ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر

٧ فقرات، ج ٣ ص ٣٩٩

  1. ٢٧٠ - قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمَة بن كُهَيل، عن كثير بن بَهْز الحضرميّ، قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكمَ إلا لله، فقام آخرُ فقال مِثلَ ذلك، ثم تَوالى عدّة رجال يحكّمون، فقال عليّ: الله أكبر؛ كلمة حقّ يلتمس بها باطل! أما إنّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمَه، ولا نمنعكم الفيءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا؛ ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (١) . (٥: ٧٣) .

    1. = ولكن الرواية التي ذكرنا في قسم الصحيح بينت أنه رضي الله عنه انصرف قبل وقوع المعركة فهل هذا الفرار جبنًا أم فرار بالدين يا بروكلمان؟ ! ويقول بروكلمان: (ولم يكادوا يبلغون البصرة حتى فتكوا غدرًا بأميرها الذي آثر أن ينتظر الأمر من علي على أن ينضم إليهم حتى إذا وقفوا إلى السيطرة على المدينة [البصرة] نشب الخلاف بين طلحة والزبير) (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٥). ويا عجبًا لبروكلمان كيف يقلب الحقائق؟ ! ويا ليته اعتمد على الروايات الضعيفة، فإنها لم تذكر أن طلحة والزبير رضي الله عنهما فتكا بأمير البصرة غدرًا، فالرواية التي رواها التالف الهالك أبو مخنف ذكرت أنهم أرادوا أن يقتلوه ولكن لم يفعلوا، والرواية الضعيفة الثانية وهي رواية سيف تذكر أنهم نتفوا لحيته فبلغ الأمر للسيدة عائشة فأمرت بإطلاق سراحه، والرواية الأصح من هاتين تذكر أن أصحاب الزبير وطلحة أوقفوا أمير البصرة ليس إلّا، فمن أين جاء هذا الزعم بأنهم قتلوه؟ لا ندري! ! وأما قول بروكلمان: (حتى إذا وقفوا إلى السيطرة على المدينة) فغير صحيح كما تبيّن لنا من الروايات الصحيحة، بل لم يتحقق أملهم في استتباب الأمن في البصرة، وكان أهل البصرة انقسموا إلى مؤيد للخليفة، أو مؤيد للمطالبين بدم عثمان، أو معتزل الموقف لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وأما قوله: (نشب الخلاف بين طلحة والزبير) فهذا أمر ذكرته الروايات الضعيفة التي رواها مجهول الحال شعيب عن شيخه الضعيف سيف، ولم ترد رواية صحيحة (فيما نعلم) لإثبات ما يقوله بروكلمان. والحمد لله على نعمة الإسناد.
    2. (١)في إسناده أبو مخنف وهو هالك، ولكن لمتنه ما يشهد له فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه = = (١٥/ ٣٢٧) عن كثير بن نمير قال: بينا أنا في الجمعة وعلي بن أبي طالب على المنبر إذ جاء رجل فقال: لا حكم إلا لله، ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله ثم قاموا من نواحي المسجد يحكمون الله فأشار عليهم بيده: اجلسوا نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغى بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، الآن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا ثم أخذ في خطبته. وإسناده حسن.
    ج ٣ ص ٣٩٩
  2. ٢٧١ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن سَميع الحنفي؛ عن أبي رَزين، قال: لما وقع التحكيم ورجع عليّ من صفين رجعوا مُباينين له، فلمّا انتهوْا إلى النَّهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحَرُوراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئًا، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رجعتَ لهم عن كُفرك. فخطب النَّاس في صلاة الظهر، فذكر أمرَهم فعابه؛ فوثبوا من نواحِي المسجد يقولون: لا حُكمَ إلا لله. واستقبله رجل منهم. واضع إصبعيه فِي أذنيه، فقال: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) } فقال عليّ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠) } (١) . (٥/ ٧٣ / ٧٤) .

    1. (١)إسناده حسن فقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي رزين في مصنفه (١٥/ ٣١٣) ولفظه: (ولما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء ... الخبر).
    ج ٣ ص ٤٠٠
  3. ٢٧٢ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثَ بن أبي سُليم يذكر عن أصحابه، قال: جعل عليّ يقلّب يديه يقول يديه هكذا وهو على المنبر، فقال: حُكْمُ الله عزّ وجلّ يُنتَظر فيكم مرّتين، إنّ لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتِلونا (٢) . (٥: ٧٤) .

    1. (٢)انظر الرواية السابقة والتي قبلها.
  4. ٢٧٣ - حدّثني يعقوب، قال: حدّثني إسماعيل، قال: أخبرَنا أيُّوب عن حُميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ذَعِرًا يجرّ رداءه، فقالوا: لم تُرَعْ؟ فقال: والله لقد ذَعَرْتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خبّاب

    ج ٣ ص ٤٠١صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم؛ قالوا: فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدِّث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر فتنةً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبدَ الله المقتول - قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن يا عبد الله القاتل" - قال: نعم؛ قال: فقدّموه على ضِفّة النهر، فضربوا عنقَه، فسال دمُه كأنه شِراكُ نعل، وبَقَروا بطنَ أمّ ولده عمّا في بطنها (١) . (٥: ٨١) .

