بينك وبين عائشة أمر". قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها". وحسّن الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٦٢). وماذا عن عمّار بن ياسر رضي الله عنه؟ والذي كان من أوائل أصحاب علي رضي الله عنه والمدافعين عن موقف أمير المؤمنين ماذا يقول للسيدة عائشة التي وقفت في الطرف المقابل: أخرج الطبري في تأريخه (٤/ ٤٤٥) عن أبي يزيد المديني أنه قال: قال عمَّار بن ياسر لعائشة رضي الله عنها -حين فرغ القوم-: يا أم المؤمنين ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد إليك! قالت: أبو اليقظان! قال: نعم، قالت: والله إنك ما علمت قوّال بالحق، قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك. وصحح الحافظ ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ٦٣) ولفظه في الفتح [ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم يشير إلى قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}]. سبحان الله مع كلّ ما لحق بها وبأصحابها من أذى لا يمنعها من الإقرار بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه. وأخيرًا نقول: هكذا تصور لنا الروايات الصحيحة التأريخ الإسلامي العظيم فماذا يقول أعداء هذا التأريخ؟ ! هذا ما سنبحثه مختصرًا في الأسطر التالية: ردّ شبهات بروكلمان حول معركة الجمل لقد ذكرنا قبل قليل ما بينت الروايات الصحيحة من معالم معركة الجمل وكيف: أن هذه الروايات الصحيحة تؤكد عدالة الصحابة وصدقهم على ما عاهدوا عليه، وتحرّيهم الأفضل والأولى وإن كلفهم ذلك غاليًا. وأظن أن الذي (يراجع خاتمة المطاف فيما ورد في معركة الجمل) ينشرح صدره لما يقرأ من تأريخ الخلافة الراشدة وسيرة الصحابة الأجلّاء رضي الله عنهم. ولكن من يقرأ كتابات المستشرقين ومن تبعهم من المتغرّبين يسمع العجب العجاب، وكعادتهم فإن المستشرقين يعتمدون كثيرًا على الروايات المكذوبة أو الضعيفة جدًّا ليطعنوا في تأريخ الخلافة الراشدة، وأحيانًا يختلقون أمورًا وتفاصيل لم نجدها حتى في الروايات الضعيفة، ولا نريد أن نطيل أكثر، وسنقتصر على مقاطع من كتاب تأريخ الشعوب الإسلامية للمستشرق الألماني المعروف بروكلمان، فكتاباته ليست عنّا ببعيد: ١ - يقول بروكلمان: (ولم يكن لعلي جيش في المدينة (يثرب) ومن هنا تعين عليه أن يغادرها =
- ج ٣ ص ٣٩٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = أيضًا ففي تشرين الأول سنة ٦٥٦ سار إلى العراق يصحبه مئة رجل تقريبًا) (تأريخ الشعوب الإسلامية ١١٦). وللرد على هذه الفرية والتزييف نقول للمعجبين بآراء بروكلمان: أما قول بروكلمان لم يكن لعلي جيش في المدينة، ومن هنا تعين عليه أن يغادرها. فباطل لا أساس له وإجماع أهل المدينة على بيعته وبضمنهم طلحة والزبير خير دليل على كثرة جيوشه وأتباعه وأعوانه. ولا أدري لماذا حاول بروكلمان وأمثاله أن يقلبوا الحقائق ويجعلوا من المفخرة شبهة ... إن الناقد المنصف يعلم جيدًا أن سيدنا عليًّا بخروجه من المدينة المنورة وتوجهه نحو العراق يكون معرضًا أكثر لمن يتربص به من السبئية ومثيري الفتنة ومن حولهم، ولكنه يفعل ذلك حفاظًا على أمن الخلافة الإسلامية فينتقل بالعاصمة إلى الكوفة ذلك البلد الذي لم يمض على تمصيره عشر سنوات ومعظم أهله من قبائل اليمن لا الحجاز وهو يعلم أن ذلك سيكلفه غاليًا، ولكن ماذا نقول لمن لبس نظارة سوداء فلمح الصفحات البيضاء من تأريخ الخلافة الراشدة وكأنها سوداء؟ إلا أنه الحقد على الإسلام والجهل بحقائقه. وحتى ندعم كلامنا بالرواية نقول: أخرج أحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٦٩٤) عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى ينبع عائدًا لعلي بن أبي طالب فقال له: يا أبا الحسن! ما يقيمك بهذا البلد إن أصابك أجلك لم يلك إلّا أعراب جهينة، فلو احتملت إلى المدينة فأصابك أجلك وليك أصحابك فصلّوا عليك، فقال: يا أبا فضالة! إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إليّ أن لا أموت حتى أوقر ثم تُخضب هذه -يعني: لحيته- من هذه -يعني ناصيته-) وحسَّن المحقق إسناده وأخرجه المحب الطبري (الرياض النضرة ٣/ ٢٢٨) فماذا يقول الأستاذ بروكلمان؟ ! وأما قول (بروكلمان): ففي تشرين الأول سنة (٦٥٦) سار إلى العراق بصحبة مئة رجل تقريبًا ... فلا والله ما أنصف بل ظلم الحقيقة فجهلها أو تجاهلها. ولقد سبق أن ذكرنا رواية محمد بن الحنفية، وسنعيد ذكرها هنا دحضًا لهذا التزييف وهذا الحطّ من مكانة الخليفة الراشد الرابع رضي الله عنه وأرضاه. فقد أخرج الطبري في تأريخه (٤/ ٥٠٥) عن محمد ابن الحنفية قال: أقبلنا من المدينة بسبعمئة رجل. وإسناده حسن فلا أدري ماذا فعل بروكلمان بـ (٦٠٠ رجل) حذفهم من العدد الأصلي (٧٠٠) ولم يذكر إلا مئة! ! وهكذا تثبت لنا نعمة الإسناد أنه رضي الله عنه خرج من المدينة يصحبه سبعمئة رجل لا مئة والحمد لله أولًا وآخرًا. ويقول بروكلمان واصفًا خروج الصحابي الجليل الزبير بن العوام من البصرة قائلًا: (وقُتِلَ فيما هو يفر). ويبدو أنه لا يفهم القيم التي آمن بها أولئك الرعيل الأول، فالزبير لم يفر وإنما اقتنع بكلام سيدنا علي، وخشي أن يكون آثمًا في خروجه وتبيّن له أن عليًّا على صوابٍ فانحاز وانصرف، ولو كان خروجه بعد المعركة لكان لقول بروكلمان احتمال ولو ضعيفًا، =