[ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتله]
٩ فقرات، ج ٥ ص ٨٢
- ج ٥ ص ٨٢
وفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله بن حسن بالبصرة فحارب أبا جعفر المنصور وفيها قتل أيضًا (١) .
-
ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان، فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص قال حدثني أبي: قال لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن أشفق محمد وإبراهيم من ذلك فخرجا إلى عدن فخافا بها وركبا البحر حتى صارا إلى السند فسعي بهما إلى عمر بن حفص فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر (٢) .
- (٢)هذا الخبر معاد. انظر (٧/ ٥٢٢ / ٧٣).
-
وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن نوح الضبعي ابن ابنة أبي الساج الضبعي حدثه قال: حدثتني منة بنت أبي المنهال قالت نزل إبراهيم في الحي من بني ضبيعة في دار الحارث بن عيسى وكان لا يرى بالنهار، وكان معه أم ولد له فكنت أتحدث إليها ولا ندري من هم حتى ظهر فأتيتها فقلت إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي، لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين، مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالحجاز ومرة باليمن (٣) .
- (٣)أما سعيد فهو صدوق من شيوخ أبي حاتم والخبر يعتضد بما قبله.
-
قال وحدثني أبو الحسن الحذاء قال أخذ أبو جعفر الناس بالسواد فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد (٤) .
- (٤)خالد بن خداش بن عجلان صدوق يخطئ من العاشرة [تحرير / ١٦٢٣] وانظر تعليقنا الآتي.
- ج ٥ ص ٨٣
وحدثني علي بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلُبس الثياب السود حتى البقالين، إن أحدهم ليصبغ الثوب بالأنفاس ثم يلبسه (١) .
- (١)خالد وإن كان صدوقًا لم يشهد الواقعة ولكنه روى الخبر عمّن شهدوا ذلك ولم يسمّهم ولكن يؤيده ما رواه ابن شبة عن راوٍ ثقة كما في الخبر الآتي.
-
وحدثني خالد بن خداش بن عجلان مولى عمر بن حفص قال حدثني جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بني يزيد بن أبي حاتم، أتى سفيان معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال ادفع إليّ فوارس آتك بإبراهيم وبرأسه قال: أو مالك عمل! ! اذهب إلى عملك قال فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر (١) .
-
وحدثني خالد بن خداش قال سمعت عدة من الأزد يحدثون عن جابر بن عماد وكان على شرطة سفيان - أنه قال لسفيان قبل خروج إبراهيم بيوم: إني مررت في مقبرة بني يشكر فصيّحوا بي ورموني بالحجارة فقال له: أما كان لك طريق (٢) !
- (٢)أبو عمر الحوضي ثقة من رجال البخاري توفي سنة ٢٢٥ هـ[تهذيب الكمال / تر ١٣٩٧]. ولم نورد هذا الخبر ولا الخبرين قبله (٨٨ - ٨٩) لنجزم بصحة التفاصيل الواردة في هذه المتون وإنما لتأكيد أصل الخبر وهو أن سفيان بن معاوية والي البصرة من قبل الخليفة العباسي كان يغضُّ الطرف عن إبراهيم ونشاطه ونشاط أتباعه فهذه أخبار غير موصولة السند ولكنها تتأيد ببعضها لتأكيد أصل الخبر والله أعلم.
-
وحدثني أبو عمر الحوضي حفص بن عمر قال: مرّ عاقب صاحب شرطة سفيان يوم الأحد قبل ظهور إبراهيم بيوم في مقبرة بني يشكر، فقيل له هذا إبراهيم يريد الخروج فقال كذبتم ولم يصرّح على ذلك (٣) .
- (٣)هذان خبران يعتضدان ببعضهما والثاني رواه عمر بن شبة عن علي بن الجعد (شاهد عيان) وهو ثقة كما سبق أن ذكرنا.
- ج ٥ ص ٨٤
اختلف في وقت قدوم إبراهيم البصرة فقال بعض: كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان في سنة خمس وأربعين ومئة (١) .
قال سليمان بن أبي شيخ: حدثني أبو الصعدي قال: أتانا هارون بن سعد العجلي من أهل الكوفة، وقد وجهه إبراهيم من البصرة الطهوي وكان معه ممن يشبه الطهوي في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبي، وكان شجاعًا وكان ممن قدم به -أو قدم عليه- عبدويه كروام الخراساني، وكان من فرسانهم صدقة بن بكار وكان منصور بن جمهور يقول: إذا كان معي صدقة بن بكار فما أبالي من لقيت فوجَّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف في قول بعضهم وقال بعضهم في عشرين ألفًا، وكانت بينهم وقعات (٢) .
- (١)انظر تعليقنا في الحاشية رقم / ٢ / في الصفحة السابقة.
- (٢)وأخرج خليفة ما يؤيد أصل الخبر كما سنذكر إن شاء الله: أما البسوي (المؤرخ المتقدم الثقة ٢٧٧ هـ) فقد ذكر خبرهما مقتضبًا فقد ذكر ضمن وقائع سنة (١٤٤ هـ) أن أبا جعفر حجّ بالناس وأخذ في طريقه عبد الله بن الحسن وأصحابه فيما اتهمهم به من أمر إبراهيم ومحمد ابني عبد الله أخذهم من الرَّبذة (المعرفة ١/ ١٣). وقال ضمن ذكره لأحداث سنة (١٤٥ هـ) وفيها قتل محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن (المعرفة والتأريح / ١/ ١٣) وأما خليفة فقد فصل بعض الشيء فقال ضمن حديثه عن أحداث سنة ١٤٥ هـ: خروج محمد -النفس الزكية- وأخوه إبراهيم: وفيها خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة في رجب، فشدَّ رياح بن عثمان المري، وخرج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة في أول ليلة من شهر رمضان، فبعث أبو جعفر عيسى بن موسى وعلى مقدمته حميد بن قحطبة فالتقوا، وولّى المدينة كثير بن الحصين أحد بني عبد الدار، فاستقضى عبد العزيز بن المطلب، ثم عزله أبو جعفر وولّى عبد الله بن الربيع الحارثي فاستقضى محمد بن عبد العزيز الزهري. = = قال مسلمة بن ثابت: خرج إبراهيم بن عبد الله أول ليلة من شهر رمضان وخرجنا معه فأتى مقبرة بني يشكر، وتوافت إليه جماعة كنت فيهم، ثم سار حين أصبح فأتى دار الإمارة وبها سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب واليًا، فسلَّم الدار من غير قتال. فسمعت يسار بن عبد الله قال: حضرت يومئذ وأقبل جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي في مواليهما ومن انضم إليهما نحو من ثلاثة آلاف، فوجه إبراهيم الطهوي فلقيهما في سكة المربد حضرة مسجد الحرورية، فلم يلبث جعفر ومحمد أن انكشفا. وسمعت أبا مروان قال: حضرتهم يومئذ وجعل أصحاب جعفر ومحمد ينضحونهم بالنبل. قال: فنظرت إلى الطهوي وضع جبهته على قربوس سرجه وانتضى سيفه وشدّ على القوم؛ فضرب يد صاحب علمهم فأبانها وسقط العلم وانهزموا. "وصلى إبراهيم بالناس يوم الفطر"، وأتاه نعي أخيه وهو على المنبر، ثم خرج إبراهيم من البصرة واستخلف ابنه الحسن بن إبراهيم حتى أتى باجميرا من سواد الكوفة، فلقيه عيسى بن موسى، فقتل إبراهيم في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئة، وقتل معه بشير الرحال وجماعة كثيرة، وقد كان إبراهيم وجَّه المغيرة بن الفَزْع التميمي أحد بني كعب بن سعد بن تميم إلى الأهواز، فأخذها بعد قتال شديد، وجَّهَ إلى واسط فأخذها وتنازع سلمة بن عبد الحميد مولى بني راسب وسليمان بن مجاهد مولى بني ضبيعة، فغلب سليمان بن مجاهد وصلّى