ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجي
٧ فقرات، ج ٤ ص ٣٧٤
- ج ٤ ص ٣٧٤
وفي هذه السنة قُتِل الضحاك بن قيس الخارجي، فيما قال أبو مخنف، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه.
- ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:
-
ذكر أنّ الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، وبايعه منصور بن جُمْهور، ورأى عبد الله بن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه: إن مقامكم عليّ ليس بشيء؛ هذا مروان فسرْ إليه؛ فإن قاتلته فأنا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه.
-
فذكر هشام، عن أبي مخنف، أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقيَ مَرْوان بكفَرْتوثَا من أرض الجزيرة، فقتِل الضحاك يوم التقوْا.
-
وأما أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم عنه أن الضّحاك لما قتل عطية الثعلبيّ صاحبَه
ج ٤ ص ٣٧٥وعاملَه على الكوفة مِلْحان بقنطرة السَّيلحِين، وبلغه خبرُ قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط، وجّه مكانه من أصحابه رجلًا يقال له مطاعن؛ واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته، فدخل وصلى خلفه، وانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط، ودخل الضّحاك الكوفة، وكاتبه أهلُ الموصل ودعوْه إلى أن يقدم عليهم فمكَّنوه منها؛ فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهرًا، حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ عامل لمرْوان؛ وهو رجل من بني شَيبان من أهل الجزيرة يقال له القَطِران بن أَكْمَه، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطِران في عدّة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضَّحاك على الموصل وكورها. وبلَغ مَرْوان خبرُه وهو محاصِرٌ حِمْص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير فيمن معه من رَوابطه إلى مدينة نَصِيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نصِيبين في جماعة روابطه، وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية، وخلّف بحزان قائدًا في ألف أو نحو ذلك، وسار الضحاك من الموْصل إلى عبد الله بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوّة لكثرة من مع الضحاك؛ فهم فيما بلغنا عشرون ومئة ألف، يرزق الفارس عشرين ومئة والراجل والبغال المئة والثمانين في كلّ شهر؛ وأقام الضحاك على نَصِيبين محاصرًا لها، ووجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبدر الذّكوانيّ مولى سليمان بن هشام، في أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرّقة، فقاتلهم مَنْ بها من خيل مروان؛ وهم نحو من خمسمئة فارس، ووجّه مَرْوان حين بلغه نزولهم الرَّقة خيلًا من روابطه، فلما دنوا منها انقشع أصحابُ الضَّحاك منصرفين إليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيّفًا وثلاثين رجلًا، فقطعهم مَرْوان حين قدم الزَقة، ومضى صامدًا إلى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغزّ من أرض كَفرْتوثا، فقاتله يومَه ذلك؛ فلما كان عند المساء ترجّل الضحاك وترجَّل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه، وأحدقت بهم خيولُ مروان فألحُّوا عليهم حتى قتلوهم عند العَتَمة، وانصرف مَنْ بقي من أصحاب الضَّحاك إلى عسكرهم، ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضّحاك قد قُتِل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل. وجاءهم بعض مَن عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بخبره ومقتله،
ج ٤ ص ٣٧٦فبكوْه وناحوا عليه، وخرج عبد الملك بن بشر التغلبيّ القائد الذي كان وجّهه في عسكرهم إلى الرّقة حتى دخل عسكر مَرْوان، ودخل عليه فاعلمه أنّ الضحاك قتِل، فأرسل معه رسلًا من حرَسه، معهم النيران والشَّمْع إلى موضع المعركة، فقلّبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوْا به مَرْوان، وفي وجهه أكثر من عشرين ضَرْبة، فكبّر أهل عسكر مَرْوان، فعرف أهل عسكر الضحاك أنهم قد علموا بذلك، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة، فطيِف به فيها (١) .
