النظر في أمر المساجين

٨ فقرات، ج ٥ ص ٢٢٤

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = الجور تنقص البلاد به وتخرب، هذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يجبى السواد مع عدله في أهل الخراج وإنصافه لهم ورفعه الظلم عنهم مائة ألف ألف، والدرهم إذ ذاك وزنه وزن المثقال [المصدر السابق / ١٢٥]. ويقول قاضي القضاة أبو يوسف رحمه الله تعالى مخاطبًا الرشيد: وإذا صح عندك من العامل والوالي تعد بظلم وعسف وخيانة لك في رعيتك واحتجاز شيء من الفيء أو خبث طعمته أو سوء سيرته فحرام عليك استعماله والاستعانة به وأن تقلده شيئًا من أمور رعيتك أو تشركه في شيء من أمرك. بل عاقبه على ذلك عقوبة ترح غيره من أن يتعرض لمثل ما تعرض له. وإياك ودعوة المظلوم فإنها دعوة مجابة. [المصدر السابق / ١٢٤]. وهذه قواعد تخصّ حق السجين في المأكل والمشرب والملبس المناسب يوم لم تكن لجان للدفاع عن حقوق الإنسان ولا منظمة للعفو الدولي وإنما كانت هنالك أمة وسط تحكم الناس بشريعة رحيمة منزلة من رحمان السموات والأرض ورحيمهما. يقول أبو يوسف: ولم تزل الخلفاء يا أمير المؤمنين تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وأدمهم وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعل ذلك الخلفاء من بعده. [المصدر السابق / ١٦٣]. قلت وما ذكره أبو يوسف عن سيدنا علي كرم الله وجهه يعتبر حجة على المسلمين في باب السياسة الشرعية لقوله عليه المحلاة والسلام في الحديث الصحيح "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" والسنة المعنية في هذا الحديث هي الطريقة المتبعة في السياسة وأمور الحكم كما قال أئمة الحديث. النظر في أمر المساجين: ثم يقول أبو يوسف: وإنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمرهم، إِنما هو حبس وليس فيه نظر، فمر ولاتكَ جميعًا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل أيام، فمن كان عليه أدب أُدِّب وأطلق، ومن لم يكن له قضية خلى عنه، وتقدم إِليهم أن لا يسرفوا في الأدب ولا يتجاوزوا بذلك إلى ما لا يحل ولا يسع، فإنه بلغني أنهم يضربون الرجل =
    ج ٥ ص ٢٢٤
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = -في التهمة وفي الجنابة- الثلاثمائة والمائتين وأكثر وأقل، وهذا مما لا يحل ولا يسع، ظهرُ المؤمن حمى إلَّا من حق يجب بفجور أو قذف أو سكر أو تعزير لأمرٍ أتاه لا يجب فيه حد، وليس يضرب في شيء من ذلك، كما بلغني أن ولاتك يضربون، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن ضرب المصلين [المصدر السابق / ١٦٥]. قلت: رحم الله قاضي القضاة أبا يوسف لم يخش في الله لومة لائم ولم يُخْفِ عن الخليفة ما وصل إلى سمعه من أخبار ظلم بعضهم للنّاس بعد أن بيّن حكم الشرع في عدم الإبقاء على المتهمين قيد الاعتقال دون مسوّغ ومبرر دون إحالتهم إلى القضاء فالمتهم في حكم الشرع بريء حتى تثبت إدانته. حال الأمة في العصر العباسي الأول (عصر القوهَ) مما لا شك فيه أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان نموذجًا من بين مئات النماذج من القادة والقضاة والولاة والعلماء والعامة المجاهدين الملتزمين والزهاد والعباد وكان الخليفة يلتقي بهم في طريق الحج أو بجوار الكعبة أو في السوق أو في مجلس حكمه أو يوليهم الولايات والقضاء والمناصب فيتعامل معهم فيراهم مثال الصدق والعدل والتقوى والشجاعة فكان الخليفة يزداد حرصًا على التمسك بتعاليم الإسلام - ومن قال بأن الخليفة كان متروكًا لمزاجه ورغباته فلم يصب بل مستشاروه وبطانته وحواريوه وسمّاره وقضاته وولاته والعلماء من حوله وبعيدًا عن مجلسه داخل مرافق المجتمع الإسلامي هم الذين شكلوا معًا جنبًا إلى جنب مع الخليفة - أمة وسطًا - قادت البشرية يومها إلى بَرّ الأمان وإليك أخي القارئ الكريم نماذج من المجتمع الإسلامي آنذاك ليتبيّن لك ذلك المستوى السامق الذي عاشه الناس يومها بعيدًا عن أراجيف المبطلين وكتب المغنين والوضاعين والمبتدعين والشعوبيين المتسترين بأقنعة مختلفة. أولًا: مثال الشاعر الزاهد في بلاط الخليفة: أخرج الحافظ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي (صدوق) أنه دخل على الرشيد يومًا ... الخبر وكان على مائدة الرشيد من الطيبات من الطعام والشراب مما أحلّه الله مما لذّ وطاب ثم استدعى الرشيد أبا العتاهية (الشاعر الزاهد المعروف) وطلب منه أن يصور تلك المائدة المزينة وتلك اللحظة الهنيّة بأبيات شعر فيا ترى ماذا كان قصيده وشعره =
    ج ٥ ص ٢٢٥
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وماذا سيقول أي شاعر من شعراء زماننا لو دعوا إلى مثل ذلك؟ ؟ إليك أخي القارئ الكريم الأبيات التي قالها أبو العتاهية في ذلك الموقف. قال أبو العتاهية: عش ما بدا لك سالمًا ... في ظل شاهقة القصور يُسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنًا ... ما كنت إلّا في غرور فبكى الرشيد بكاءً شديدًا فقال الفضل بن يحيى: دَعاكَ أمير المؤمنين لِتُسِرَّه فأحزنته، فقال الرشيدت دَعْهُ فإنه رآنا في عمًى فكره أن يزيدنا عمىً [مختصر ابن عساكر ٢٧/ ٢١]. ثانيًا: مثال العابد العالم وهو ينصح الخليفة ويذكره بعظم مسؤوليته. أخرج الخطيب البغدادي عن عبيد الله بن عمر القواريري قال لمّا لقي هارون الرشيد فضيل بن عياض قال له الفضيل يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة [تأريخ بغداد / ١٤/ ٨]. ثالثًا: مثال القاضي النزيه: أخرج الخطيب البغدادي من طريق عبد الرحمن بن عبد الله عن عمّه عبد الملك بن قريب الأصمعي أنه قال كنت عند الرشيد يومًا فَرُفِعَ إليه في قاضٍ كان قد استقضاه يقال له عافية، فكبر عليه فأمر بإحضاره فأُحضر وكان في المجلس جمع كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه على ما رفع إليه وطال المجلس ثم إن أمير المؤمنين عطس فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه (أي سوى عافية) فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال له عافية لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله .... الخبر فقال له الرشيد ارجع إلى عملك، أنت لم تسامح في عطسة تسامح في غيرها؟ وصرفه منصرفًا جميلًا وزير القوم الذين كانوا رفعوا عليه) تأريخ بغداد / ١٢/ ٣٠٦) قلت وابن أخي الأصمعي [عبد الرحمن بن عبد الله] ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨١) وعمه الأصمعي صدوق كما سبق. =
    ج ٥ ص ٢٢٦
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = رابعًا: مثال الوالي الصالح العادل. قال الخطيب: في ترجمة عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: كان من أهل مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتصل بالمهدي أمير المؤمنين لما قدم المدينة وصحبه وصار أحد خواصه .. وقدم بغداد مرات وولاه الرشيد إمارة المدينة واليمن وكان محمودًا في ولايته جميل السيرة مع جلالة قدره وعظم شرفه [تأريخ بغداد / ١٠/ ١٧٣]. خامسًا: أفراد الأمة وإن كانوا مغمورين غير معروفين يؤدون ما عليهم من واجب النصيحة لأئمتهم (الخلفاء) والخلفاء يقبلون النصيحة والتذكير ولو كان على رؤوس الملأ بل في أوجب تجمعاتهم وأكبرها أسبوعيًا فالخليفة العباسي المنصور رحمه الله تعالى يخطب بالناس يوم الجمعة فيقوم أحد المصلين فيذكره بتقوى الله فيقبله الخليفة برحابة صدر فقد أخرج الطبري (كما سبق) (٨/ ٩٠) والخطيب البغدادي [تأريخ بغداد ١٠/ ٥٥، وابن عساكر (تأريخ دمشق / ٣٢/ ٣١١): أن المنصور خطب فقال الحمد لله أحمده وأستعينه .... إلخ فاعترضه معترض عن يمينه (وفي رواية ابن عساكر قام رجل من أقصى المسجد) يا أيها الإنسان (وفي رواية الخطيب يا أمير المؤمنين) أذكرك من ذكّرت به فقطع الخطبة ثم قال سمعًا سمعًا لمن حفظ عن الله وذكّر به وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا وأن تأخذني العزة بالإثم لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين ... إلخ ثم عاد إلى خطبته فكأنه يقرؤها من كفه فقال وأشهد أن محمدَّا عَبده ورسوله] ا. هـ وانظر تعليقنا (٨/ ٩٠). وأخرج الخطيب البغدادي (تأريخ بغداد ٩/ ٣٠٦) ومن طريقه ابن عساكر عن أبي همام حدثني إبراهيم بن أعين قال: قال صالح المري دخلت على المهدي ها هنا بالرصافة فلما مثلت بين يديه قلت يا أمير المؤمنين أحمد الله ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس بالله عزَّ وجلَّ أحملهم لغلظة النصيحة فيه، وجدير بمن له قرابة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرث أخلاقه، ويأتم بهديه، وقد ورثك الله من العلم وإنارة الحجة ميراثًا قطع به عذرك فمهما ادّعيت من حجة أو ركبت من شبهة لم يصح لك برهان من الله عزَّ وجلَّ حلّ بك من سخط الله عزَّ وجلَّ بقدر ما تجاهلته من العلم، وأقدمت عليه من شبهة الباطل، واعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصم من ولي أمته يبتزها أحكامها ومن كان =
    ج ٥ ص ٢٢٧
  5. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = محمد - صلى الله عليه وسلم - خصمه كان الله عزَّ وجلَّ خصمه فأعد لمخاصمة الله عزَّ وجلَّ ومخاصمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حججًا تضمن لك النجاة أو استسلم للهلكة واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله عزَّ وجلَّ، ... إلخ الخبر وفي آخره فبكى المهدي [تأريخ ابن عساكر / المجلد ٣٢ / ص ٤٢٣] [تأريخ بغداد ٩/ ٣٠٦]. وإبراهيم بن أعين الأغلب أنه البصري العجلي الذي يروي عن الثوري وعنه أبو سعيد الأشج وكان من خيار الناس [ميزان الاعتدال (١/ ٢١)] وليس الشيباني الضعيف وأما صالح المرّي فهو ضعيف في الحديث إلَّا أنه مشهور بالوعظ والتذكير والبكاء من خثية الله فلا عجب أن يعظ الخليفة المهدي بهذه الصيغة فقد قال ابن حبان من أهل البصرة أقدمه المهدي إلى بغداد فسمع منه البغداديون وقال ابن الأعرابي كان الغالب على صالح كثرة الذكر والقراءة بالتحزين وقال عفان كان شديد الخوف من الله كأنه ثكلى إذا قصّ [سير أعلام ٨/ ٤٢] [تهذيب / تر ٢٧٩٦]. سادسًا: الحركة العلمية في العصر العباسي الأول واحترام المجتمع حكامًا