الخطبة الشافية حول حديث: (عمار تقتلك الفئة الباغية)
٣ فقرات، ج ٣ ص ٤١١
- ج ٣ ص ٤١١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = منكرة سندًا ومتنًا، والحمد لله على نعمة الإسناد. الخطبة الشافية حول حديث: (عمار تقتلك الفئة الباغية) نسمع بين الحين والآخر أن أهل البدع يحتجون بهذا الحديث الصحيح على أن جيش معاوية ومن معه رضي الله عنهم خارجون عن الملّة والعياذ بالله، وأمثال هؤلاء كمثل الذي يقرأ قوله الله تعالى: {فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ} ثم يسكت ولا يكمل قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. وكما هو معلوم لدى فقهاء الأمة جميعًا: أن الحكم في المسألة المعينة لا يصدر إلّا بعد جمع جميع الأدلة وفهمها لنعلم العام من الخاص والمطلق من المقيد وما إلى ذلك، ولفهم هذا الحديث لا بدّ لنا أن نجمع ما ذكرناه متناثرًا في ثنايا هذا (الصحيح) فنقول وبالله التوفيق: ١ - مما لا شك فيه: أن معاوية رضي الله عنه ومن معه كعمرو بن العاص وغيرهم اجتهدوا فأخطؤوا، وكان خروجهم على سيدنا علي بغيًا ولكن هذا البغي لم يخرجهم من دائرة الإسلام لقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فالله سبحانه سمّى الفئة الباغية ضمن المؤمنين فلم يخرجهم بغيهم من دائرة الإسلام، وإنما أراد علي أن يصلح أول الأمر تطبيقًا للآية الكريمة وكذلك معاوية رضي الله عنهما، ثم استخدم علي القتال حتى يدخلهم في طاعة أمير المؤمنين، وخروج جيش معاوية رضي الله عنه على علي ظلم أراد عليًّا أن يمنعهم منه، وهذا قول عمار خير دليل على تكذيب أهل البدع والضلال؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٩٠) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: لا تقولوا: كفر أهل الشام ولكن قولوا: فسقوا وظلموا. ولعلّ بعض المبتدعة يقولون: ولكن عمارًا رضي الله عنه أقسم بالله أن الصف الآخر على ضلالة فما قولكما؟ نقول وبالله التوفيق: أولًا: إن رواية ابن أبي شيبة السابقة تبيّن أن ضلالتهم هو ظلم أو فسق لأنهم خرجوا على الإمام الأعظم (الخليفة) وذلك نتيجة لاجتهادهم الخاطئ، ولو علموا في حينها أن اجتهادهم خاطئ لما أقدموا على القتال كما سنبين بعد قليل. ثانيًا: إن عبارة (وأنهم على ضلالة) تفهم على حقيقتها إذا لم ندع الرواية بتراء؛ فتصام الرواية: (لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة) وهذا لفظ أحمد (المسند ٤/ ٣١٩) وفي لفظ آخر (لعرفت أن مُصْلحتنا) وهذا اللفظ لابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٧) وأما لفظ الحاكم (لعرفت أن صاحبنا) المستدرك (٣/ ٣٩٢) وهذا يعني أن عمارًا يعلم أن في الجيشين مصلحون وكذلك مفسدون؛ وهم مثيرو الفتنة من قتلة عثمان السبئية ومن تحولوا فيما بعد إلى الخوارج ولذلك نسب الحق إلى مصلحيهم. ٢ - لم يكن أحد ممن مع سيدنا معاوية رضي الله عنه يتمنى أن يكون في جيش يضم أفرادًا من =
- ج ٣ ص ٤١٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = بينهم قتلة سيدنا عمار رضي الله عنه، ولمّا علم جيش معاوية بذلك تألم كثير منهم وتبيّن لهم خطأ اجتهادهم وتغيّر لون الصحابي الجليل عمرو بن العاص (كما في رواية) وفي رواية أنه نبّه معاوية إلى هذا الحادث الخطير، فأخذ سيدنا معاوية يبحث عن مبرر يدفع به عنه وعن جيشه إثم قتل عمار رضي الله عنه حتى لا يكون من الفئة الباغية، وهذا جانب آخر من الجوانب الروحية أو المعنوية في التأريخ الإسلامي، فما خرج معاوية وعمرو إلّا بعد قناعتهما بصحة اجتهادهما في الخروج، وعندما تبيّن قتل عمار رضي الله عنه دبّ الشك في صحة اجتهادهما (وهذا ما لا يفهمه المستشرقون أو لا يكادون يدركونه) فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٤٠ / ح ٢٠٤٢٧) عن معمر عن ابن طاووس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أخبره قال: لما قتل عمار بن ياسر، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار. وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: تقتله الفئة الباغية، فقام عمرو يرجع فزعًا حتى دخل على معاوية فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال له: قتل عمار، فقال له معاوية: فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه تحت رماحنا أو قال بين سيوفنا. قلنا: وهذا إسناد صحيح. ونقول للمستشرقين: انظروا إلى قول الراوي (فقام عمرو فزعًا) فلو كان طالبًا للدنيا والملك فلماذا الفزع وقد قتل من الجيش المقابل علم من الأعلام؟ ألا إنه خشية الصحابة من أن يكونوا قد أخطؤوا في اجتهادهم فلم يكونوا بذلك مع الفرقة التي هي أقرب من الحق وأولى به (صف علي) وماذا يقول المبتدعة والمستشرقون في قول معاوية ومحاولة دفع تهمة القتل عن جيشه فهل كان معاوية حريصًا على قتله؟ وهذا الحديث الصحيح أخرجه كذلك الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق (٣/ ٣٨٦) وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة ووافقه الذهبي وأخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وفيها: (أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاؤوا به فألقوه بين رماحنا، قال: فتنادوا في عسكر معاوية إنما قتل عمارًا من جاء به) رواه الطبري وأحمد باختصار وأبو يعلى بنحو الطبراني والبزار بقوله: تقتل عمارا الفئة الباغية عن عبد الله بن عمر وحده، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٢٤١). قلنا: وكذلك أخرجه ابن سعد من وجه آخر وفيه: (فلما كان يوم صفين ذهبت انظر في القتلى فإذا عمار بن ياسر مقتول فقال هُني فجئت إلى عمرو بن العاص وهو على سريره فقلت: يا أبا عبد الله قال: ما تشاء؟ قلت: انظر أكلمك، فقام إليّ فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تقتله الفئة الباغية، فقلت: هو ذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصرت به عيني مقتولًا، قال: فانطلق فأرنيه، فذهبت به فأوقفته عليه فساعة =
- ج ٣ ص ٤١٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = رآه انتقع لونه) (الطبقات الكبرى ٣/ ٢٥٤) أي حينما رأى عمرو بن العاص جثمان عمار تغيّر لونه واصفر. ٣ - ونقول لأهل البدع وأعداء التأريخ الإسلامي: وإذا لم يكفكم هذا فإليكم آخر: فكما أن عليًّا رضي الله عنه تألم لمقتل الزبير الذي كان في الصف المقابل وعندما دخل قاتل الزبير بشره علي بنار جهنم (وذلك بعد انتهاء معركة الجمل)؛ فكذلك عمرو بن العاص عندما جاءه رجلان يدّعي كل منهما أنه قتل عمارًا ظنًّا منهما أن الصحابي الجليل عمرو بن العاص سيكافئهما، ولكن خاب ظنهما فما أن رآهما عمرو يختصمان حتى بشرهما بالنار، فقد أخرج الحاكم في مستدركه (٣/ ٣٨٦) حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا المعتمد بن سليمان عن أبيه عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو أن رجلين أتيا عمرو بن العاص يختصمان في دم عمار بن ياسر وسلبه، فقال عمرو بن العاص: يختصمان في دم عمار بن ياسر وسلبه، فقال عمرو: خفيا عنه فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (اللهم أولعت قريش بعمار إن قاتل عمار وسالبه في النار) قال الحاكم: وتفرّد به عبد الرحمن بن المبارك وهو ثقة مأمون عن معتمر عن أبيه، فإن كان محفوظًا فإنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ٤ - وأخيرًا وليس آخرًا وقطعًا لدابر الشك نذكّر القارئ الكريم بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٣٦١) وهذا دليل قطعي على أن الطرفين (وإن بغى أحدهما) لم يخرجا من دائرة الإسلام والإيمان بنص الكتاب والسنة. ٥ - وأخيرًا وليس آخرًا فقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: (تمرق مارقة عند فرقة من الناس تقتلهما أولى الطائفتين بالحق) صحيح مسلم (٧/ ١٦٧) وفي رواية أخرى: (تمرق مارقة من الناس يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق) صحيح مسلم (٧/ ١٦٨). وهذا يعني أن كل طائفة كانت على الحق إذا كان بمعنى الإسلام والتوحيد، ولكن إحداهما كانت أقرب إلى الحق بمعنى اتخاذ القرار الصائب شرعًا وهو ما كان عليه علي والمصلحون من أصحابه كما قال عمار، أما مثيرو الفننة والسبئية فليسوا منهم، ولم تمض فترة قليلة حتى كشف الله زيف كثير منهم فخرجوا على علي رضي الله عنه فقاتلهم وانتصر عليهم، وهذا يعني أيضًا أن طائفة علي كانت أقرب إلى الحق بمعنى الصواب في اتباع أمير المؤمنين وعدم الخروج عليه، وكانت طائفة معاوية مخطئة في اجتهادها فلم تصب الصواب بخروجها على ولي الأمر الشرعي. ولقد أدرك سيدنا معاوية بعد ذلك أنه أخطأ وكان جوابه لمن اعترض عليه (كالمسور بن مخرمة) بأنه أخطأ ولكنه يرجو ربًا غفورًا أن يغفر له ويعفو عنه، وكذلك ندم عمرو بن العاص ندمًا شديدًا وظل كذلك طوال حياته ولم يَنْسَ حتى وهو ينازع سكرات الموت فيثني على =