بيعة العقبة الثانية

٨ فقرات، ج ٢ ص ٥٠

  1. ٤٤ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني مَعْبَد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القيْن، أخو بني سَلمة، أنّ أخاه عبد الله بن كَعْب - وكان من أعلم الأنصار - حدّثه أنّ أباه كعب بن مالك حدّثه - وكان كعب ممّن شهد العقبَة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها- قال: خرجنا في حُجّاج قومنا، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البَراءُ بن مَعْرُور، سيّدُنا وكبيرنا. فلمّا وُجّهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البرَاء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيتُ رأيًا، والله ما أدري أتُوافقونني عليه أم لا! قال: فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ ألّا أدعَ هذه البنيَّة منّي بظهر -يعني الكعبة- وأنْ أصلِّيَ إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبيّنا أنه يصلي إلّا إلى الشام، وما نريدُ أن نخالفه. قال: فقال: إنّي لمُصلٍّ إليها، قال: فقلنا له: لكنَّا لا نفعل، قال: فكنَّا إذا حضرت الصّلاة صلّينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة.

    قال: وقد عِبْنا عليه ما صنَع، وأبَى إلّا الإقامة على ذلك، فلما قدِمْنَا مكّة قال لي: يا بنَ أخي، انطلِقْ بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى أسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإنّي والله لقدْ وقعَ في نفسي منه شيء؛ لما رأيت من خِلافكم إيَّاي فيه.

    قال: فخرجنْا نسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنّا لا نعرفه، ولم نرَهُ قبل ذلك - فلقينا رجُلًا من أهلِ مكّة، فسألناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هل تعرفانه؟ قلنا. لا، قال: فهل تعرفان العبّاس بن عبد المطّلب عمّه؟ قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقدمُ علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرّجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد؛ فإذا العبّاس جالس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس مع العبّاس؛ فسلّمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال

    ج ٢ ص ٥١رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعبّاس: هل تعرفُ هذين الرّجُلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم؛ هذا البَرَاء بن معرور سيّد قومه؛ وهذا كعب بن مالك - قال: فوالله ما أنسى قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشاعر؟ قال: نعم- قال: فقال له البَراء بن معرور: يا نبيّ الله؛ إني خرَجتُ في سفري هذا؛ وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألّا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها؛ وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيء؛ فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قِبْلَةٍ لو صبرت عليها! فرجع البَراء إلى قِبْلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وصلّى معنا إلى الشام، قال: وأهلُه يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات؛ وليس ذلك كما قالوا؛ نحن أعلم به منهم.

    قال: ثم خرجْنا إلى الحجّ، وواعَدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقَبة من أوسط أيام التّشريق.

    قال: فلما فرغنا من الحجِّ؛ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام، أبو جابر. أخبرناه، وكنّا نكتُم مَنْ معنا من المشركين من قومنا أمرَنا؛ فكلّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنّك سيّد من سادتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنّا نرغبُ بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعَوْنَاه إلى الإسلام؛ وأخبرناه بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيّانا العقَبة.

    قال: فأسلم، وشهد معنا العقَبة -وكان نقيبًا- فبتْنا تلك اللّيلة مع قومنا في رِحالنا حتى إذا مضى ثُلث الليل، خرجْنا من رِحَالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نتسلل مستخفين تسلُّل القَطا؛ حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقَبة؛ ونحن سبعون رجلًا، ومعهم امرأتان من نسائهم: نُسيبة بنت كعب أمّ عُمارة إحدى نساء بني مازن بن النّجار، وأسماء بنت عمرو بن عديّ، إحدى نساء بني سَلمة؛ وهي أمّ منيع؛ فاجتمعنَا بالشِّعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى جاءنا ومعه عَمُّه العبّاس بن عبد المطّلب وهو يومئذ على دين قومه؛ إلّا أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له؛ فلمّا جلس كان أوّل مَنْ تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشرَ الخزرج - وكانت العربُ إنما يسمُّون هذا الحيّ من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا؛ وهو في عزّ من قومه ومنَعَة في بلده؛ وإنه قد أبى إلّا الانقطاعَ إليكم واللّحُوق بكم؛ فإن كنتم تروْن أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه

    ج ٢ ص ٥٢ممّن خالفه؛ فأنتم وما تحمّلتم من ذلك؛ وإن كنتم تروْن أنكم مُسلموهُ وخاذلوه بعد الخروج إليكم؛ فمن الآن فدَعُوه، فإنّه في عزّ ومَنَعةٍ من قومه وبلده.

    قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلّم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربّك ما أحبَبتَ.