ومحكومين للعلم وأهله، أما المستوى العلمي والمسيرة العلمية في هذا العصر فقد تحدثنا عنه ضمن أحداث سنة (١٦٩ هـ) عند حديثنا عن سيرة المنصور رحمه الله تعالى فليراجع. ونودّ هنا أن نضرب مثلًا بسيطًا يبيّن لك أخي القارئ الكريم مدى إجلال الناس للعلم والعلماء. فقد أخرج القاضي وكيع قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ثنا محمد بن يزيد قال سمعت حمدان بن الأصبهاني قال كنت عند شريك فأتاه بعض ولد المهدي فاستند إلى الحائط فسأله عن حديث فلم يلتفت إليه وأقبل علينا وأعاد بمثل ذلك فقال تستخف بأولاد الخلافة؟ قال: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه قال: فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك: هكذا يصاب العلم [أخبار القضاة ٣/ ١٦١] قلت ولقد كان العلماء في مقامٍ رفيع في المجتمع آنذاك بحيث لم يتمالك المستشرق بروكلمان نفسه [وهو المعروف بتشويهه للحقائق التأريخية] فقال: وقرّب المنصور إلى بلاطه علماء الفقه والحديث [تأريخ الشعوب / ١٨٠]- قلت ولقد بلغ المستوى العلمي للمجتمع الإسلامي مبلغًا عظيمًا نذكر منه هنا طرفًا صغيرًا يتعلق بأسلوب الاجتهاد في القضايا =
    ج ٥ ص ٢٢٨
  6. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = المستجدة يومها - فقد قال الخطيب البغدادي: كان أصحاب أبي حنيفة الذين يذاكرونه أبو يوسف وزفر وداود الطائي وعلي بن مسهر ... إلخ. وكانوا يخوضون في المسألة فإن لم يحضر عافية قال أبو حنيفة لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية، فإذا حضر عافية فإن وافقهم قال أبو حنيفة أثبتوها) [تأريخ بغداد / ١٢/ ٣٠٨] قلت وهذا مجلس واحد فقط يضم هذه الكوكبة من العلماء فما بالك بعشرات المجالس وأخيرًا: فإن المجتمع الإسلامي يومها لم يكن مجتمع ملائكة بل كان مجتمعًا مسلمًا ملتزمًا لم يخلُ من العصاة والفسقة والملاحدة وكانت الفضيلة في ذلك المجتمع قاعدة والرذيلة شاذة ونتيجة لدخول أقوام مختلفة في الإسلام وبِخلفيات عقائدية مختلفة بقيت آثارها في نفوسِ بعضهم فقد ظهرت فرق ضالة كثيرة كالراوندية والمانوية وغيرها وخاصة في أطراف الخلافة ونتيجة للحركة العلمية والفكرية القوية وحرية البحث استغل بعض الشعوبيين وضعاف النفوس جوّ العدل وحرية إبداء الرأي فأظهروا الزندقة والإلحاد ونتيجة للرخاء الاقتصادي. فقد اهتمّ بعض المترفين بالطرب والشعر الماجن وغير الهادف إلَّا أن ذلك بقي فرديًا ولم يكن سمة بارزة من سمات المجتمع الإسلامي كما يصوره صاحب كتاب الأغاني وهو شعوبي مبتدع صَبَّ جام حقده على ذلك الجيل الفاضل فَشَوَّه صورة المجتمع تشويهًا شنيعًا. وكذلك لم يخلُ المجتمع الإسلامي آنذاك من شعراء مدّاحين متملقين يقولون ما لا يفعلون ولكن الشعراء الملتزمين كانوا متواجدين في الساحة وقد أدى جوّ الالتزام العام إلى توبة بعض الشعراء من مجونهم والله أعلم بالصواب.
    ج ٥ ص ٢٢٩
  7. صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ

    للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ

    (٢٢٤ - ٣١٠ هـ)

    ج ٦ ص ١
  8. حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه

    محمد بن طاهر البرزنجي

    بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق

    محمد صبحي حسن حلّاق

    المجلّد السادس

    دَار ابْن كَثير

    دمشق- بَيروت