[بناء البيت العتيق]

٣ فقرات، ج ١ ص ٢٦٩

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = إسحاق فائدة، ولما عين بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده، كما سرا بمولد أبيه من قبله، وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا}، وقال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}. وهذا إن شاء الله ظاهر قوي، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله ... أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة"، قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد". وعند أهل الكتاب، أن يعقوب - عليه السلام - هو الذي أسس المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا ببيت المقدس شرفه الله. وهذا متجه ويشهد له لما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكون بناء يعقوب - عليه السلام - وهو -إسرائيل- بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء. وقد قال بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق، لأن إبراهيم - عليه السلام - لما دعا، قال في دعائه كما قال تعالى: {وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: ٣٥ - ٤١]. وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام، لما بينى بيت المقدس سأل الله خلالًا ثلاثة، كما ذكرناه عند قوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}، -وكما سنورده في قصته- فالمراد من ذلك والله أعلم، أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة، ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه. وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه. [بناء البيت العتيق]: قال الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: ٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ} [آل عمران: ٩٦ - ٩٨]. قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا =
    ج ١ ص ٢٦٩
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: ١٢٤ - ١٢٩]. يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه، وبوأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودله عليه. فأمر الله تعالى إبراهيم - عليه السلام - أن يبني له بيتًا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السموات والأرض، كما ثبت في الصحبحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة". ولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل - عليه السلام -، ومن تمسك في هذا بقوله: {مَكَانَ الْبَيتِ} فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدره، المعظم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم. وقد قال الله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ} أي أن أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى. البيت الذي ببكة. وقيل: محل الكعبة: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أي على أنه بناء الخليل، والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته، ولهذا قال: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} أي الحجر الذي كان يقف عليه قائمًا لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور، ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء. كما ذكر في حديث ابن عباس الطويل. وقد كان هذا الحجر ملصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخره عن البيت قليلًا، لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء، منها قوله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام. وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: وثور ومن أرسي ثبيرًا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل =
    ج ١ ص ٢٧٠
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة. ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أي في حال قولهما: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله عزَّ وجلَّ، وهما يسألان من الله عز وجل السميع العيم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: ١٢٨]. والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع، في واد غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة، وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرمًا مُحرمًا وآمنًا مُحتمًا. فاستجاب الله -وله الحمد- له مسألته، ولبى دعوته، وأتاه طلبته، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا}. وسأل الله أن يبعث فيهم رسولًا منهم، أي من جنسهم، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان: الدنيوية والدينية، سعادة الأولى والآخرة. وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولًا وأي رسول! ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحد قبله، وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء، لشرفه في نفسه وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته، وكريم محتده وعظيم مولده، وطيب مصدره ومورده. ولهذا استحق إبراهيم الخليل - عليه السلام - إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض، أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إلى يوم البعث والنشور. وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بنائه للبيت، وما ورد في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية، فمن أراد فليراجعه ثمَّ ... ولله الحمد. وفي الصحيحين من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر، عن ابن عمر، عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألم تَرَ أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله .. ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ =
    ج ١ ص ٢٧١