الجدل المثار حول شخصية مروان بن محمد الخليفة الأموي الأخير (ما له وما عليه)
٤ فقرات، ج ٥ ص ١٨
- ج ٥ ص ١٨
وقتل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يومًا، وكان يكنى أبا عبد الملك وزعم هشام بن محمد أن أمه كانت أم ولد كردية انتهى (١) .
- (١)وأخرج خليفة بإسناد مركب (يصلح أن يحتجّ به تأريخيًا) قال: حدثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن جده، وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: ولد مروان بالجزيرة سنة اثنتين وسبعين أمُّه أمة كانت لمصعب بن الزبير وقتل ببوصير في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة (خليفة / ٢٦٤). وهذا يعني أن خليفة والطبري يتفقان على كون مقتله سنة ١٣٢ هـ في أواخر ذي الحجة وأما من المتأخرين فقد قال ابن كثير وكانت وفاة مروان يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة وقيل يوم الخميس لست مضين منها سنة اثنين وثلاثين ومئة وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام على المشهور (البداية والنهاية ٨/ ٤٢). الجدل المثار حول شخصية مروان بن محمد الخليفة الأموي الأخير (ما له وما عليه) لقد دأبنا أن نكتب مقالة موجزة في نهاية عهد كل خليفة نتحدث فيها عن سيرته وما أثير حول شخصيته وسلوكه، فنقول وبالله التوفيق: - إن من الظلم والحيف أن نجعل مروان بن محمد سببًا رئيسًا من أسباب انحسار حكم بني أمية في الشرق الإسلامي آنذاك ومن الحيف أيضًا أن نبرّئ ساحته تمامًا من أخطاءٍ ارتكبها فكانت نهاية المطاف- ماذا قالوا عن لقبه. أما عن لقبه فقد ذكرت بعض كتب التأريخ أنه لقّب (بالحمار) وذكروا لذلك تفاسير ومبررات واهية فقالوا: لأنه جاء على رأس المئة الأولى من الخلافة الإسلامية والعرب تسمى رأس المئة حمارًا، وقالوا: كان جلدًا في الحروب صابرًا، والعرب يشبهون من هذا صفته بالحمار لجلده وتحمله وما إلى ذلك وقالوا وقالوا .... ولو كان كذلك فأين بقية الخلفاء الذين جاؤوا من بعده (على رأس كل مئة هجرية ٢٠٠ ثم ٣٠٠ ثم ٤٠٠ ... إلخ) علمًا بأن أحدًا منهم لم يلقب بالحمار! ! ! وكان فيهم من هو أشجع وأصبر من مروان فَلِمَ لم يلقب بالحمار؟ والحق يقال فإن هذه التسمية من باب الذم لا المدح. ومعلوم لدى المؤرخين أن تأريخ الخلفاء الأمويين قد دوّن مبوبًا ومصنفًا في عهد العباسيين = = فلا غرابة إذا اختلط الحابل بالنابل ولا غرابة إذا أضاف أهل الأهواء ما يشتهون إلى حقيقة الواقعة التأريخية وكل ما ذكره المؤرخون من روايات في هذه التسمية فقد أوردوا الخبر بسند مهلهل أو بلا إسناد ولعلّ أقلّ الأسانيد ضعفًا ما رواه الخطيب البغدادي (تأريخ بغداد ١٠/ ٥٥) والزبير بن بكار (الموفقيات / ١٧٣/ ١١٣). عن الربيع بن يونس قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والملوك أربعة معاوية وعبد الملك وهشام وأنا / وهذا لفظ الخطيب الذي أورد الخبر من طريق عبد الله بن مسلم وفي الزبير بن بكار زيادة ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة / فإن صحت هذه الرواية -ولا نظنها صحيحة كما سنبين- فهذا يعني أن هذا اللقب لم يطلق عليه إلا في عهد العباسيين فتلقاه الأخباريون الجماعون دون تثبت ومنهم أخذه المؤرخون دون تثبت- وهذه الرواية من طريق الربيع بن يونس حاجب الخليفة العباسي ولم نجد من يوثقه من أهل الحديث حتى ابن حبان المعروف بتساهله في التوثيق لم يذكره في كتابه الثقات وهذا يعني أنه مجهول الحال. عند أهل الحديث بالرغم من أنه غير مجهول العين وأنه كان من النبلاء الألبّاء الفضلاء كما وصفه الذهبي [سير أعلام / ٧/ ٣٣٥ / تر ١٢٠]. وبالإضافة إلى السند فإن في المتن غرابة- فالمنصور كان يَعدّ نفسه (كغيرة من بني العباس) خليفة للمسلمين وليس ملكًا والخلاقة أعظم من الملك عند المسلمين والفرق بينهما واضح للإنسان المتعلم فكيف برجل كالمنصور فكيف يعتبر نفسه ملكًا وليس خليفة؟ ! ثم إنّ المتن يخالف رواية تأريخية أخرى سنذكرها في نهاية هذه الخلاصة يصف فيها المنصور مروان بن محمد بأنه رجل سياسي وعفيف ويترحم عليه فكيف إذًا يسميه الحمار هنا ويقول بأنه لم يكن خليقًا بالخلافة؟ فالنظر في السند والمتن يدعوان إلى الريبة في هذا الخبر والله أعلم. وماذا قالوا عن أصل والدته؟ كتب التأريخ على أنها كردية كما قال البلاذري بصيغة الجزم [أنساب الأشراف / ٨/ ٣٨٦٤]. - وكذلك ذكر ابن عساكر والذهبي [سير أعلام / ٦/ ٧٤ / ١٧] وابن كثير (٨/ ٤٢) والطبري = = (٧/ ٤٤٢) بصيغة غير جازمة ولعلّ البعض اتخذ ذلك فرصة للطعن في الرجل فقال كون أمه أمة أو كردية سببًا من أسباب انهيار حكمه وزوال حكم بني أمية- ورووا في ذلك أخبارًا تفيد أن هلاك أو زوال دولة بني أمية على يد خليفة أمّه أمة ... إلخ، وهذا فهم آخر، وتلفيق إضافة الرواة المبتدعة إلى حقيقة الواقعة التأريخية كما سنذكر فقد أخرج الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى عن الحجاج بن قتيبة أنه قال: وتفرّق عنّا الناس حتى بقيت أنا وأبو مروان ورجلًا من أصحابه ومعنا أم مروان فمشينا حتى تقطعت أرجلنا وأم مروان معنا فما أنَّت أنَّة واحدة ... إلخ الرواية / [تاريخ دمشق ٢/ ١١٢ / تر ١٢١]- ولقد علّق القاضي سعدي أبو جيب في كتابه مروان بن محمد- على رواية ابن عساكر هذه قائلًا: لنتأمل هذه الأم وقد شاهدت قتل ولدها (خليفة المسلمين) والتمثيل به وخرجت هاربة وأسرته تقطع غابات أفريقيا ومجاهلها مشيًا على الأقدام لم تئن أنّة واحدة وعهدنا بالنساء الشكوى والنواح لأقلّ نازلة / وقال سعدي كذلك: لقد تتبعت سيرة هذه الأم فلم أعثر إلا على خبر واحد يدلّ على أنها كانت شديدة الشكيمة والعزيمة / مروان بن محمد / ٥٦ /. ونضيف إلى قول القاضي سعدي، فنقول: من مبادئ الإسلام الحنيف أن الله تعالى جعل اختلاف الأقوام والألسن آية من آياته وطلب منهم التعارف والتعاون فيما بينهم ومعلوم لدى علماء الاجتماع والتأريخ أن الله عزَّ وجلَّ خص كل قوم بصفة بارزة فالعرب في جاهليتهم عرفوا بالسخاء وكرم الضيافة والصراحة والفصاحة والترك معروفون منذ القدم بحزمهم وبأسهم والفرس بصبرهم وتدبيرهم والكرد بشجاعتهم وبأسهم وشجاعة مروان خير دليل على ذلك فقد ربته تلك الأم المسلمة الكردية فنشأ صلب العود شديد البأس والصبر في المحن كما قال الذهبي رحمه الله: وكان (أي مروان) مشهورًا بالفروسية والإقدام والرحلة [تأريخ الإسلام / ١٦/ ٥٣٤]. وقال ابن كثير: وكان شجاعًا بطلًا مقدامًا حازم الرأي لولا أن جنده خذلوه بتقدير الله عزَّ وجلَّ لما في ذلك من حكمة سلب الخلافة [البداية والنهاية / ٨/ ٤٢]. وبيت القصيد هنا الآتي: بما أن الله عزَّ وجلَّ قد رزق كل قوم خاصية حميدة أو أكثر يعرفون بها فإن اجتماع تلك الأقوام في ظل حضارة الإسلام قد أكسب البشرية ثروة غنية وتراثًا عريقًا لأن الصفات الحميدة كلها تذوب في بوتقة الإسلام والخلافة الإسلامية ولا بأس هنا أن نذكر = = آخره فقال المنصور لله درّ مروان ما كان أحزمه وأسوسه وأعفه عن الفيء قال: (أي ابنه المهدي) فلم قتلتموه؟ قال للأمر الذي سبق في علم الله [تأريخ الإسلام للذهبي / حوادث ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ٥٣٦]. ومع ذلك ففي سيرة مروان بن محمد الأموي جوانب مظلمة لا تليق بمن شغل هذا المنصب فقد شارك في صراع مرير على السلطة قبل تسلمه له، وسفكت دماء من أجل ذلك وإن كان قد عفا عن كثير من خصومه وآمن آخرين -وكان الأولى أن يداوي جراح الأمة ويجمع العلماء من حوله ويستشيرهم كما فعل كثير من الخلفاء من قبله، ولكن الحق أحق أن يقال ولا حول ولا قوة إلا بالله- وصدق الله سبحانه: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ}.
