حقيقة ما دار بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في وقعة صفين

فقرتان، ج ٣ ص ٤٠٩

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = رضي بذلك التحاكم وعدّه فتحًا كما في آخر رواية ابن أبي شيبة فقال علي -في صفين-: أيها الناس! إن هذا فتح. وهذا تكذيب لروايات أبي مخنف المفتراة التي تزعم: أن عليًّا أكره على قبول التحكيم وعلى هذه الروايات المختلفة اعتمد المستشرقون وغيرهم، وما دروا وما أدركوا نظرة سيدنا علي لطبيعة القتال في صفين وحرصه الشديد على حقن دماء المسلمين حتى ولو كلّفه ذلك حياته الخاصة، كما بينت رواية أخرى لابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٣) عن أبي صالح: أن عليًّا قال لأبي موسى: احكم ولو يحزّ عنقي ... ١٠ - وقد راجت واشتهرت قصة لقاء أبي موسى وعمرو بن العاص ثم احتيال عمرو على أبي موسى الأشعري وانخداع أبي موسى وخلعه لصاحبه علي وتثبيت عمرو لصاحبه معاوية، وكل ذلك كذب مفترى لا أساس له من الصحة، ولقد نبه القاضي أبو بكر بن العربي على كذب من قال بهذه القصة وكذلك غيره، والعجيب: أن المستشرق الألماني المشهور بروكلمان والمعروف بتحريفه للتأريخ الإسلامي شكك في صحة هذه القصمة بينما يدندن حولها دعاة التغريب وأصحاب البدع، فقد قال بروكلمان في كتابه (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٨): (ومع أن هذه الحادثة قد تكون وهمية). وقد ذكرنا الروايات التأريخية في ذلك وبيّنا ضعفها الشديد في قسم الضعيف فإذا كان ذلك غير صحيح وغير واقع، فما الذي جرى إذًا من الحوار بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما؟ هذا ما سنبينه إن شاء الله الآن: حقيقة ما دار بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في وقعة صفين ١١ - أخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٣/ ٢٦٢) والبخاري في التاريخ الكبير مختصرًا عن الحصين بن المنذر: أن معاوية أرسله إلى عمرو بن العاص فقال له: إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره، فائته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع عمرو وأبو موسى فيه كيف صنعتما فيه؟ قال (أي: عمرو بن العاص): قد قال الناس، وقالوا، ولا والله ما كان ما قالوا، ولكن اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى: أنه في النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض. قال فقلت: أين تجعلني من هذا الأمر ومعاوية؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما) وقال المحقق (د. يحيى اليحيى): رجاله ثقات (مرويات أبي مخنف / ٤٠٨). ١٢ - وهكذا فلا أصل لكون أبي موسى رجلًا ضعيفًا خُدعَ من قبل الداهية عمرو بن العاص الذي أخفى شيئًا وأعلن الآخر. فلا أبو موسى ضعيف ولا عمرو بن العاص مراوغ حاشاهما أن يكونا كذلك كما قال ابن العربي: وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا ثقفًا عالمًا حسبما بيناه في كتاب سراج المريدين: أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مع معاذ وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم، =
    ج ٣ ص ٤٠٩
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وزعمت الطائفة التأريخية الركيكة: أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه .. وهذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط وإنما هو شيء أخبر به المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع (العواصم / ١٧٧). قلنا: والذي يعرف سيرة عمرو بن العاص يتبين له كذب ما افتراه الرواة المبتدعة، والضعفاء، فقد أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٥٧) عن قبيصة بن جابر وهو الذي شهد الجمل مع علي: (قد صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أبين ولا أنصع رأيًا ولا أكرم جليسًا منه ولا أشبه سريرة بعلانية منه). وأخرج الترمذي في سننه (ح ٣٨٤٣): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. وحسنه الألباني (٣/ ٢٣٦ / ح ٣٠٢٠) - هذه هي صورة الصحابي الجليل عمرو بن العاص في الحديث والتأريخ، فليخسأ المبتدعة الكذابون من أمثال أبي مخنف وغيره. وأما أبو موسى فلم يكن ضعيف الرأي ولا مغفلًا ولا جاهلًا حتى ينخدع بهذه السهولة ويخلع من عنقه بيعة خليفةٍ راشد أجمع أهل الحرمين والبدريون وأهل بيعة الرضوان على إمامته، كيف يفعل ذلك أبو موسى ويعرّض الأمة الإسلامية لخطر العيش بدون خليفة في ذلك الظرف الدقيق، إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يدفنوا جثمان حبيبهم - صلى الله عليه وسلم - حتى اختاروا خليفته، فكيف يجازفون بخلع خليفة اختاروه عن رضا وهو من هو مكانة ومنزلة؟ ! وهل عرف المبتدعون علم أبي موسى حتى يفتروا عليه هذه الفرية، فقد روى الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٤٠) عن أبي البختري قال: أتينا عليًّا فسألناه عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: عن أبيهم تسألوني؟ قلنا: أبو موسى. قال: صبغ في العلم صبغة). وأما عن فطنته وحكمته ورجاحة عقله (وهو قاض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اليمن) فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٤/ ١٠٨) عن أنس قال: بعثني الأشعري إلى عمر فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: يركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنه لكيّس ولا تسمعها إياه. وأخيرًا وليس آخرًا بالنسبة لما ذكره أبو مخنف في مروياته من اللعن بين علي ومعاوية فقد بحثنا فيما بين أيدينا من مراجع التاريخ وكتب الحديث فلم نجد رواية صحيحة ولا حسنة ولا مرسلة صحيحة تثبت: أن عليًّا رضي الله عنه كان يلعن معاوية وأصحابه، ولا قنت معاوية على علي ولم يلعنه، ولم يأمر بذلك، فكل ذلك لم يصح كما قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (٧/ ٢٨٤). وكيف يلعن الصحابة بعضهم بعضًا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ليس المؤمن بطعان ولا بلعان) رواه الترمذي في السنن وصححه الألباني (٢/ ١٨٩ / ح ١١١٠) وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة" (صحيح مسلم / كتاب البر والصلة والأدب / ١٦/ ١٤٩). فالروايات التي ذكرت أن عليًّا ومعاوية كانا يلعنان (أحدهما الآخر) =
    ج ٣ ص ٤١٠