[ثناء الله على خليله إبراهيم]
٨ فقرات، ج ١ ص ٢٧٢
- ج ١ ص ٢٧٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فقال: "لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت". وفي رواية: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية -أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر". صحيح البخاري / ح (٤٤٨٤) وح (١٥٨٦). وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسبما أخبرته به خالته عائشة، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاثةٍ وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه. فأمر بردها إلى ما كانت عليه، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر، ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة، فارتفع بابها الشرقي، وسدوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم. ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك. ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة. يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد. فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم. [ثناء الله على خليله إبراهيم]: قال الله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لما وفى ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة، جعله للناس إمامًا يقتدون به ويأتمون بهديه. وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه، وباقية في نسبه، وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام وسلمت إليه الإمامة بزمام، واستثنى من نيلها الظالمون. واختص بها من ذريته العلماء العاملون، كما قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}، وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. فالضمير في قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} عائد على إبراهيم على المشهور، ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبًا، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته .. والله أعلم. وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} الآية. فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل، فمن ذريته وشيعته، وهذه خلعة سنية لا تضاهى، ومرتبة عليّة لا تباهى. وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارة، ووُلِدَ له يعقوب -وهو إسرائيل- الذي ينتسب =
- ج ١ ص ٢٧٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = إلى سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدًّا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة، وحتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل. وإما إسماعيل - عليه السلام -، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى، ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه. فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدرة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع، ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة. وقد ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: "سأقوم مقامًا يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم". فمدح إبراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق، في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق. وقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة". ورواه أهل السنن من حديث منصور به. [البخاري / ح ٣٣٧١]. وقال تعالى: {وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابًا بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير. والحاصل: أن الله عزَّ وجلَّ أجابه إلى ما سأل، فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور، اختلفوا في تعيينها على أقوال، والمقصود حاصل على كل تقدير، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض، ثم يقسمه قسمًا ويجعل على كل جبل منهن جزءًا ففعل ما أمر به، ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه، وكل ريشة تأتي إلى أختها، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشيء: كن فيكون، فأتين إليه سعيًا، ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانًا. وقد كان إبراهيم - عليه السلام - يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علمًا يقينًا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانًا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين! فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله. وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ =
- ج ١ ص ٢٧٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: ٦٥ - ٦٨]. ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصاري في دعوي كل من الفريقين، كون الخليل على ملتهم وطريقتهم، فبرأه الله منهم، وبيّن كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله: {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ} أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة؟ ولهذا قال {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، إلى أن قال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: ٦٧]. فبين أنه كان على دين الله الحنيف، وهو القصد إلى الإخلاص، والانحراف عمدًا عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والشرك. كما قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَينَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: ١٣٠ - ١٤١]. فنزه الله عزَّ وجلَّ خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا، وبيّن أنه إنما كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن من المشركين، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} يعني الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم: {وَهَذَا النَّبِيُّ} يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرع للخليل، وكمله الله تعالى له، وأعطاه ما لم يُعْطِ نبيًّا ولا رسولًا من قبله، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ =
- ج ١ ص ٢٧٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: ١٢١ - ١٢٣]. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: "قاتلهم الله .. والله ما استقسما بالأزلام قط". لم يخرجه مسلم. وفي بعض ألفاظ البخاري: "قاتلهم الله ... لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط". [البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٥٢] و [الحج / ١٦٠١]. وقوله: {أُمَّةً} أي قدوة إمامًا مهتديًا داعيًا إلى الخير، يُقتدى به فيه {قَانِتًا لِلَّهِ} أي خاشعًا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته {حَنِيفًا} أي مخلصًا على بصيرة {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} أي قائمًا بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله {اجْتَبَاهُ} أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته، واتخذه خليلًا، وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة. وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} يرغب تعالى في اتباع إبراهيم - عليه السلام -، لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} ولهذا اتخذه الله خليلًا، والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم: قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سُمّي الخليل خليلا وهكذا نال هذه المرتبة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهم من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيها الناس .. إن الله اتخذني خليلًا". وقال أيضًا في آخر خطبة خطبها: "أيها الناس .. لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله". أخرجاه من حديث أبي سعيد. [البخاري / ح ٣٩٠٤] ومسلم [٢/ ٢٣٨٢]. وثبت أيضًا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود. وروى البخاري في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم! . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبيّ، حدثنا محمود بن خالد السلمي، حدثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقى في قلبه الوجل، حتى إن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرًا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له، فقيل: إنه =
- ج ١ ص ٢٧٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = مذكور في خمسة وثلاثين موضعًا، منها خمسة عشر (موضعًا) في البقرة وحدها. وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصًا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}، وقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} الآية. ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -. وهو الذي وجده - عليه السلام - في السماء السابعة مسندًا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمير عن أنس في حديث الإسراء، من أن إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، فمما انتقد على شريك في هذا الحديث. والصحيح الأول. وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن". تفرد به أحمد [مسند أحمد / ٨٣٩٩]. ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: "وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم". رواه مسلم من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه. وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر"، ثم ذكر استشفاع الناس بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيقول: "أنا لها، أنا لها" الحديث بتمامه. وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبيد الله، حدثني سعيد، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: "أكرمهم أتقاهم"، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فعن معادن العرب تسألونني؟ "، قالوا: نعم، قال: "فخيارهم في الجاهلجة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" [صحيح البخاري / ح ٣٣٨٣]. وهكذا رواه البخاري في مواضع أخرى ومسلم والنسائي من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله -وهو ابن عمر- العمري به. ثم قال البخاري: قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قلت: وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما، وحديث عبيدة بن سليمان، والنسائي من حديث محمد بن بشر، أربعتهم عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكروا أباه. =
- ج ١ ص ٢٧٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله". تفرد به أحمد [مسند أحمد / ح ٨٣٩٩]. وقال البخاري: إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر به. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحشر الناس عراة غرلًا، فأول من يكسى إبراهيم - عليه السلام -"، ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، وكلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به (أحمد / ح ١٩٥٠) والبخاري (ح ٣٣٤٩). وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الأفضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون. وأما الحديث الآخر الذي قاله الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو نعيم، حدثنا سفيان -هو الثوري- عن مختار بن مختار بن فلفل، عن أنس بن مالك، قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم" فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس، وعلي بن مشهر ومحمد بن فضيل، أربعتهم عن المختار بن فلفل [وانظر مسند أحمد / ١٢٨٢٦]. وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل - عليه السلام - كما قال: "لا تفضلوني على الأنبياء"، وقال: "لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ ". وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة. وكذلك حديث أُبيّ بن كعب في صحيح مسلم: "وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم". ولما كان إبراهيم - عليه السلام - أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أمر المصلي أن يقول في تشهده، ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره، قال: قلنا: يا رسول الله .. هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم =
- ج ١ ص ٢٧٨
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه قال: فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة، فوهبت له نفسَها فتزوجها، وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فأتى حرَّان، فأقام بها زمانًا، ثم أتى الأردنّ فأقام بها زمانًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانًا، ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع (أرض بين إيليا وفلَسطين) واحتفر بئرًا، وبنى مسجدًا. ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحوّل من عندهم، فنزل منزلًا بين الرملة وإيليا، فاحتفر به بئرًا أقام به، وكان قد وُسِّع عليه في المال والخدم، وهو أوّل من أضاف الضيف، وأوّل من ثرَد الثريد، وأوّل من رأى الشيب.
قال: وولد لإبراهيم - عليه السلام - إسماعيل وهو أكبر ولده- وأمه هاجر وهي قبْطية، وإسحاق، وكان ضرير البصر، وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح - ومدن، ومدين، ويقسان، وزمران، وأسبق، وسوح؛ وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة.
-
فأما يقسان فلحق بنوه بمكة، وأقام مدن ومدين بأرض مدين، فسميت به، ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإبراهيم: يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك، وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة! فقال: بذلك أمرت، قال: فعلَّمهم اسمًا من أسماء الله تبارك وتعالى، فكانوا يستسقون به ويستنصرون، فمنهم من نزل خراسان، فجاءتهم الخزر فقالوا: ينبغي للذي علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض، أو ملك الأرض، قال: فسموا ملوكهم خاقان.
قال أبو جعفر: ويقال في يسبق: يسباق، وفي سوح: ساح (١) . (١: ٣١٠/ ٣١١)
وقال بعضهم: تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب، إحداهما قَنطورا بنت يقطان، فولدت له ستة بنين، وهم الذين ذكرنا، والأخرى منهما
- = وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (البخاري ح ٤٧٩٧).
- (١)ضعيف.