    قال: فتكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثمّ قال: أبايعُكم عَلى أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

    ج ٢ ص ٥٠
  2. قال: فأخذ البَراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثَك بالحقّ لنمنعنّك مما نمنَع منه أزُرَنا، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلْقة؛ ورثناها كابرًا عن كابر.

    قال: فاعترض القول -والبراء يكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التَّيّهان، حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله؛ إنّ بيننا وبين النّاس حِبالًا وإنّا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عَسيتَ إن نحنُ فعلْنا ذلك، ثم أظهرَك الله، أن ترجعَ إلى قومك، وتَدَعَنا! قال: فتبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: بل الدَّم الدّم، الهدْم الهدْم! أنتم منّي وأنا منكم؛ أحارب مَنْ حاربتم وأسالم من سالمتم.

  3. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخرجوا إليّ منكم اثنَي عشر نقيبًا؛ يكونون على قومهم بما فيهم. فأخرجوا اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس (١) . (٢: ٣٦٠/ ٣٦١ / ٣٦٢/ ٣٦٣) .

    1. (١)إسناده ضعيف وهو حديث حسن فقد أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٩٤ - ٩٥ - ٩٦ - ٩٧) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب أن أخاه عبد الله بن كعب -وكان من أعلم الأنصار- حدثه أن أباه كعبًا حدثه، وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها. قال: خرجنا في حجاج قومنا المشركين وقد صلينا ... إلى قوله وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا، ونحن أعلم به منهم- وهذا إسناد حسن فقد صرح ابن هشام هنا بالتحديث. ثم أخرج ابن هشام بقية رواية الطبري من الطريق نفسه. فقال: قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب حدّثه أن أباه كعب بن مالك حدثه، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق ... الحديث إلى قوله: قال كعب بن مالك: (وقد كان قال = = رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس) وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث هنا فإسناده حسن. وقد ذكر ابن هشام جملتين ليستا من كلام الصحابي كعب - رضي الله عنه - وهما: بيت لعوف بن أيوب الأنصاري وكذا عبارة أخرى هي قول ابن هشام: (وهو يشرح معنى كلمة الهدم) فقال: ويقال: الهدم الهدم أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم وقد فصل ابن هشام بين هاتين العبارتين وبين قول الصحابي مالك. وقد ذكر الهيثمي هذه الرواية، وقال: فهذا حديث ابن مالك عن العقبة وما حضر منها رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع (المجمع ٦/ ٤٥). والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١ - ٤٦٢) بإسناد قد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث فهو إسناد حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) مختصرًا من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وقال: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي في سننه (٩/ ٩) وغيرهم. وانظر الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (١١١/ ١١٢). وانظر تأريخ الإسلام للذهبي قسم السيرة النبوية- العقبة الثانية الصفحات (٢٩٧ - ٢٩٨ - ٢٩٩).
  4. ٤٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتادة، أنّ القومَ لمّا اجتمعوا لبيعةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال العباس بن عبادة بن نَضْلة الأنصاريّ، ثم أخو بني سالم بن عوف: يا معشرَ الخزرج، هلْ تدرون عَلام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنّكم تبايعونه على حرْب الأحمر والأسود من الناس؛ فإن كنتم تروْن أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة؛ وأشرافُكم قتلًا أسلمتموه؛ فمن الآن فهو والله خِزْيُ الدّنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم تروْن أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهْكة الأموال، وقتْل الأشراف فخذوه، فهو والله خيرُ الدّنيا والآخرة. قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنّة، قالوا: ابسُط يدَك، فبسطَ يده فبايعوه.

    ج ٢ ص ٥٣
  5. وأما عاصم بن عمر بن قَتادة، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليشدَّ العَقْدَ

    ج ٢ ص ٥٤لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أعناقهم. وأما عبدُ الله بن أبي بكر، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليؤخّر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي ابن سَلُول، فيكون أقوى لأمر القوم. والله أعلم أيّ ذلك كان؛ فبنو النّجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوّل مَنْ ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التّيّهان (١) . (٢: ٣٦٣/ ٣٦٤) .

