الرد على شبهات أثارها الأستاذ أحمد شلبي (أستاذ التاريخ) حول شخصية عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

٣ فقرات، ج ٤ ص ١٣٦

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = قال الحافظ ابن حجر: وكان الأمر كما قال ابن عباس فإن عبد الملك لم يزل في تقدم من أمره إلى أن استنفذ ما كان ولم يزل ابن الزبير في تأخر إلى أن قتل رحمه الله تعالى. [فتح الباري (٩/ ٢٢٧)]. قلنا: والشجاعة وحدها لا تكفي في هذه المواقف بل يضاف إليها السياسة والحنكة والإقدام. خامسًا: لقد كان طرد بني أمية وأميرهم من المدينة خطأ سياسيًا فادحًا إذ ساعد ذلك في تجمعهم مع بعض في الشام الذي عرف أهله بمساندة بني أمية، ومن ثَمَّ جيَّشوا الجيوش وانطلقوا من هناك لحرب ابن الزبير رضي الله عنه. سادسًا: لقد تغير الناس عما كانوا عليه أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتوفي عدد كبير من الصحابة فكان لا بدَّ من ابن الزبير أن لا يحاسب الناس ويعاملهم كما يفعل مع نفسه من الشدة في العبادة والورع بل كان المتوقع أن يلين لهم ويعطيهم ويتحمل منهم الأذى ويتقبل المعارض بصدر رحب ويأتلف عوامهم وخواصهم، ولكنه لم يفعل بل آذى ابن الحنفية وابن عباس وحصرهما لأنهما لم يبايعيا له وذلك واضح في قول ابن عباس رضي الله عنه وهو يقارن بين معاوية رضي الله عنه وابن الزبير رضي الله عنه. قال ابن عباس رضي الله عنه: "ما رأيتُ رجلًا كان أخلق للملك من معاوية كان الناس يردون بيته على أرجاء وادٍ، ليس بالضعيف الحصر العصص المتعصب يعني ابن الزبير". أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح [المصنف (ح ٢٠٩٨٥)]. الردّ على شبهات أثارها الأستاذ أحمد شلبي (أستاذ التاريخ) حول شخصية عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يصوّر لنا الأستاذ الشلبي غريزة حب السلطة الواضحة في شخصية ابن الزبير ولكن دونها عوائق وحواجز فبنو هاشم وبنو أمية أعرق محتدًا وأوسع جاهًا، وأكثر أنصارًا، ومن هنا دبَّ فيه عامل الغيظ (والكلام لأحمد شلبي) وإذا اجتمع الغيظ والذكاء والحرمان كانت النتيجة نارًا ملتهبة يمتد لهيبها فيحرق الكثيرين وهذا هو المفتاح الذي يبرز لنا حقيقة هذا الرجل طموح للرياسة وإدراك أن دونها عقبات وعجز عن مقابلة هذه العقبات وجهًا لوجه وحيل مختلفة فيها حنق وغيظ لإزالة هذه العقبات من طريقه. [التاريخ الإسلامي (٢) الدولة الأموية (٢١٨)]. قلنا: سبحان الله كيف سمح شلبي لنفسه أن يصف هذه الصحابي الجليل بهذه الأوصاف التي هي من نسج خياله، وخيال المتروكين الهالكين كأبي مخنف والواقدي. ولقد أكدت جميع المصادر التي ذكرنا أن معظم الأمصار والأجناد قد استجابوا لابن الزبير حين بويع بالخلافة سوى الجابية أو الأردن على خلاف بين المؤرخين وذكرنا كل ذلك في =
    ج ٤ ص ١٣٦
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = حينه وحتى اليعقوبي الذي يستشهد بآرائه لم يستطع أن يخفي تلك الحقيقة وذكر أن البلاد والعباد قد مالوا إلى ابن الزبير بعد إعلان بيعته وموت معاوية بن يزيد فأين قلة الأنصار يا أستاذنا الفاضل ثم هل شققت صدر ابن الزبير لترى فيه الغيظ والحقد والشعور بالحرمان - اللهم عفوك -. ثم يستطرد في كيل التهم لابن الزبير رضي الله عنه ويقول: أن ابن الزبير تظاهر بالموت وترك خالته وحدها هدفًا للسيوف والحراب يوم وقعة الجمل. قلنا: والذي ذكره ابن كثير في البداية والنهاية خلاف ما قاله الشلبي فلم يتظاهر ابن الزبير بالموت بل جرح يومئذٍ بضعًا وأربعين جراحة ولم يوجد إلَّا بين القتلى وبه رمق ولا ندري لو كانت بأحدنا جراحة واحدة فقط فماذا يفعل؟ ثم قال شلبي: لقد لجأ عبد الله بن الزبير إلى حيلة سبق أن شرحناها وهي أن دفع الحسين ليستجيب لنداء الكوفة وهو يعرف طببعة الغدر في رجالها وطبيعة الخيانة وسقط الحسين فقوي الأمل في نفس عبد الله. ولقد بينا أثناء حديثنا عن موقف الصحابة من مسير الحسين رضي الله عنه إلى العراق أن تلك المقولة غير صحيحة فهي من رواية التالف الهالك أبي مخنف ورواية أخرى في إسنادها مجاهيل. وذكرنا في حينها رواية الإمام النسوي ورجال إسنادها ثقات وفيها أن ابن الزبير نهى الحسين عن المسير إلى العراق فماذا يقول شلبي؟ وفي الصفحة (٢١٩) يتحدث الشلبي عن الظروف التي جنى ثمارها ابن الزبير كوقعة كربلاء ثم وقعة الحرة، وحرق الكعبة بالمنجنيق كل ذلك زاد السخط العام على يزيد ومن بعده مروان. ونحن لا ننكر هذه العوامل التي ذكرها الشلبي وهي كما قال ولكن لسنا موافقين له في قوله: "فلما مات يزيد وانقسم الأمويون على أنفسهم حانت للرجل الرابض في مكة الفرصة التي ينتظرها فتلقاها وبنى مجده على أساسها ومن الواضح أنه لم يخرج مرة لقيادة جيش ولم يجازف مرة ليحمي ما حصل عليه من ملك كما سنرى فيما بعد موقفه مع الحصين بن نمير وإنما بقي في مكة. قلنا: إن كان يعني بقوله: (لم يخرج مرة لقيادة جيش) أنه لم يشارك في قيادة معركة بصورة عامة فهذا غلط تاريخي كبير وشجاعة ابن الزبير في قيادة طلائع الجيش الفاتح في بعض مناطق المغرب واضحة للعيان وقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية مسندًا، وبين أنه دخل قلب جيوش البربر وقضى على مَلِكِهم ومُلْكِهم وإن كان الأستاذ الشلبي يعني بذلك أنه لم يخرج من مكة أثناء الحصار ليقود الجيش فتلك خطته الحربية ولكل قائد خطة دفاعية كانت أو هجومية وليس ذلك بدليل على جُبْنِه حاشاه =
    ج ٤ ص ١٣٧
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = فهو الشجاع الذي يشهد له خصمه بشجاعته قبل صديقه. وبلغ السيل الزبى وطفح الكيل حين اتهم الأستاذ الشلبي ابن الزبير بأنه تطاول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وترك الصلاة على النبي في خطبته بحجة أن له أهل سوء يشرئبون لذكره. (ص ٢٢١). حاشا لابن الزبير أن يقول ذلك وحاشا لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكونوا كذلك ولكنه الأستاذ الشلبي الذي يريد أن يجعل من الروايات المكذوبة مصدرًا من مصادره للحكم على صحابي جليل وصفه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم بأنه صوام قوام وصولٌ للرحم، ومعلوم أن الشلبي اعتمد في هذه الفرية على اليعقوبي المعروف ببدعته والذي لم يرو ذلك بسند يستحق الذكر كعادته فإنه يسرد الأحداث بلا إسناد وكذلك أشار الشلبي إلى العقد الفريد كمصدر آخر ومعلوم أن العقد الفريد كتاب أشعار وخطب ونوادر قبل أن يكون كتاب تاريخ، وابن عبد ربه يسوق هذا الخبر وغيره بلا إسناد مستقيم وقد عقب عليه الحافظ ابن كثير حين نسب خبرًا لا يصح إلى ولاة بني أمية. فقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت وربما لا يفهم أحدٌ من كلامه ما فيه من التشيع وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ. [البداية (٨/ ٦)]. ويقول الأستاذ الشلبي: لم تكن لهذا الرجل فلسفة ولم تكن ثورته ثورة مباديء بل لم تكن ثورة عسكرية أيضًا وأنه لذلك مسؤول عن الدماء التي أراقها ليحقق لنفسه حلمًا وليبني لنفسه مجدًا. (ص ٢٢٢). ونحن لا نريد أن نتأثر بردة الفعل فنقول بل كانت له فلسفة وكان ثوريًا ... إلخ، فهذه مصطلحات غريبة عن ذلك التاريخ. والشلبي يعني بقوله: (لم تكن لابن الزبير فلسفة ولم تكن ثورته ثورة مبادئ). أي: أن ابن الزبير لم يفعل ما فعل بدافع التدين ورفع الظلم عن الأمة ما إلى ذلك من المبادئ التي تجعل حركته هادفة لتحقيق غايات نبيلة، وهنا نحب أن نذكر ببعض ما ذكرنا آنفًا وفي ذلك ردّ واضح على خيالات الشلبي: ١ - لم يكن ابن الزبير مقتنعًا بكفاءة يزيد للخلافة لأنه متهم بشرب الخمر وتأخير الصلاة، ولأن أهل الحل والعقد لم يجتمعوا عليه. ٢ - أراد ابن الزبير أن يرجع بالأمة إلى ما كانت عليه في السالف وأن يجعل الخلافة كما كانت عليه أيام رشدها على منهج النبوة وخير مثال على ذلك بناءه الكعبة على أصولها الإبراهيمية تنفيذًا لأمره عليه الصلاة والسلام، وسنتحدث عن حادثة بناء الكعبة وما فيها من دلالات بعد حين إن شاء الله. ٣ - إذا كانت الأمة قد بايعت لابن الزبير بأغلبية أمصارها سوى مصر أو مصرين فلماذا يكون مسؤولًا عن تلك الدماء ولا يكون يزيد ومن بعده مروان ثم عبد الملك هم المسؤولون عن =
    ج ٤ ص ١٣٨