حادثة احتراق الكعبة وبناؤها من جديد على أصولها الإبراهيمية في إمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

٣ فقرات، ج ٤ ص ١٣٩

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = إراقة هذه الدماء علمًا بأن إمامة هؤلاء لا تصح عند ابن حزم وغيره من المتقدمين والذهبي وغيره من المتأخرين. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبًا استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدًّا وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الإسلامية وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها ولكن عارضُه مروان بن الحكم في ذلك وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير ثم جهز السرايا إلى العراق. [البداية والنهاية (٧/ ١٥٠)]. وأما الإمام الذهبي فهو يرى أن مروان هو الخارج على الخليفة ابن الزبير ولا تصح إمامة عبد الملك بن مروان إلَّا من بعد مقتل ابن الزبير رضي الله عنه. قال الذهبي رحمه الله: عبد العزيز بن مروان أمير مصر وولي عهد المؤمنين بعد أخيه عبد الملك بعهد من مروان إن صححنا خلافة مروان فإنه خارج على ابن الزبير باغٍ فلا يصح عهده إلى ولديه إنما تصح أمامة عبد الملك من يوم مقتل ابن الزبير. [تاريخ الإسلام (٣/ ١٣٣)]. حادثة احتراق الكعبة وبناؤها من جديد على أصولها الإبراهيمية في إمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أخرج مسلم في صحيحه كتاب الحج (ح ٤٠٢/ ١٣٣٣): عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجزئهم -أو يحربهم- على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا علي في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثًا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت لها بابًا فيدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه". قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يُدخل منه، =
    ج ٤ ص ١٣٩
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = والآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه. وأخرج مسلم أيضًا في صحيحه / كتاب الحج (ح ٤٠٤/ ١٣٣٣). عن أبي قزعة، أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير، حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر، فإن قومك قصروا في البناء"، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بينى ابن الزبير. اهـ. قلنا: ولهذه الرواية الصحيحة دلالات نودُّ أن نقف عندها قليلًا: ١ - كان ابن الزبير رضي الله عنه وقافًا عند كتاب الله متبعًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بذلك صاحب مبادئ لا كما اتهمه الأستاذ الشلبي عفا الله عنه وكان واعيًا لمقاصد الشرع إذ قال رضي الله عنه: ، فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس". أي: أن الناس ليسوا بحديثي عهد بالجاهلية كما كانوا قبل ذلك بعقودٍ من الزمن. ٢ - لم يكن عبد الملك صاحب تلك الصورة السيئة التي رسمتها روايات الضعفاء والمجاهيل من أنه ترك المصحف منذ أن تولى الحكم والدليل على ذلك قوله في رواية مسلم: "لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بينى ابن الزبير". ونحن نرى -والله أعلم- من خلال دراستنا للروايات التاريخية الصحيحة أن عبد الملك لم يكن تواقًا إلى القتال ولم يكن يحب سفك الدماء، إنما اضطر لذلك (حسب اعتقاده) لاستتباب الأمن والحفاظ على وحدة الأمهْ ولقد كان أبوه من قبل (مروان) قد أمر جنوده بعدم ملاحقة الهاربين من جيش الضحاك بعد خسارتهم في المعركة. وقد روى جرير بن حازم، عن نافع قال: ، لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان". [ابن سعد (٥/ ٢٣٤)، تاريخ بغداد (١٠/ ٣٨٩)، الذهبي (٣/ ١٣٩ و ١٤٠)]. ولقد ذكرت كتب التاريخ أن عبد الملك حين أفضى إليه الأمر والمصحف في حجره يقرأه أطبقه وقال: هذا آخر عهدي بك، أو هذا فراق بيني وبينك. اهـ. ولما تتبعنا أصل الرواية وجدنا عند الخطيب البغدادي في تأريخه الرواية الأولى (١٠/ ٣٨٩) عن ابن عائشة قال: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف ... إلخ. قلنا: وابن عائشة الذي توفي (سنة ٢٢٨ هـ) بينه وبين اليوم الذي تولى فيه عبد الملك (سنة =
    ج ٤ ص ١٤٠
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ٦٥ هـ) مفاوز فكيف علم بقوله: عبد الملك هذه علمًا بأن إسناد الخطيب إلى ابن عائشة لا يخلو من مجهول؟ والرواية الثانية عند الخطيب (١٠/ ٣٩٠) من طريق ثعلب عن ابن الأعرابي. قال: لما سلم على عبد الملك بن مروان بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك. اهـ. قليا: وابن الأعرابي لم يدرك الحادثة والراوي عنه ثعلب (مجهول) ولم نجد للخالع ترجمة فأنّى يستقيم هذا الإسناد وكيف نقول بأن هذا الانقلاب حصل في سلوك وشخصية عبد الملك اعتمادًا على هذين الإسنادين المهلهلين؟ ولسنا بصدد الدفاع عن أخطاء عبد الملك بن مروان فالرجل خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا ولكننا في الوقت نفسه ننفي عن التاريخ الروايات المختلفة التي بالغت في ذم بني أمية حتى إنك لا ترى فيهم إمامًا صالحًا يستحق الذكر سوى معاوية رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز وليس الأمر كذلك. وختامه مسك: أسماء بنت أبي بكر والمثل الأعلى للأم المؤمنة. قلنا: يوم أن كان العالم مبهورًا ببريق الشيوعية وبهرجها الزائف أوائل هذا القرن كان الأدب الروسي يصور لنا صورة لأم تتأثر بابنها الشيوعي الكادح يومًا فيومًا ثم تبدأ الأم بتوزيع منشورات الثورة وقام الأدباء الروس والعرب على حدٍّ سواء يروجون لرواية الأم ومؤلفه الشيوعي مكسيم كوركي. ولم يكلف الأدباء العرب أنفسهم عناء البحث في تاريخ الإسلام العظيم ليستخرجوا تلك الدرة الثمينة من أعماق بحر التاريخ الإسلامي إنها أم وليست كسائر الأمهات إنها المؤمنة الموحدة الصابرة المكافحة المجاهدة أسماء بنت أبي بكر تعلم أن ابنها محاصر من قبل أعداءه ومحاط بالسيوف والرماح ينتظره جلاد كالطاغية الحجاج فما يكون منها إلَّا أن تحثه على الصبر والجهاد لرفع الظلم وبيع الدنيا مقابل الشهادة أيُّ أمٍّ هذه التي تحث ابنها على الثبات ثم تراه مصلوبًا فلا تولول ولا تشق جيبًا ولا تلطم خدًا؟ ثم تغسل الشلو الممزق بيديها الكريمتين الحانيتين حقًّا إن هذا لتاريخ عقيدة فأين أدعياء العلم والتاريخ الذين تربوا على موائد المستشرقين وكيف يفسرون تصرف هذه الأم وابنها البطل ألاما أعظم مفردات التاريخ الإسلامي، وما أعظم فرية المفترين واختلاق الرواة المجهولين والمتروكين واصطياد الباحثين المرضى في خضم الروايات المكذوبة والموضوعة، والحمد لله على نعمة الإسناد. وهذه هي الرواية الصحيحة في ذلك: أخرج مسلم في صحيحه: عن أبي نوفل، رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مرَّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد =
    ج ٤ ص ١٤١