[قصة الذبيح]
٣ فقرات، ج ١ ص ٢٦٤
- ج ١ ص ٢٦٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = * قلنا: الحديث أخرجه البخاري (ح ٣٣٦٤) و (ح ٣٣٦٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٠) وأما ابن عباس فإن كان لم يسمعه من النبي فهو من مرسل الصحابة ولم يعتمد البخاري على هذا الإسناد الخالص كما ترى. وقال في موضع آخر: وهذا القدر صرح ابن عباس برفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه إشعار بأن جميع الحديث مرفوع (فتح الباري ٧/ ٥٤). وعند أهل التوراة أن الله أمر إبراهيم بأن يختن ولده إسماعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة، وهذا امتثال لأمر الله عزَّ وجلَّ في أهله، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب. ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال، كما هو مقرر في موضعه. وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اختتن إبراهيم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه السلام - وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم". تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وهكذا رواه مسلم عن قتيبة. وفي بعض الألفاظ: "اختتن إبراهيم بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم"، والقدوم هو الآلة، وقيل: موضع. وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين .. والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اختتن إبراهيم وهو ابن مئة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة". رواه ابن حبان في صحيحه. وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وأنه إسماعيل، ولم يذكر في قدمات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات: أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد -على ما ذكر- إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم، وقد ذكر أن الأرض كانت تطوى لهم، وقيل: إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فكيف يختلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة؟ ! وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات، ولم يذكر فيه قصة الذبيح، وقد دللنا على أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات. [قصة الذبيح]: قال الله تعالى: {وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ =
- ج ١ ص ٢٦٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: ٩٩ - ١١٣]. يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه، سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فبشره الله بغلام حليم، وهو إسماعيل - عليه السلام -، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لأنه أول ولده وبكره. وقوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل. فلما كان هذا، رأى إبراهيم - عليه السلام - في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا، وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعًا: "رؤيا الأنبياء وحي". وهذا اختيار من الله عزَّ وجلَّ لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن، بعدما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع. فامتثل أمر الله في ذلك، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلًا عليه، فجعل الله لهما فرجًا ومخرجًا، ورزقهما من حيث لا يحتسبان. ثم لما أُمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره، أجاب ربه وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته. ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذيحه قهرًا: {قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}. فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد. قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قبل: "أسلما" أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر، والمعنى "تلَّه للجبين" أي ألقاه على وجهه. فعند ذلك نودي من الله عزَّ وجلَّ: {أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك، ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلت ولدك للقربان، كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان! ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} أي الاختبار الظاهر البين. وقوله: {وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي جعلناه فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه. والمشهور عن الجمهور أنه كبش ثم ذكر ابن كثير بعض الروايات في وصف الكبش. ثم قال: ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات. وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم، والاختبار الباهر، وأنه فُدي بذبح عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشًا. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله نافع، عن صفية بنت شيبة =
- ج ١ ص ٢٦٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم، ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة، وقالت مرة: إنها سألت عثمان: لم دعاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: قال لي رسول الله: "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي". [مسند أحمد / ح ١٦٦٣٧]. قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا. وكذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقًا عند ميزاب الكعبة حتى يبس. وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل، لأنه كان هو المقيم بمكة، وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره .. والله أعلم. وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل، لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} ومن جعله حالًا فقد تكلف، ومستنده أنَّه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعًا لا محيد عنه، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه ووحيده، وفي نسخة من المعربة: بكره إسحاق، بلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر إنما ذاك إسماعيل. وإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإسحاق والد يعقوب -وهو إسرائيل- الذي ينتسبون إليه، فأرادوا أن يجرّوا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وقد قال بأنه إسحاق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم، وإنما أخذوه -والله أعلم- من كعب الأحبار، أو من صحف أهل الكتاب. وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز، ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل [لقد فصلنا القول في هذا البحث في مكان آخر فلا نعلق هنا على ترجيح ابن كثير]. وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظي على أنه إسماعيل وليس بإسحاق من قوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}، قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ هذا لا يكون، لأنه يناقض البشارة المتقدمة ... والله أعلم. وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} جملة تامة، وقوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال: لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضًا إلى أن يعاد معه حرف الجر، فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمرو، حتى يقال ومن بعده بعمرو. وقال: فقوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ =