ذكر الخبر عن بعض سيره (أي المنصور)
٨ فقرات، ج ٥ ص ١٢٥
- ج ٥ ص ١٢٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٥ ص ١٢٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٥ ص ١٢٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٥ ص ١٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = دينار، فاقبضها، وكانت عامة أموال مُحَمَّد بن عِمْرَان من تلك الصلة. [تأريخ دمشق / المجلد ٣٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧]. وانظر الخبر في الجليس الصالح الكافي [٢/ ٢٨]. وانظر أخبار القضاة فقد أخرجه القاضي وكيع من طريق آخر عن نمير فقال: أخبرنا أبو ظاهر الدمشقي أحمد بن بشر بن عبد الوهاب قال حدثني أبو عبيد الله قال حدثني أبو يعقوب قال: حدثني نمير الشيباني قال كنت كاتبًا لمحمد بن عمران وهو على قضاء المدينة فحج أبو جعفر ... الخبر] وفيه بعض الاختلاف عن رواية ابن عساكر وبعض زيادات يسيرة منها (فقال الذي على رأسه (أي على رأس القاضي ينادي الناس) بأي شيء أنادي؟ أبا الخلافة أو باسمه؟ قال: باسمه، فناداه فتقدم إليه فقضى عليه ... ) أخبار القضاة / ١٢٧ / تحقيق سعيد اللحام. رابعًا: إكرامه للعلم والعلماء وإعانتهم على قضاء ما عليهم. قال الذهبي: وروى عمر بن عليّ المقدمي عن هشام بن عروة أنه دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين اقض عني دَيني، قال: وكم دينك؟ قال: مائة ألف، قال: وأنت في فقهك وفضلك تأخذ دينًا مائة ألف ليس عندك قضاؤها! قال: يا أمير المؤمنين، شب فتيان من فتياننا فأحببت أن أبوئهم وخشيت أن ينتثر عليّ من أمرهم ما أكره فبوَّأتهم، واتخذت لهم منازل وأولمت عنهم ثقة بالله، ثم بأمير المؤمنين، قال: فردّد عليه "مائة ألف! ! " استعظامًا لها، ثم قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف، فقال: يا أمير المؤمنين فاعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس، فإني سمعت أبي يحدّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال "من أعطي عطيّة وهو بها طيّب النفس بورك للمعطي والمعطى" قال: فإني بها طيّب النفس. وهذا حديث مرسل [تأريخ الإسلام / ٣٢٢]. قلت: وقول الذهبي هذا حديث مرسل أي الجزء المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (من أعطى ... ) أما الحوار الذي دار بين الخليفة وهشام فقد رواه كما ترى عمر بن علي المقدمي وهو ثقة من رجال الصحيحين عن هشام بن عروة وهو ثقة إمام، وأخرج ابن عساكر من طريق الفضل بن الحباب (ثقة عالم مسند العصر - لسان الميزان / تر ١٣٤٠ / قال سمعت محمد بن سلام الجمحي (صدوق- ميزان الاعتدال / تر ٧٦١١] قال: قيل =
- ج ٥ ص ١٣٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = للمنصور: هل بقي من لذّات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعُد في مسطبة وحولي أصحاب الحديث، فيقول المُسْتَمْلي: من ذكرتَ رحمك الله؟ قال فغدا عليه الوزارء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم إنما هم الدَّنِسَة ثيابهم، المشققة أرجلهم الطويلة شعورهم، بُرُدُ الآفاق، ونقلة الحديث [تأريخ دمشق / المجلد السابق / ٣٢٩]. والخبر أخرجه الذهبي من طريق أبي خليفة عن محمد بن سلام وفي آخره: المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقلة الحديث [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٤٧٠] وأخرجه ابن كثير بلفظ: وقطاع المسافات تارة بالعراق وتارة بالحجاز وتارة بالشام [البداية والنهاية: ١٠/ ١٣٤]. وأخرج وكيع قال أخبرنا أبي قال بشر بن المفضل قال حدثنا سوار قال ما تركت في نفسي شيئًا إلا كلمت به أبا جعفر قال قلت له يا أمير المؤمنين إن الحسن كان يقول: إن تصديق القول العمل فمن صدق عمله قوله فذاك ومن لا فقد هلك أو كما قال الحسن فقال أبو جعفر صدق الحسن [أخبار القضاة ٢/ ٦٢] قلت: وبشر بن المفضل ثقة عابد [تقريب / تر ٧٠٣]. خامسًا: تقشف المنصور وابتعاده عن مظاهر الزينة وفاخر اللباس المعتاد عند الملوك: أخرج ابن عساكر من طريق محمد بن الحسن بن دريد حدثنا الرياشي عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور قميصه مرقوعًا فقالت: خليفة وقميصه مرقوع! ! ! فقال ويحك أما سمعت قول ابن هرمة: وقد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلقًا وجيب قميصه مرقوع [تأريخ دمشق] / ٣٢٨ / قلت ومحمد بن الحسن بن دريد يؤخذ بروايته في التأريخ فقد قال في ترجمته الخطيب البغدادي؛ كان رأس أهل العلم في حفظ اللغة والأنساب والأشعار وقال الدارقطني: كان واسع الحفظ جدًّا [تأريخ بغداد / ٢/ ١٩٥] والرياشي [العباس بن الفرج] ثقة عالم بالشعر واللغة [تهذيب الكمال / تر ٣١٣٣] والجمحي صدوق كما سبق. ولهذا قال أبو بكر الجعابي: تخالطه أبّهة الملوك بزيّ النساك تقبله القلوب وتتبعه العيون [تاريخ الإسلام ٤٦٦]. =
- ج ٥ ص ١٣١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وقد سبق أن ذكرنا ضمن أحداث الأعوام الماضية من حكمه أنه تقدّم الناس يقارع أعداء الخلافة من الراوندية الذين اقتحموا عليه دار الخلافة فأبدى شجاعة فائقة واخترق صفوف أهل البدع وهزمهم مع قليل ممن حوله كانوا حاضرين آنذاك بينهما جند الخلافة في الثغور والأمصار. سادسًا: الحالة الاقتصادية في عهد الخليفة المنصور أبي جعفر رحمه الله تعالى قال الذهبي (الإمام الحافظ المؤرخ): وكان في هذا الوقت رخاء الأسعار بالعراق حتى بيع الكبش بدرهم والحمل بأربعة دوانيق والتمر ستون رطلًا بدرهم والزيت ستة عشر رطلًا بدرهم والسمن ثمانية بدرهم - قال أبو نعيم: أنا رأيتُ يُنادى في جبّانة كندة لحم الغنم ستون رطلًا بدرهم والعسل عشرة دراهم [تأريخ الإسلام المجلد السابق / ص ٣٤]. وقال الخطيب البغدادي بعد أن ذكر رخص الأسعار في بغداد آنذاك: ولهذا الأمن والرخص كثر ساكنوها وعظم أهلوها وكثر الدارج في أسواقها وأزقتها حتى كان المار لا يستطيع أن يجتاز من أسواقها لكثرة زحام أهلها [تأريخ بغداد / ١٠/ ٩٩] قلت وفي هذا العصر الذي رخص فيه الأسعار كان الخليفة المنصور لا يبالي إذا لبس قميصًا مرقوعًا ما دام حريصًا على المال العام. ولكي تتكون في ذهن القارئ الكريم صورة للخليفة المسلم المنصور نحاول أن نقارن أحداث عهده بأحداث هذا العصر ففي هذه الأيام وفي بلد كفنزويلا مثلًا يخرج المعارضون للرئيس إلى الشوارع فتتصدى لهم قوات الشرطة بالهراوات وخراطيم المياه والرصاص أحيانًا والرئيس محاط بالمئات من أنصاره وقواته الخاصة ورجال أمنه في قصره لكن هل يستطيع الرئيس الفنزويلي (الذي يطلق عليه بأنه المدافع عن الفقراء والكادحين) أن ينزل مع قوات الشرطة إلى الشارع ليتصدى للمعارضين ويحاربهم - كلا وألف لا -. بينما الخليفة المنصور رحمه الله تعالى كان في مقدمة حرسه ومعاونيه حينما هَبّ عليه المبتدعة من الراوندية وغيرهم وهو راكب بغلة أو فرسًا يقاتلهم ويتقدم الصفوف لا يبالي أصيب أم لا؟ ! ! سابعًا: الحركة العلمية في عهد المنصور رحمه الله تعالى: قال الحافظ الذهبي: وفي =
- ج ٥ ص ١٣٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = هذا القصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج التصانيف - بمكة وصنف سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه وصنف الليث بمصر وابن لهيعة وابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودوّنت كتب العربية واللغة والتأريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة فَسَهُلَ ولله الحمد تناول العلم وأخذ الحفظ يتناقص فلله الأمر كله. [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ص ١٣]. وأخيرًا المنصور ما له وما عليه: سبق وأن ذكرنا مرارًا أن تأريخ القرون الفاضلة هو تأريخ تطبيق عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام والممتد إلى سنة (٢٢٠ هـ تقريبًا) كما حدّده بعض علماء الإسلام إذ به ينتهي عمر الجيل الفاضل الثالث (أتباع التابعين) انظر فتح الباري شرح ح / ٣٦٥١ فضائل الصحابة (وهذا التأريخ العظيم وبالرغم مما تخلله من مصائب ومحن وفتن ودماء أريقت لتثبيت الحكم فإنه في الجملة تأريخ مليء بأمثلة العدل والصدق واستقلالية القضاء وإجلال العلماء ونشر العدل بين الناس والفتوحات وسدّ الثغور وإصلاح الرعية وقد شوّه المبتدعة وأهل الأهواء ذلك التأريخ وشوّهوا سيرة كثير من الخلفاء حتى أصبح البعض يتصور أن الإسلام لم يطبّق إلا في عقود قليلة جدًّا من تلك القرون وذلك لا يصح. وقد تحدثنا عن مواضع تشويه وتزوير سيرة الخلفاء الماضين ونقول هنا ونحن بصدد سيرة المنصور أبي جعفر إن الرجل مظلوم تأريخيًا ولا بد من بيان الحقيقة. وإذا كان شيء يعاب على المنصور فهو شدّته مع الخارجين على الخلافة تلك الشدة كانت السبب في إراقة دماء بعضها بحق لأن أهل البدع اقتحموا دار الخلافة وكادوا أن يسقطوها وبعضها الآخر بغير حق وأعني ما دار بينه وبين أبناء عمومته (محمد وإبراهيم) ابني عبد الله بن الحسن رضي الله عنه أبناء العمومة أجمعين (بني العباسي وبني علي) وإن كان المنصور قد أعياه الطلب في أثرهما وسلك طرقًا عدة لاسترضائهما قبل =
- ج ٥ ص ١٣٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = المعركة فليس وحده الملام وإنما أولاد عمومته كذلك وعلى أية حال فالله أعلم بتلك الدماء ولم سفكت وقد أدرك المنصور أنه ارتكب كبيرًا. فقد أخرج ابن عساكر من طرق عدة أنه استغفر الله من أمورٍ عظام ارتكنها وطلب المغفرة عند احتضاره (راجع ترجمته في تأريخ دمشق) منها ما أخرجه من طريق الحكم بن عثمان قال: قال المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين عند موته: اللهم إنك تعلم أني قد ارتكبت من الأمور العظام جرأة مني عليك وإنك تعلم أني أطعتك في أحبِّ الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله مخلصًا منًّا لك لا منًّا عليك" قال: ثم خرجت نفسه [تأريخ دمشق / المجلد السابق / ٣٤٣]. ولقد لخّص الحافظ الذهبي القول فيه قائلًا في ترجمته: وقد مر من أخباره في الحوادث ما يدلّ على أنه كان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزمًا ورأيًا وجبروتًا، وكان جمّاعًا للمال، تاركًا للَّهو، واللعب، كامل العقل، جيّد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه، وكان في الجملة يرجع إلى عدل وديانة وله حظ من صلاة وتديّن، وكان فصيحًا بليغًا مُفَوَّهًا، خليقًا للإمارة. [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٤٦٦]. قلت وقد ذكرنا من أخباره كما أخرجه الحفاظ (الطبري والبلاذري والبسوي وخليفة والخطيب البغدادي وابن عساكر وابن كثير والذهبي وغيرهم) ما يدلّ على أنه كان خليفة حازمًا ذا هيبة متقشفًا في ملبسه [يشبه في ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك] بعيدًا عن اللهو والعبث مجلًا للعلماء والقضاة والزهاد انتعشت الحالة الاقتصادية والمسيرة العلمية في عهده فعسى الله أن يغفر لعبده ولجميع عباده الموحدين. فَلِمَ لا نذكر كل هذه الحسنات مع ذكرنا لأخطائه وقد أمرنا أن لا نبخس الناس أشياءهم. فكيف إذا كان أحد الناس هو المنصور الخليفة المسلم الذي حكم شطر العالم القديم لعقدين من الزمان وزيادة، وبدأ ببناء المدن تأسّيًا بالسلوك الحضاري الذي أرساه الخليفة الراشد الفاروق ومن بعده عدد من خلفاء بني أمية وازدهرت الحركة العلمية في عهده وبرز أولئك الأئمة الأعلام في سنيّ حكمه وانتعشت الحالة الاقتصادية وتعززت هيبة القضاء والعدل ... إلخ ولا ننكر أخطاءه بل ذكرناها ولم ينكرها هو رحمه الله بل أقرّ بها والله خير الحاكمين.