    1. (١)إسناده حسن وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٣٢٣) عن أبي مجلز وعن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس (١٥/ ٣١٥) ونسبه الحافظ إلى يعقوب بن سفيان وصحح سنده (الفتح ١٢/ ٢٩٧).
  5. ٢٧٤ - قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حُميد بن هلال: إنّ الخارجة التي أقبلتْ من البصرة جاءت حتى دنتْ من إخوانها بالنَّهر، فخرجتْ عِصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهدّدوه وأفزعوه، وقالوا له: مَن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خبّاب صاحبُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أهَوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا رَوْع عليك! فحدِّثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، لعلّ الله ينفعنا به! قال: حدّثني أبي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنّ فتنة تكون، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموتُ فيها بدنُه، يمسِي فيها مؤمنًا ويصبحُ فيها كافرًا، ويصبح فيها كافرًا ويمسِي فيها مؤمنًا" ، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، [فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثَنَى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمانَ في أوّل خلافته وفي آخرِها؟ قال: إنه كان محقًّا في أوّلها وفي آخرها؛ قالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشدّ تَوقِّيًا على دينه، وأنفَذُ بصيرةً. فقالوا: إنك تتّبع الهوى، وتُوالِي الرّجال على أسمائها لا على أفعالها] ، والله لنقتلنّك قتِلة ما قتلناها أحدًا، فأخذوه فكَتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حُبلى مُتِمٌّ حتى نزلوا تحت نَخْل مَواقر، فسقطتْ منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلِّها، وبغير ثمن! فَلَفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير لأهل الذمّة فضربَه بسيفه، فقالوا: هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحبَ

    ج ٣ ص ٤٠٢الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس، إني لَمُسلِم؛ ما أحدثتُ في الإسلام حَدَثًا، ولقد أمّنتموني، قلتم: لا رَوْع عليك! فجاؤوا به فأضجَعوه فذَبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبَلوا إلى المرأة، فقالت: إنّي إنما أنا امرأة، ألّا تتقون الله! فبَقَروا بطنَها، وقتَلوا ثلاثَ نسوةٍ من طيّئ، وقتلوا أمَّ سِنان الصيّداويّة، فبلغ ذلك عليًّا ومن معه من المسلمين مِن قتلهم عبد الله بن خبّاب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارثَ بن مرّة العبديّ ليأتيَهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتبَ به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليُسائلهم، فخرج القومُ إليه فقتلوه، وأتى الخبرُ أميرَ المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! عَلام تَدَع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالِنا! سِرْ بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سِرْنا إلى عدوّنا من أهل الشام. وقام إليه الأشعث بن قيس الكِنْديّ فكلّمه بمثل ذلك. وكان الناس يَرَوْن: أن الأشعث يَرَى رأيَهم لأنه كان يقول يومَ صِفيّن: أنصفنَا قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر عليًّا بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك، فنادى بالرحيل، وخرج فعَبَر الجسر فصلّى ركعتين بالقنطرة، ثم نزل ديرَ عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دَباها، ثم على شاطئ الفرات، فلقيَه في مسيره ذلك منجّم، أشار عليه بسير وقتٍ من النهار، وقال له: إن سرتَ في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرًّا شديدًا. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنَى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجِّم لقال الجهّال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجّم فظفر (١) . (٥: ٨١/ ٨٢ / ٨٣) .