- (١)أورد الطبري هذين الخبرين أحدهما عن التالف أبي مخنف مختصرًا والثاني بسنده الموصول عن مخلد بن محمد (انظر المقدمة) وقد أوردنا روايات أبي مخنف المختصرة جدًّا كهذه في قسم الصحيح شريطة أن تكون مؤيّدةً بروايات أخرى من مصادر موثوقة وكما الحال هاهنا فإن رواية الطبري الثانية عن مخلد بن محمد تؤيد هذه الحادثة وأعني مقتل الضحاك الخارجي سنة ١٢٨ هـ في العراق في معركة أمام جيش عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وكذلك أخرج خليفة بن خياط عدة روايات تؤيد وقوع هذه الحادثة وهزيمة الضحاك ومقتله مع اختلاف يسير في بعض التفاصيل لا تؤثر على أصل الخبر وإليك أخي القارئ الكريم ما أخرجه خليفة. قال خليفة: قال إسماعيل بن إسحاق فحدثني الوليد بن سعيد قال خرج منصور يومًا فحمل على عبد الملك بن علقمة فطعنه فأنفذ الرمح من ظهره فقتله فتقوضت صفوف الضحاك وانصرفوا جزعًا عليه يقال كان القتال ستة أشهر ويقال سنة حتى صالحه ابن عمر فأرسل ابن عمر إلى الضحاك على أن يعطيه الرضا ويقره على عمله (تأريخ خليفة / ٣٩٧) ثم أخرج خليفة: قال إسماعيل فحدثني عون بن يزيد الباهلي قال إني بواسط إذ رأيت عبد الله بن عمر أتى الضحاك فأعطاه الرضا وفي ذلك قال سبيل بن عزرة الضبعي: ألم تر أن الله أظهر دينه ... وصلت قريش خلف بكر بن وائل [تأريخ خليفة بن خياط / ٣٩٨]. ولما كان خليفة والطبري يتبعان نظام الحوليات في تدوين التأريخ فانهما يجزّئان الحادثة ويقطعانها بين السنين وإلى هنا كانت الروايات عند خليفة (عن معارك الضحاك) ضمن أحداث سنة ١٢٧ هـ ثم بدأ بتتمة الحديث عن خروج الضحاك ومقتله ضمن أحداث سنة ١٢٨ هـ وكما فعل الطبري من بعده، فقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٢٨ هـ: خبر القتال بين الضحاك ومروان: فيها (أي ١٢٨ هـ) سار الضحاك بين قيس حتى أتى الموصل فخرج إليه عاملها فقتله الضحاك واستولى على المدينة فبلغ مروان فكتب إلى ابنه عبد الله بن مروان وهو يومئذ على الجزيرة يامره أن ينزل بنصيبين وسار إليه الضحاك فحاصره نحوًا من شهرين فلم يظفر منه بشيء وبثّ الخيول في الغارة على أرض الجزيرة حتى بلغت خيله الرقة، واجتمعت إلى الضحاك ملوك أهل الشام ممن هرب من مرو من قريش وغيرهم وسار = = مروان يريد نصيبين فرحل من عين الوردة فنزل الأكدر ثم رحل من الأكدر يوم الإثنين زحفًا على تعبئة، ورجالته تمشي وخيوله مجففات وهو في القلب فاستقبله الضحاك على قريب من فرسخين من عسكر الضحاك قريبًا من صلاة الظهر، قال إسماعيل فحدثني السري بن مسلم والوليد بن سعيد أن العسكرين لما تقاربا قام إلى الضحاك أشراف من معه من أهل الشام فقالوا له: إنه والله ما اجتمع إلى داع دعا إلى هذا الرأي منذ كان الإسلام ما اجتمع معك فتأخر وقدم من خيلك ورجالتك وفرسانك من يلقى هذا الطاغية فقال إني والله ما لي في دنياكم هذه حاجة وإنما أردت هذا الطاغية وقد جعلت لله عليّ إن رأيته أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيني وبينه وعليّ دين سبعة دراهم في كميّ منها ثلاثة دراهم، ثم أقبل مروان فالتقوا فاقتتلوا حتى غابت الشمس وقتل الضحاك في المعركة ولا يعلم به وحجز بينهم الليل ورجع الفريقان إلى معسكرهم وقتل منهم نحو من ستة آلاف وأكثر القتلى أصحاب الضحاك وقتل من الشراة نحو من ثمانمئة امرأة وأمر مروان حين أصبح فنصب راية أمان ودعا إليها وخرج الخيبري ودعى في شراته: من أراد الجنة والموت فلينتدب معي فانتدب معه ثلاثمئة وخمسون فارسًا فحملوا على مروان في القلب فانكشف وأعرى القلب وشدّ رجل من الخوارج على مروان فضربه بالسيف على عاتقه فقطع الحمائل وسقط الجفن وضربه مروان فأصاب يده وولّى هاربًا [تأريخ خليفة / ٤٠٠]. قلت وهذا إسناد مركب والسري شاهد عيان كما سيأتي فقد أخرج خليفة بعد هذا: قال إسماعيل حدثني السري وكان شهد ذلك اليوم قال هاجت يومئذ ضبابة فما كان الرجل ببصر عرف فرسه ولا سوطه ومضى فلّ مروان في كل وجه، وبقي ابنه عبد الله بن مروان في الميمنة وإسحاق بن مسلم في الميسرة على حالهما لا يعلمان حال مروان وجاء الخيبري فدخل عسكر مروان فقطع أطناب رواقه وقعد على سريره وتفرّق أصحابه حول الحجرة في النهب والقتل وشعارهم يا خيبري ولا يعلم سائر أصحاب الخيبري بالأمر للنقع والضباب ولا يرون الخيبري إلا وقد قتل فلما رأى من في عسكر مروان قلتهم ثار مولى لمحمد بن مروان وكان في حرسه رجل يقال له سليمان بن مسروح من البرابرة فنادى في العبيد من اتبعني فهو حرّ فاجتمع إليه من العبيد وغمرهم نحو من ثلاثة آلاف رجل أو أربعة آلاف رجل فقتل الخيبري وانجلت الضبابة عن مجنبتي مروان - عبد الله بن مروان وإسحاق بن مسلم - فرأوا أعلام الشراة في موضع مروان فقالوا قد قتل الخيبري واحتمله أصحابه فدفنوه فلم يقدروا على رأسه ولا جسده وخرج مولى لمروان يقال له غزوان يركض على فرسه حتى أتي مروان فأخبره الخبر فرجع مروان إلى عسكره وتابعت الشراة مكانهم فارتحل شيبان راجعًا حتى نزل الزابين من أرض الموصل فخندق على نفسه وأتاه مروان فقاتلهم عشرة أشهر كل يوم راية مروان مهزومة ثم انحدر على ماه ثم على الصيمرة ثم أتى جزيرة بركاوان ثم أتى عمان فقاتلوه فقتل بها [تأريخ خليفة / ٤٠١]. = = وكذلك أورد ابن كثير خبر خروج الضحاك وَقْتله ضمن أحداث سنة ١٢٨ هـ[البداية والنهاية ٨/ ١٦].
- ج ٤ ص ٣٧٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٤ ص ٣٧٨
وقيل: إن الخيبريّ والضحاك إنما قتِلا في سنة تسع وعشرين ومئة.