وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع فهرب منهم
فقرة واحدة، ج ٥ ص ٧٩
- ج ٥ ص ٧٩
قال وحدثني عثامة بن عمرو السهمي قال: حدثني المسور بن عبد الملك قال لما حبس ابن الربيع أبا بكر بن أبي سبرة وكان جاء بجباية طيئ وأسد فدفعهما إلى محمد؛ أشفق القرشيون على ابن أبي سبرة، فلما خرج السودان على ابن الربيع خرج ابن أبي سبرة من السجن فخطب الناس ودعاهم إلى الطاعة وصلّي بالناس حتى رجع ابن الربيع (٤) .
ج ٥ ص ٨٠قال: وحدثني محمد بن يحيى قال حدثني الحارث بن إسحاق قال: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد علمه حتى أتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران
ج ٥ ص ٨١ومحمد بن عبد العزيز، وغيرهما فاجتمعوا عنده، فقال أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت فوالله لئن تمت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى؛ إنه لاصطلام البلد وأهله، والعبيد في السوق بأجمعهم فأنشدكم الله إلا ذهبتم إليهم فكلمتموهم! فكلموهم فقالوا مرحبًا بكم يا موالينا والله ما قمنا إلا أنفة لكم مما عمل بكم فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد (١) .
- (٤)هذان خبران يعتضدان ببعضهما ويؤيدهما ما ذكر مصعب الزبيري صاحب كتاب نسب قريش - وأما المنسور بن عبد الملك فهو مقبول من السابعة وأما عثامة والحارث بن إسحاق فلم نجد لهما ترجمة ويؤيد أصل الخبرين من دعوة ابن أبي سبرة إلى طاعة أمير المؤمنين أبي جعفر بعد مقتل ذي النفس الزكية ووقوع ابن أبي سيرة في الأسر أقول يؤيد هذا ما قاله مصعب الزبيري: خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة على المنصور = = وكان أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة على صدقات أسد وطيئ قدم على محمد بن عبد الله بأربعة وعشرين ألف دينار فدفعها إليه فكانت قوة لمحمد بن عبد الله، فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة، قتله عيسى بن موسى قيل لأبي بكر: اهرب قال: ليس مثلي يهرب فأخذ أسيرًا فطرح في حبس المدينة ولم يحدث فيه عيسى بن موسى شيئًا غير حبسه فولّى المنصور جعفر بن سليمان المدينة وقال له بأن بيننا وبين أبي بكر بن عبد الله رحمًا وقد أساء وقد أحسن فإذا قدمت عليه فأطلقه وأحسن جواره، وكان الإحسان الذي ذكره المنصور من أبي بكر أن عبد الله بن الربيع الحارثي قدم المدينة بعد ما شخص عيسى بن موسى ومعه جنده فعاثوا بالمدينة وأفسدوا، فوثب عليهم سودان المدينة والصبيان والرعاع والنساء فقتلوا منهم وطردوهم وانتهبوا عبد الله بن الربيع وجنده وخرج عبد الله حتى نزل بئرًا في طريق العراق على خمسة أميالٍ من المدينة وعم السودان فكسروا السجن وأخرجوا أبا بكر وحملوه حتى جاؤوا به المنبر وأرادوا كسر حديده فقال لهم ليس على هذا فوت دعوني حتى أتكلم فقالوا له: فاصعد المنبر وتكلم فأبى وتكلم أسفل من المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم حذرهم القتنة وأمرهم بالسمع والطاعة فافترق الناس على كلامه فاجتمع القرشيون فخرجوا إلى عبد الله بن الربيع فضمنوا له ما ذهب له ومن جنده وتأمّر على السودان أحدهم زنجي يقال له وثيق فمضى إليه محمد بن محمدان بن إبراهيم بن محمد بن طلحة فلم يزل يخدعه حتى دنا إليه فقبض عليه وأمر من معه فأوثقوه فشُدَّ في الحديد ورجع عبد الله بن الربيع وضمنوا ما ذهب من متاعه فردوا ما وجدوا منه وغرموا لجنده وكتب بذلك إلى المنصور فقبل منهم ورجع أبو بكر إلى الحبس حتى قدم عليه جعفر بن سليمان فأطلقه وأكرمه وسار بعد ذلك المنصور فاستقضاه ومات ببغداد [نسب قريش / ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠]. قلت ومصعب الزبيري كان يومها في الثامنة من عمره وسمع أخبار هذه الواقعة من شُيوخه مالك وغيرهم كما قال: ما رأيت أحدًا من علمائنا يكرمون أحدًا ما يكرمون عبد الله بن حسن بن حسن وخبر مصعب هذا يؤيد الخبرين الضعيفين آنفًا ولولا التساهل في رواية التأريخ ما تعاضدت هذه الأسانيد ببعضها والله أعلم.
- (١)غفر الله للإمام الطبري لقد سبق وأن ذكر تفاصيل لا قيمة لها عن خروج ذي النفس الزكية رحمه الله استغرقت صفحات طويلة ويا ليتها كانت من طرق هي من مظان الحسن على أقل تقدير ولكنها من طرق واهية جدًّا، بينما لم يول مسألة بناء بغداد بلد العلماء والحكماء ودار الخلافة -وهو عمل حضاري- اهتمامًا ذي بال بل خصص لها صفحات قليلة جدًّا بالنسبة لما سبقه من خبر الخروج وحتى هذه الصفحات سوّدها بأخبار منكرة نكارة شديدة حول استخدام أبواب سليمان وسؤال المنجمين وما إلى ذلك من الأخبار الموضوعة والملفقة جمعها الطبري وأودعها تأريخه ووقف أمامها بأعصاب باردة والعجيب أن خليفة والبسوي كذلك لم يكونا بأحسن حالًا من الطبري في خبر بناء بغداد فبينما أغفل خليفة هذه المسألة ذكره البسوي بعبارة موجزة لا تتجاوز سطرًا واحدًا، وقال الخطيب البغدادي عن محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب: إن أبا جعفر تحول من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها ثم رجع إلى الكوفة، وذلك بعد مئة سنة وأربع وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيام من الهجرة [تأريخ بغداد / ١/ ٦٧] وانظر تعليقنا (٨٩) وما بعده من الخلاصة.