    1. (١)في إسناده أبو مخنف وهو تالف إلا أن لمتنه ما يشهد له كما في الرواية السابقة وشواهدها الصحيحة والله أعلم. إلّا أن أبا مخنف زاد في تفاصيل الحادثة وتوحي روايته بأن الناس هم الذين حرّضوا سيدنا علي على قتالهم، ولعل ذلك حصل من الناس ولكن عليًّا أعزرهم قبل ذلك وأنذرهم بأنه لا يقاتلهم حتى يقاتلوا أو يحدثوا فسادًا فلما فعلوا كان من البديهي أن يقاتلهم، وهو أفقه من أتباعه فهو من كبار فقهاء الصحابة ومع ذلك فلا ضير في حث أتباعه له على قتال الخوارج = = ففيهم من فقهاء الصحابة الكبار كعبد الله بن عباس حبر الأمة رضي الله عنهم أجمعين، وَكذلك زاد أبو مخنف في روايته: (فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام) فلم ترد عند ابن أبي شيبة ولا في رواية الطبري (٥/ ٨١). والذي يزيدنا شكًّا في هذه الزيادة: أن عليًّا رضي الله عنه كان في هدنة مع معاوية رضي الله عنه فلماذا هذا التذكير بجيش الشام في هذه المناسبة بالذات وتسميتهم بالعدو، ومن عادة أبي مخنف أن يكيل التهم في رواياته إلى جيش معاوية ويصفهم بأسوأ الألقاب، والأرجح أن عليًّا رضي الله عنه كان يرغب في حقن دماء المسلمين فلما رضي الطرفان بتحكيم كتاب الله والهدنة اعتبر علي رضي الله عنه توقف القتال وحقن دماء المسلمين فتحاكما عند ابن أبي شيبة، ورواية مسلم في صحيحه تؤكد ما رجحنا وخلاف ما جاء في رواية أبي مخنف (فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا بالشام) بينما رواية مسلم تؤكد: أن عليًّا هو الذي طلب منهم التوجه إلى قتال الخوارج بدلًا من التوجه إلى قتال الشام كما ذكرنا في قسم الصحيح عند سرد الروايات الواردة في قصة الخوارج، والله تعالى أعلم. وكان غير أبي مخنف يقول: كانت الوقعة بين عليّ وأهل النّهر سنة ثمان وثلاثين، وهذا القول عليه أكثرُ أهل السِّيَر.
  6. ٢٧٥ - وممّا يصحِّحه أيضًا ما حدّثني به عُمارة الأسديّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نعيم، قال: حدّثني أبو مريم أن شَبَث بنَ رِبْعيّ وابن الكوّاء خرَجَا من الكُوفة إلى حَروراء، فأمر عليٌّ الناسَ أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم، فأرسل إليهم: بئسَ ما صنعتمْ حين تدخلون المسجدَ بسلاحكم! اذهَبوا إلى جبّانة مُراد حتى يأتيَكم أمري.

    قال أبو مريم: فانطلقْنا إلى جبانة مُراد فكنّا بها ساعة من نهار، ثم بلغَنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: ففلت: أنطلق أنا حتى أنظرَ إليهم، فانطلقت حتى أتخلّل صفوفَهم، حتى انتهيت إلى شَبَث بن رِبعيّ وابن الكوّاء وهما واقفان متورّكان على دابّتيهما، وعندهما رسل عليٍّ وهم يناشدونَهما الله لمّا رجعا بالناس! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجَلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إلى بعض رسل عليّ فعقر دابته، فنزل الرجل وهو يسترجع، فحمل سرجَه، فانطلق به وهم يقولون: ما طلبُنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله، فمكثنا ساعة، ثم انصرفوا إلى الكُوفة كأنه يوم فِطْر أو أضحَى.

    قال: وكان عليٌّ يحدّثنا قبل ذلك: أنّ قومًا يَخرجون من الإسلام يَمرُقون

    ج ٣ ص ٤٠٤من الدين كما يَمرُق السهم من الرميّة، علامتهم رجل مخْدَج اليد. قال: وسمعتُ ذلك منه مرارًا كثيرة، قال: وسمعه نافع "المخدج" أيضًا حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلي في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل، وقد كنت كسوتُه بُرْنُسًا، فلقيته من الغد، فسألتُه: هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حَرُوراء؟ فقال: خرجت أريدُهم حتى إذا بلغت إلى بني سعد، لقيَني صِبيان فنزَعوا سلاحِي، وتلعّبوا بي، فرجعت حتى إذا كان الحوْل أو نحوه خرج أهل النّهر، وسار عليّ إليهم، فلم أخرج معه وخرج أخي أبو عبد الله. قال: فأخبرني أبو عبد الله: أن عليًّا سار إليهم حتى إذا كان حذاءَهم على شطّ النّهروان أرسل إليهم يناشدُهم اللهَ ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسُلُه تختلف إليهم، حتى قَتَلوا رسولَه، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتَلَهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدَج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجدهُ، حتى قال بعضهم: لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشّره وقال: يا أمير المؤمنين! قد وجدناه تحت قَتيلين في ساقِيَة. فقال: اقطَعوا يدَه المخدَجة، وائْتُوني بها، فلما أُتِي بها أخذَها ثم رَفَعها، وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذبتُ.

    قال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: "فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه، خرج أهل النهر" : أنّ الحرب التي كانت بين عليّ وأهل حَرُوراء كانت في السنة التي بعد السنة التي كان فيها إنكار أهل حَروراءَ على عليّ التحكيم، وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبلُ، وإذا كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبي مريم، كان معلومًا أنّ الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين (١) . (٥: ٩١/ ٩٢) .

    1. (١)إسناده حسن وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٢٥) والله تعالى أعلم.
    ج ٣ ص ٤٠٣
  7. وحجّ بالناس في هذه السنة - أعني: سنة سبع وثلاثين- عبيد الله بن عبّاس، وكان عامل عليٍّ على اليَمَن ومخاليفِها. وكان على مكة والطائف قُثَم بن العبّاس، وعلى المدينة سهل بن حُنَيف الأنصاريّ، وقيل: كان عليها تمّام بن العباس. وكان على البصرة عبد الله بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسود