الأخبار الصحاح في وقعة صفين والتحكيم ومسك الختام في ذلك
٤ فقرات، ج ٣ ص ٤٠٥
- ج ٣ ص ٤٠٥
الدُّؤَليّ، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلى خُراسانَ خليد بن قرّة اليربوعيّ.
-
٢٧٦ - وقيل: إن عليًّا لما شخص إلى صِفِّين استَخلَف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ؛ حدّثني أحمد بن إبراهيم الدّوْرقيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريس، قال: سمعتُ ليثًا ذكر عن عبد العزيز بن رُفَيع: أنه لما خرج عليّ إلى صِفيّن استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ عقبة بن عمرو. وأمّا الشام فكان بها معاوية بن أبي سُفْيان (١) . (٥: ٩٢/ ٩٣) .
- (١)إسناده مرسل صحيح. الأخبار الصحاح في وقعة صفين والتحكيم ومسك الختام في ذلك اعتمد الطبري في نقل هذه الوقائع على مرويات أبي مخنف وهي لا تصح ولا يحتج بها فقد قال فيه الدارقطني: بل الواقدي خير من ملء الأرض مثل هؤلاء (الرد على البكري / ١٨). وقال الجوزجاني: يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦) وقال الذهبي: إخباري تالف لا يوثق به (الميزان ٣/ ٢٩٩٢). وقال علي بن محمد الكناني (لوط بن يحيى: كذاب تالف) (تنزيه الشريعة ٩٨) وعلى الطبري اعتمد من جاء بعده (في وصف أحداث صفين) وهي روايات كاذبة تالفة مليئة بالأكاذيب والطعن في الصحابة. وأما كيل التهم والشتائم المتبادلة وتكفير الطرف المقابل فحدث ولا حرج، وأما ما صحّ عن وقعة صفين فقد جمعنا ما وجدناه في كتب الحديث والتأريخ وهي كما يلي: ١ - كان سبب الخلاف الذي أدى إلى معركة صفين هي إصرار معاوية رضي الله عنه ومن معه على ضرورة التعجل في القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وذلك ما كان يراه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مثيرًا لفتنةٍ أخرى في ذلك الوقت الذي لم تستتب الأمور فيه بعد، ولم يكن السبب في هذه المعركة هو منافسة معاوية رضي الله عنه لسيدنا علي على الخلافة بل كان يقرّ، ويعترف علنًا بأن علي أولى منه بهذا الأمر، كما أخرج شيخ البخاري يحيى بن سليمان الجعفي في كتاب (صفين) عن أبي مسلم الخولاني أنه (قال لمعاوية: أنت تنازع عليًّا في الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا. وإني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه؟ فائتوا عليًّا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليًّا فكلموه فلم يدفعهم إليه) (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) وجوّد الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٨٦). ٢ - وأخرج ابن عساكر (تأريخ دمشق ١٦/ ٣٦٠ أ) والطبري (٦/ ١٦١) عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي: أنه قال: كان علي بالعراق يدعى أمير المؤمنين، وكان معاوية بالشام يدعى الأمير، فلما مات علي دعي معاوية بالشام أمير المؤمنين. وإسناده حسن، وهذه = = الشهادة من سعيد بن عبد العزيز تقطع الطريق على كل الروايات المكذوبة والتي رواها الهالك أبو مخنف وخاصة إذا علمنا: أن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أعلم الناس بأمر الشام (راجع تهذيب التهذيب ٤/ ٦٠) وهذا يؤكد إجماع الأمة على إمامة علي شاميهم وعراقيهم وحجازيهم، ولكن أهل الشام عاهدوا معاوية على الأخذ بحق الخليفة المظلوم عثمان رضي الله عنه والقصاص من قتلته، ولم يكن يروه خليفة يومئذٍ، ولم يبايعوه بالخلافة ما زال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيًّا رضي الله عنه. وإذا كان ذلك كذلك فهذا من أدلة بطلان قصة التحكيم بين أبي موسى وعمرو بن العاص وأن أبا موسى خلع صاحبه علي وأما عمرو بن العاص فقد ثبت صاحبه معاوية، وذلك لأن أهل الشام كانوا يرون في معاوية أميرًا وأما علي فهو أمير المؤمنين وخليفتهم، فما الداعي إذًا إلى خلع علي وتثبيت معاوية الذي لم يبايع أصلًا في حياة علي كخليفة للمسلمين؟ وأما بقية الأدلة على بطلان رفع المصاحف في صفين وخلع علي وتثبيت معاوية فسنذكرها بعد قليل إن شاء الله. ٣ - وبالمقابل فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه لم يكن ليتهم معاوية في دينه (حاشاه) ولكن كان يرى في جيشه طائفة شقت عصا الطاعة وخرجت على الخليفة بغير حق، وكان رضي الله عنه حريصًا على حقن دماء المسلمين في صفين، وكان يتمنى أن تراق هذه الدماء في ساحات أخرى؛ كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه في قصة الخوارج وحث علي لجنوده على قتالهم بعد أن قتلوا وأفسدوا، وفيه: (فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم! ! ) صحيح مسلم (٢/ ٧٤٨). وسنذكر الحديث بطوله إن شاء الله في قصة الخوارج. ٤ - وكذلك كان رأي أعيان الصحابة في صف علي رضي الله عنه ومن أشهرهم: عمار بن ياسر الذي وردت في حقه روايات كثيرة ورأيه من رأي سيدنا علي رضي الله عنه وإلّا لما قاتل معه. وقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٩٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ٢٩٧) وأحمد في المسند (٤/ ٣١٩) حديثًا عن عمار رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: (لا تقولوا: كفر أهل الشام، ولكن قولوا: فسقوا، وظلموا). وهذا كان رأي عمار حتى استشهد رضي الله عنه، فهو كان يرى في الجيش المقابل طائفة بغت على خليفة المسلمين وخرجت عليه فارتكبت بذلك فسقًا وظلمًا، وهذا