بالناس يوم الجمعة ولم يحضرها كبير أحد. [تأريخ خليفة / ٢٢٧]. وأخيرًا فهذه هي الرواية الأخيرة عند خليفة في الباب: حدثنا خليفة قال: حدثني أبي أن أباه أخبره أنه شهد الجمعة فلم يصل في المسجد تمام صف، ثم قدم جعفر بن سليمان بن علي، فصلّى بالناس يوم النحر، وأقام السري بن عبد الله بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الحج للناس [٢٧٧]. وأما خليفة فغنيٌّ عن التعريف وأما أبوه فهو من رواة الحديث ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه [الجرح والتعديل / ٣ / تر ١٨٥٣] وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٣١) وأما جد خليفة فقد وثقه ابن معين [الجرح / ١/ ٢ / ٣٧٨]. خلاصة القول في خبر خروج محمد (النفس الزكية) وأخيه (١٤٥ - ١٤٦ هـ) هذه الفتنة نقطة تحوّل خطير قلما تنبّه لذلك المؤرخون -وللسيوطي لفتة جديرة بالتوقف = = عندها إذ يقول: ضمن حديثه عن أحداث سنة ١٤٥ هـ وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئًا واحدًا [تأريخ الخلفاء / ٢٦١] وإن كان لنا تحفظ على العبارة فالمنصور ليس الوحيد المسوؤل عن تدهور هذه العلاقة فبني عبد الله بن حسن بن الحسن أيضًا لهم دور في تدهور هذه العلاقة إلا أن أحدًا من المؤرخين لا يشك في أن إلحاح المنصور في طلبهما والتضييق عليهما كان نقطة البداية لتدهور هذه العلاقة عمليًّا وسنرجع إلى هذه النقطة بعد قليل. خلاصة ما ذكره الأئمة المؤرخون المتقدمون الثقات كالبسوي وخليفة والزبير وابن سعد وغيرهم هو الآتي: خرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين -خرجا على أبي جعفر المنصور- وحبس المنصور أباهما وأقاربهم معهم ومات عدد منهم في السجن ولا يصح أنه عذّبهم. وكانت العلاقة طيبة بين آل العباس وآل علي قبل هذه الحادثة وكان أبو العباس (الخليفة الأول) يكرم أباهما عبد الله بن الحسن ويجزل عطاءه -حتى حكم المنصور فكانت المصيبة والفتنة بين الطرفين وخرج محمد بن عبد الله في الحجاز أولًا ثم دارت المعركة بين الطرفين واستبسل محمد في القتال حتى وقع صريعًا في ساحة المعركة رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وبعد مقتله أو قبل ذلك بقليل خرج أخوه إبراهيم أي أن خروجهما لم يكن متزامنًا مما ساعد العباسيين على القضاء عليهما- فخرج إبراهيم بالبصرة ولقي المصير نفسه ومات أبوهما وأقاربهما في السجن، وعندما علم المنصور بخبر مقتل إبراهيم بكى بكاءً مرًا، والواقع: أن المنصور قد أخطأ إذ أساء التصرف مع عبد الله بن حسن حتى أحْرَجه فأخرج ولديه محمدًا وإبراهيم وكان مع آل حسن جبارًا قاسيًا ولكنه الملك ولابدّ (برأيه) من المحافظة عليه، واللين فيه يخرجه من بين يديه والقسوة تثبته فقبّح الله الدنيا وزخرفها وغرورها [٥/ ١٢٢] قلت: ولقد أورد الطبري بإسناد لا يصحّ أن الإمام مالك رضي الله عنه أفتى بالخروج مع محمد ذي النفس الزكية وهذا لا يصح سندًا ولا متنًا بل الصحيح أن الإمام مالك اعتبر الأمر فتنة واعتزل الناس ولزم بيته حتى قتل ذو النفس الزكية ولا يصح كذلك قول بعضهم أن = = أبا حنيفة أفتى للناس بالخروج مع محمد بن عبد الله بن حسن على أمير المؤمنين المنصور والله تعالى أعلم. وسنذكر موقف الإمام مالك في قسم الضعيف (٧/ ٥٦٠) إن شاء الله.