- ج ٥ ص ١٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٥ ص ٢٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٥ ص ٢١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = عبارة أوردها الطبري على لسان أحد جلساء الخليفة العباسي حيث سأله عن هذه الأقوام. فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلته عن الدين، وأهل الشام حصن الأمة وأسنة الأئمة وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجال والترك منابت الصخور وأبناء المغازي [تأريخ الطبري ٧/ ٧١]. ولعل من الإنصاف أن نقول: استلم مروان بن محمد دفة إدارة الخلافة في ظرف عصيب عاصف كما قال ابن قتيبة الدينوري (٢١٣ هـ) ولم يزل مروان في تشتت من أمره واضطراب من كل النواحي عليه وهو مع ذلك يقيم للناس الحج إلى سنة ثلاثين ومئة فكان ذلك آخر ما أقام بنو أمية للناس حجهم [المعارف / ١٣٦٩]. والحق فإن مروان لم يجد الفرصة الكافية لاسترداد أنفاسه ولمِّ شعثه منذ اللحظة التي تولّى فيها الخلافة وحتى مقتله سنة ١٣٢ هـ، كما قال الحافظ السيوطي (ثم إنه لم يتهنَّ بالخلافة لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنين وثلاثين ومئة فخرج عليه بنو العباس) تأريخ الخلفاء / ٢٥٥ / وفي سيرته جوانب مضيئة من الحيف والظلم ألا نذكره، من باب قوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} فقد قال الحافظ ابن كثير في ترجمته: ولّاه هشام نيابة أذربيجان وأرمينية والجزيرة في سنة أربع عشرة ومئة ففتح بلادًا كثيرًا وحصونًا متعددة في ستين كثيرة وكان لا يفارق الغزو في سبيل الله وقاتل طوائف من الناس فكسرهم وقهرهم وقد كان شجاعًا بطلًا مقدامًا. البداية والنهاية (٨/ ٤٢). ومن الجوانب المضيئة في سيرته: تَقَشُّفهُ وميله إلى الخشونة في عيشه وإن كان يحب السماع وغير ذلك ولكن غلب عليه الانشغال بالحرب وكثرة والأسفار كما قال المؤرخون وأما عن تقشفه فقد أخرج البلاذري من طريق المدائني عن أبي سلمة الغفاري قال: أتيته أطلب بدم فقال لي إن الوالي وكيل الغائب فإن شئت نازعتك. وإن شئت كتبت إلى عامل المدينة آمره بالنظر فيما تدّعي بحضرة الفقهاء ... الخبر .. وفيه: فأمر بالرحيل فرحل الناس وأبطأ خروجه فقيل له إن الناس قد ركبوا وقد أبطأت قال ويحك قبائي يُخاط فَتْقٌ فيه رأيته لا والله ما عندي غيره [جُمَل من أنساب الأشراف / ٨/ ٣٨٦٤] وروى منصور بن أبي مزاحم (ثقة) قال سمعت الوزير أبا عبد الله يقول سألني المنصور ما كان أشياخك يقولون؟ .. الخبر وفي =