هو معنى الضلالة التي قالها عمار في حق جيش أهل الشام. كما أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٩٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ٢٩٧) وأحمد في المسند (٤/ ٣١٩) عن عمار رضي الله عنه أنه قال: (والذي نفسي بيده لو ضربنا حتى يبلغوا شعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة) واللفظ لأحمد، ولفظ ابن أبي شيبة (مصلحتنا)، ولفظ الحاكم (صاحبنا) وقوله: (أنهم على الضلالة) أي بخروجهم على الإمام الأعظم = = على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على بركة الله، فقال سلمة بن كهيل: فنزَّلني زيد بن وهب منزلًا حتى قال: مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعوا فوحَّشوا برماحهم، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي رضي الله عنه: التمسوا فيهم المُخْدَج فالتمسوه، فلم يجدوه فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض قال: أخِّروهم. فوجدوه مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلّغ رسوله قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين اللهَ الذي لا إله إلا هو! لسمعت هذا الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو .. حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له. ١٠ - أخرج الطبري في تأريخه (٥/ ٩١ - ٩٢) بإسناد حسن عن أبي مريم: (أن شبث بن ربعي وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء ... كان معلومًا أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين) ا. هـ (٥/ ٩٢). قلنا: وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٢٥) والله أعلم. ١١ - وأما عن حكم علي بن أبي طالب في الخوارج وطبيعة تعامله معهم في ضوء السياسة الشرعية: فقد مرّ بنا أنه رضي الله عنه عهد إليهم أن لا يمنعهم من المساجد ولا يمنعهم من الفيء إن هم شاركوا، ولا يبدؤهم بقتال حتى يسفكوا الدم ويفسدوا في الأرض. أما عن حكمه فيهم فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٣٢) عن طارق بن شهاب قال: كنت عند علي فسئل عن أهل (النهر) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلّا قليلًا، قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا. وإسناده حسن. والله تعالى أعلم.
- ج ٣ ص ٤٠٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٣ ص ٤٠٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = (الخليفة) وعدم دخولهم في طاعته، ففسقوا بذلك كما قال عمار (ولكن قولوا فسقوا وظلموا)، وخروجهم هذا هو البغي المقصود في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) فتح الباري (١/ ٦٤٢) و (٦/ ٣٦). ٥ - وكان في جيش علي كبار الصحابة من البدريين وأهل بيعة الرضوان كما أخرج خليفة بن خياط: حدثنا أبو غسان قال: نا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن جعفر -أظنه ابن أبي المغيرة- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: شهدنا مع علي ثمانمئة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منا ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر (تأريخ خليفة / ١٩٦). وإسناده حسن، ونسب الشيخ العربي التباني إلى يحيى بن سليمان الجعفي: أنه أخرج بسند جيد في كتابه (صفين) أنه شهد مع علي تسعون بدريًا. ٦ - أما عن تفاصيل المعركة وأمراء الأجناد وحملة الألوية في الجيشين فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٢) من حديث حجر بن عنبس: (قيل لعلي يوم صفين: قد حيل بيننا وبين الماء قال: أرسلوا إلى الأشعث فجاء فقال: ائتوني بدرع ابن سهر - رجل من بني براء - فصبها عليه ثم أتاهم فقاتلهم حتى أزالهم عن الماء) وإسناده حسن. وأخرجه خليفة بن خياط ثنا أبو نعيم قال: نا موسى بن قيس قال: سمعت حجر بن عنبس قال: حيل بين علي والماء، فقال: أرسلوا إلى الأشعث بن قيس فأزالهم عن الماء، ثم التقى الناس يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين، ولواء علي مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وفي ميسرة علي ربيعة وعليهم ابن عباس وفي ميمنته على أهل اليمن عليهم الأشعث بن قيس وعلي في القلب في مضر البصرة والكوفة. ولواء معاوية مع المخارق بن الصباح الكلاعي وفي ميسرة معاوية مضر عليهم ذو الكلاع وفي ميمنته أهل اليمن ومعاوية في الشهباء أصحاب البيض والدروع (تأريخ خليفة / ١٩٣). ولم نجد رواية أخرى صحيحة تتحدث عن تفاصيل أخرى، وكلّ ما ورد في مرويات أبي مخنف التالفة لم تؤيدها ولا رواية صحيحة، والله تعالى أعلم. ٧ - قلنا فيما مضى: إن عليًّا رضي الله عنه كان حريصًا على حقن ما أمكن من دماء المسلمين في وقعة الجمل، وهكذا كانت سياسته في صفين فالاقتتال بين طائفتين من المسلمين بغت إحداهما (أهل الشام) على الأخرى (جيش أمير المؤمنين) فواجب الإمام علي أن يرجع هؤلاء إلى السمع والطاعة وكفى، وهمه أن يبلغ ذلك الهدف بأقل دمٍ مراق ولذلك كانت سياسة سيدنا علي في معركة صفين ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٥) والبيهقي في السنن (٨/ ١٨٢) عن أبي أمامة قال: (شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يطلبون موليًا ولا يسلبون قتيلًا). وإسناده صحيح (إرواء الغليل ٨/ ١١٤). فبالله عليكم هل شهد التأريخ البشري عدالة ورحمة مثل هذه الوقعة الراشدية؟ ! إن =