    1. (١)إسناده ضعيف ولكن له شاهد من حديث جابر بن عبد الله عند أحمد في مسنده (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) وفيه: فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين فقال: رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلّا ونحن نعلم أنه رسول الله إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه أجركم على الله عزَّ وجلَّ، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم ضيقة فذروه فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا يأخذ علينا بشرطه العباس ويعطينا على ذلك الجنة. وأخرجه أحمد كذلك في موضع آخر (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح - (المجمع ٦/ ٤٦) والحديث أخرجه الحاكم كذلك في المستدرك (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن كثير على شرط مسلم (السيرة النبوية ٢/ ١٩٦). وحسَّنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٢٢) وقال ابن كثير: هذا إسناد جيد على شرط مسلم (السيرة ٢/ ١٩٦) والحديث أخرجه كذلك ابن حبان (١٦٨٦) وغيرهم والله أعلم. وأما العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري الذي ورد ذكره في رواية الطبري فسيأتي ذكره في الرواية التالية للطبري.
  6. ٤٦ - قال ابن حُميد، قال: سلمة، قال محمّد: وأما معبَد بن كعب بن مالك فحدّثني - قال أبو جعفر: وحدّثني سعيد بن يحيى بن سعيد- قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، قال: فحدّثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعْب عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أوّل مَنْ ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البرَاء بن معرور، ثم تتَابع القوم؛ فلمّا بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرخ الشّيطان من رأس العَقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهلَ الجباجب هل لكم في

    ج ٢ ص ٥٥مُذمّم والصُّباءِ معه، قد اجتمعوا على حربكم! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما يقول عدو الله؟ هذا أزَبّ العقبة، هذا ابن أزْيب؛ اسمع عدوّ الله؛ أما والله لأفْرُغَنَّ لك. ثمّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ارفضّوا إلى رحالكم. فقال له العبّاس بن عبادة بن نضلة: والّذي بعثَك بالحق لئن شئت لنميلنّ غدًا على أهل مِنىً بأسيافنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم نؤمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحاكم، قال: فرَجعنا إلى مضاجعنا، فنِمْنا عليها؛ حتى أصبحنا؛ فلمّا أصبحنا غدَتْ علينا جلَّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرج؛ إنّا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا؛ وإنّه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشَبَ الحرب بيننا وبينهم منكم؛ قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه.

    قال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظرُ إلى بعض؛ وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان.

    قال: فقلت كلمة كأنّي أريد أن أشرِك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر؛ أما تستطيع أن تتّخذ وأنت سيّد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه؛ ثم رمى بهما إليّ، وقال: والله لتنعلنَّهما. قال: يقول أبو جابر: مَهْ أحفظت والله الفتى! فاردُدْ عليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردّهما؛ فأل والله صالح؛ والله لئن صدق الفأل لأسلُبنّه.

  7. فهذا حديث كعب بن مالك عن العَقبة وما حضر منها (١) . (٢: ٣٦٤/ ٣٦٥) .

    1. (١)حديث حسن وإسناده مركب فهو من طريقين إلى ابن إسحاق، أما الأولى فضعيف لأنه من طريق ابن حميد الرازي، وأما الثانية فمن طريق سعيد بن يحيى بن سعيد عن أبيه (وهما من رجال الصحيح) عن ابن إسحاق به- والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٥): رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع. اهـ. وراجع ما ذكرناه في تخريج الحديث (٤٣) فلا داعي للإعادة والإطالة.
  8. ٤٧ - وقد حدَّثنا ابن حُميد - قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت- وكان أحد النقباء- قال: بايعْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة

    ج ٢ ص ٥٦الحرب؛ وكان عُبادة من الاثني عشر الّذين بايعوا في العقَبة الأولى (١) . (٢: ٣٦٨) .

    1. (١)إسناده ضعيف وهو صحيح لغيره، والحديث من شطرين: الأول -الكلام عن بيعة الحرب (أي بيعة العقبة الثانية) وأن عبادة بن الصامت كان ممن حضر تلك البيعة، والشطر الثاني هو الكلام عن بيعة العقبة الأولى وكون عبادة ممن حضرها- قلنا: أما الشطر الأول فقد أخرجه البيهقي بأطول مما عند الطبري كما في الدلائل (٣/ ٤٥٢) من طريق يونس عن ابن إسحاق. قال: حدثني عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الحرب على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ... الحديث). وأخرجه البيهقي من طريق آخر عن عبادة (الدلائل ٢/ ٤٥١) ولفظه: أنَّا بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف ... الحديث. وفيه: (وعلى أن ننصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم علينا يثرب. بما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعناه عليها). وقد أخرج ابن كثير هذه الرواية في السيرة وقال: وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه (البداية والنهاية ٣/ ١٦١). وأما الشطر الثاني من رواية الطبري (وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى) فقد أخرج البخاري في صحيحه- ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (٤٣) باب وفود الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وبيعة العقبة ح ٣٨٩٣ - عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أنه قال: (إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحق ولا ننهب ولا نقضي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا في ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله. وأخرجه البخاري في مواضع أخرى وكذلك مسلم وأحمد ذكرناها بالتفصيل في تخريج الأثر (٤١) عند الحديث عن بيعة العقبة الأولى فراجعها هناك.