الهجرة إلى المدينة
٢٨ فقرة، ج ٢ ص ٥٦
- ج ٢ ص ٥٦
٤٨ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد بن جَبْر أبي الحجاج، عن ابن عبّاس، قال: وحدّثني الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس والحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عُتَيبة، عن مقسَم، عن ابن عبّاس قال: لمّا اجتمعوا لذلك واتَّعدُوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غَدَوْا
ج ٢ ص ٥٧في اليوم الذي اتّعدوا له: وكان ذلك اليوم يسمى الزَّحْمَة؛ فاعترضهُم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتٌّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوْه واقفًا على بابها، قالوا: مَن الشيخُ؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمع بالذي اتّعدتم له، فحضر معكم ليسْمَعَ ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكُم منه رأي ونُصحٌ، قالوا: أجَلْ، فادخُلْ، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلّهم، من كلّ قبيلة؛ من بني عبد شمس شَيبة وعُتْبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بني نَوْفل بن عبد مناف طُعَيمَة بن عديّ وجبير بن مُطعِم والحارث بن عامر بن نوفل، ومن بني عبد الدار بن قُصَيّ النَّضر بن الحارث بن كلَدَة، ومن بني أسَد بن عبد العُزّى أبو البختريّ بن هشام وزَمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حِزام، ومن بني مخزوم أبو جهل بن هِشام، ومن بني سهم نُبيه ومُنبِّه ابنا الحجاج، ومن بني جُمَح أميّة بن خلَف؛ ومَنْ كان معهم وغيرهم ممن لا يُعدُّ من قريش.
فقال بعضُهم لبعض: إنّ هذا الرجلَ قد كان أمْره ما قد كان وما قد رأيتم؛ وإنّا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمَنْ قد اتّبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا؛ قال: فتشاوروا. ثم قال قائلٌ منهم: احبسُوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله: زُهَيرًا، والنّابغة ومَنْ مضى منهم؛ من هذا الموت حتى يصيبَه منه ما أصابهم.
قال: فقال الشيخُ النجديّ: لا والله، ما هذا لكم برأي؛ والله لو حبستموُه -كما تقولون- لخرج أمرهُ من وراء الباب الذي أغلقتمُوه دونَه إلى أصحابه؛ فلأوشكوا أن يثبُوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا؛ ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
-
ثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فنَنفيه من بلدنا؛ فإذا خرج عنّا فوالله ما نبالي أين ذهبَ، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه. فأصلحنا أمرَنا، وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي؛ ألم تروْا حسنَ حديثه، وحلاوة منطقه، وغَلبته على قلوب الرجال بما يأتي به! والله لو فعلتُم ذلك ما أمنتُ أن يحلّ على حيّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه
ج ٢ ص ٥٨عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد. أديروا فيه رأيًا غير هذا!
قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعدُ! قالوا: وما هو يا أبا الحكَم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة فتىً شابًّا جلْدًا، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كلّ فتىً منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدُون إليه، ثم يضربونه بها ضرْبة رجل واحد فيقتلونه فنستريح؛ فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل كلّها؛ فلم يقدر بنُو عبد مناف على حَرْب قومهم جميعًا، ورضُوا منَّا بالعقل فعقلناه لهم.
قال: فقال الشيخ النجديّ: القول ما قال الرجُل، هذا الرأي لا رأْيَ لكم غيره.
-
فتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لا تبتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنتَ تبيت عليه!
قال: فلمّا كان العَتمةُ من اللّيل، اجتمعوا على بابه فترصّدوه متى ينام، فيثبون عليه. فلمّا رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نمْ على فراشي، واتّشحْ ببرْدي الحضرميّ الأخضر؛ فنمْ فإنه لا يخلُص إليك شيء تكرهه منهم. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام في بُرده ذلك إذا نام (١) .
- (١)هذا إسناد مركب من طريقين: أحدهما من طريق ابن حميد إلى ابن عباس وهو ضعيف لضعف ابن حميد وإن كان ابن إسحاق قد صرّح بالتحديث هنا. أما الطريق الثاني فهو من طريق الكلبي وهو ضعيف. والحديث أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ١٣٦) ولكنه ضعيف لإبهامه اسم شيخه في هذه الرواية. وأخرجه ابن سعد روايات عدة كلها من طريق الواقدي وهو متروك (الطبقات ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨) وقد ذكر ابن كثير هذه القصة بطولها وأشار إلى روايات الواقدي قائلًا: وهذه القصة التي رواها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعلي وسراقة بن مالك بن جعشم وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدم (البداية والنهاية ٣/ ١٧٤) ولقد أخرجه البيهقي في الدلائل من طرق: الأول (٢/ ٤٦٦): من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا مختصرًا دون ذكر اجتماعهم بدار الندوة وتفاصيل ذلك. الثاني (٢/ ٤٦٧): من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق معلقًا ولكن بشيء من التفصيل = = ذكر فيه اجتماعهم بدار الندوة واعتراض الشيطان في صورة رجل وادعائه بأنه نجدي ... إلخ. الثالث (٢/ ٤٦٨): من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد عن أبيه عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. ولم يصرح فيه ابن إسحاق بالتحديث. الرابع (٢/ ٤٩٦): من طريق الكلبي عن زاذان عن عبد الله بن عباس مختصرًا. أما الذهبي فقد ذكر القصة في السيرة النبوية ثم أشار إلى طرقه التي ذكرناها سابقًا عن البيهقي فقال الذهبي: رواه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي عن أبيه ثنا ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (ح) قال ابن إسحاق: وحدثني الكلبي عن باذام مولى أم هانئ عن ابن عباس فذكر معنى الحديث. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٦٣) من طريق الفضل بن غانم عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به. وهذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن غانم والله أعلم. وأخرج ١/ ٣٤٨ - ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال: وأخبرني عثمان الجزري أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم: بل اقتلوه وقال بعضهم: بل أخرجوه فأطلع الله عزَّ وجلَّ نبيه على ذلك فبات عليٌّ على فراشٍ النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوا عليًّا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل خلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال- وفي إسناده كما ترى عثمان بن عمرو الجزري. قال الحافظ في التقريب: فيه ضعف. قلنا: وقد ذكرنا هذه الرواية من باب الاستشهاد (أو الاعتبار) لا من قبيل الاحتجاج به. وهذه الرواية أخرجها عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٨٩) وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٢٣٦): سنده حسن. وقال ابن كثير: إسناده حسن وهو من أجود ما روي في قصة العنكبوت على فم الغار. قال الألباني المحدث في السلسلة الضعيفة (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ / ح ١١٢٩) بعد نقله لكلام ابن كثير: [وهذا إسناد حسن ... إلخ]. كذا قال (والكلام للألباني)، وليس بحسن في نقدي لأن عثمان الجزري إن كان هو عثمان بن عمرو بن ساج الجزري فقد قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ١ / ١٦٢) عن أبيه: لا يحتج به. وأورده الذهبي في الضعفاء وقال: تكلم فيه. وإن كان هو عثمان بن ساج الجزري ليس بينهما عمرو، فقد جنح الحافظ في "التهذيب" إلى = = أنه غير الأول، ولا يعرف حاله، ولم يفرق بينهما في "التقريب" وقال: فيه ضعف. وابن عمرو لم يوثقه أحد غير ابن حبان، ومن المعروف تساهله في التوثيق، ولذلك فهو ضعيف لا يحتج به كما قال أبو حاتم. وقال الهيثمي في (المجمع ٧/ ٢٧)، رواه أحمد والطبراني وفيه عثمان بن عمرو الجزري، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. ولذلك قال المحقق أحمد شاكر في تعليقه على المسند: في إسناده نظر. ثم إن الآية المتقدمة {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} فيها ما يؤكد ضعف الحديث، لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كان بجنود لا ترى. والحديث يثبت أن نصره - صلى الله عليه وسلم - كان بالعنكبوت وهو مما يرى. فتأمل. والأشبه بالآية أن الجنود فيها إنّما هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين وكذلك قال البغوي في تفسيره (٤/ ١٧٤) للآية. وقال المؤرخ الإسلامي الكبير (أكرم العمري): وقد ورد حديث ضعيف جدًّا يفيد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما بات في غار ثور أمر الله شجرة فنبتت في وجه الغار وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأن ذلك سبب صدود المشركين عن الغار ... ومثل هذه الأساطير تسربت إلى مصادر كثيرة في الحديث والسيرة (صحيح السيرة ١/ ٢٠٨، وراجع ما كتبه العمري في حاشية هذه الصفحة). وقصة تآمر رجالات قريش لقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإخبار الله سبحانه نبيه بمكرهم ذلك ومبيت علي - رضي الله عنه - مكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورد في بداية حديث طويل أخرجه الطبراني مرسلًا عن عروة. وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٥٢): رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وحديثه حسن. وأخرج البزار عن أبي بشر بن معاذ العقدي ثنا عوين بن عمرو القيسي، ثنا أبو مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يحدثون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان ليلة بات في الغار أمر الله تبارك وتعالى شجرة فنبتت في وجه الغار فسترت وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمر الله تبارك وتعالى العنكبوت فنسجت على وجه الغار ... إلى آخره. قال البزار: لا نعلم رواه إلَّا عوين بن عمرو وهو بصري مشهور، وأبو مصعب فلا نعلم حدث عنه إلّا عوين وكان عوين ورباح أخوين. (كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/ ٢٩٩ / ح ١٧٤١ - باب الهجرة إلى المدينة). قلنا: وفيه عوين بن عمرو. قال الحافظ لا يتابع على حديثه (اللسان ٥/ ٣٥٧ / ت ٦٤٤٢). قلنا: فرواية الطبري (٤٨) حسنة بمجموع طرقها سوى زيادة نسج العنكبوت وإنبات الشجرة أمام الغار فغير صحيحة علمًا بأن هذه الزيادة ليست في رواية الطبري التي نحن بصددها هنا = = والله أعلم. ومعلوم أن تآمر مشركي قريش لقتله عليه الصلاة والسلام قد ثبت بنص التنزيل الكريم والله أعلم.
- ج ٢ ص ٥٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٢ ص ٦٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٢ ص ٦١
٤٩ - قال أبو جعفر: وأذِنَ الله عزّ وجلّ لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذلك بالهجرة، فحدّثنا عليّ بن نصر الجهضميّ، قال: حدَّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، وحدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُرْوة، عن عُرْوة، قال: لَمّا خرج أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وقَبْل أن يخرج -يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمِرُوا فيها بالقتال، استأذنه أبو بكر؛ ولم يكن أمرَه بالخروج مَعَ مَنْ خرج من أصحابه، حبسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال له: أنظِرْني، فإنّي لا أدري؛ لعلّي يُؤذن لي بالخروج. وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدّهما للخروج مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ فلمّا استنظره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره بالذي يرجو من ربّه أن يأذَن له بالخروج، حَبَسهما وعَلَفهما، انتظارَ صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أسمنهما، فلما حبس عليه خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو بكر: أتطمع أن يؤذن لك؟ قال: نعم. فانتظره فمكث بذلك. فأخبرتني عائشة، أنهم بينا هم ظُهْرًا في بيتهم، وليس عند أبي بكر إلّا ابنتاه: عائشة وأسماء؛ إذا هم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حين قام قائم الظّهيرة -وكان لا يخطئه يومًا أن يأتِيَ بيتَ أبي بكر أوّل النهار وآخرَه- فلما رأى أبو بكر النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء ظُهْرًا، قال له: ما جاء بك يا نبي الله إلّا أمرٌ حدث؟ فلمّا دخلَ عليهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - البيت، قال لأبي بكر: أخْرِجِ مَنْ عندك، قال: ليس علينا عَين، إنّما هما ابنتاي، قال: إنّ الله قد أذِن لي بالخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، الصّحابة، الصّحابة! قال: الصحابة. قال أبو بكر: خذ إحدى الرّاحلتين -وهما الرّاحلتان اللتان كان يعلِفهما أبو بكر، يُعِدُّهما للخروج، إذا أذِن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه إحدى الرّاحلتين، فقال: خذها يا رسول الله فارتحلْها، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: قد أخذتُها بالثمن، وكان عامر بن فُهَيرة مُولّدًا من مُوَلّدي الأزْدِ، كان للطُّفَيل بن عبد الله بن سَخْبَرةَ، وهو أبو الحارث بن الطُّفَيل، وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمّهما، فأسلم عامر بن فُهيرة، وهو مملوك لهم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان حَسَنَ الإسلام، فلمَا
ج ٢ ص ٦٢خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر، كان لأبي بكر مَنيِحةٌ من غَنمٍ تروحُ على أهله، فأرسل أبو بكر عامرًا في الغنم إلى ثور، فكان عامر بن فهَيرة يروح بتلك الغَنَم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغار في ثَوْر، وهو الغار الذي سمّاه الله في القرآن، فأرسل بظهرهما رجلًا من بني عبد بن عديّ، حليفًا لقريش من بني سَهْم، ثم آل العاص بن وائل؛ وذلك العَدَويّ يومئذ مشركٌ، ولكنّهما استأجراه، وهو هاد بالطّريق.
-
وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبدُ الله بن أبي بكر حين يُمسي بكلّ خبر بمكّة، ثم يصبح بمكّة ويريح عامر الغنم كلّ ليلة، فيحلُبان، ثم يسرح بُكرَةً فيصبح في رُعْيانِ النّاس، ولا يُفْطنُ له؛ حتى إذا هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أنْ قد سُكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريهما، فانطلقا وانطُلق معهما بعامر بن فُهَيرةَ يخدمُهما ويعينهما، يُردفه أبو بكر ويُعقبه على رَحْله، ليس معهما أحدٌ إلّا عامر بن فُهَيرة وأخو بني عديّ يهديهما الطّريق، فأجاز بهما في أسفلَ مكة، ثم مضى بهما حتى حاذَى بهما الساحل، أسفلَ من عُسْفان، ثم استجاز بهما حتى عارض الطّريق بعدما جاوز قُدَيدًا، ثم سلك الخَرَّار، ثم أجاز على ثنيَّة المَرَة، ثِم أخذ على طريق يقال لها المدْلجة بين طريق عَمْق وطريق الرَّوْحاء، حتى توافوْا طريق العَرْج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركُوبة؛ حتى يَطْلع على بطن رئم، ثم جاء حتى قدِم المدينة علي بني عمرو بن عوف قبل القائلة (١) . (٢: ٣٧٥/ ٣٧٦ / ٣٧٧) .
- (١)إسناده صحيح وإن كان عروة قد ذكر كلامًا قبل أن يقول: فأخبرتني عائشة، وهو صحيح كما عند البخاري، إلّا أن البخاري لم يذكر في نهاية الحديث التفاصيل الدقيقة عن مراحل الطريق وأسماء الأماكن التي مرّوا بها إلّا أنه اختصر في وصف طريق هجرتهما قائلًا: وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدّليل، فأخذ بهم طريق السواحل. فقد أخرج البخاري في صحيحه -كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٠٥ / أن عائشة رضي الله عنها قالت: لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين، ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار: بكرة وعشية. الحديث وفيه [والنبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بمكة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين: إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهّز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر -وهو الخبط- أربعة أشهر]. = = قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوسًا في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقنعًا -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن، فأذن له، فدخل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بالثمن. قالت عائشة: فجهزناها أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق. قالت: ثم لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بغار في جبل ثور. فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل -وهو لبن منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خرِّيتًا -والخرِّيت الماهر بالهداية- وقد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور -بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل (الفتح ٧/ ٢٣١ - ٢٣٢) والحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل مختصرًا قليلًا (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ / ج ٢٣٠) عن عائشة - رضي الله عنها - وفي آخره: فأخذ بهم طريق السواحل وهو طريق أذاخر ... أما تفاصيل الطريق وأسماء الأماكن التي مر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الصديق في الهجرة المباركة فقد أورده الطبري في هذه الرواية، وكذلك أخرج الحاكم حديثًا في ذكر تفاصيل ذلك مع بعض الزيادات من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين عن عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنها - ... وفيه: [فسلك بهما أسفل من مكة ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما على أسفل أمج ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديدًا ثم سلك بهما الحجاز ثم أجاز بهما ثنية المرار ثم سلك بهما الحيفاء ثم أجاز بهما مدلجة ثقف ثم استبطن بهما مدلجة صحاح ثم سلك بهما مذحج ثم ببطن مذحج من ذي الغصن ثم ببطن ذي كشر ثم أخذ الجباجب ثم سلك ذي سلم من بطن أعلى مدلجة ثم أخذ القامة ثم هبط العرج ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبه ثم هبط بطن ريم، فقدم قباء على بني عمرو بن عوف -قال الذهبي: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- = = وسكت عنه الذهبي وصححه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٣٨)].
- ج ٢ ص ٦٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٢ ص ٦٤
٥٠ - وقد حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميميّ، قال: حدّثني عُروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة زوْج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئه أحد طرفَي النهار أن يأتيَ بيت أبي بكر إمّا بُكْرةً، وإمّا عشيّة؛ حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكّة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجِرة، في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلمّا رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه السّاعة إلا لأمرٍ حدث. قالت: فلمّا دخل تأخّر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس عند أبي بكر إلّا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخْرِجْ عَنّي مَنْ عندك، قال: يا نبيّ الله، إنّما هما ابنتايَ، وما ذاك فداك أبي وأمّي! قال: إنّ الله عزّ وجلّ قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول الله، قال: الصّحبة.
قالت: فوالله ما شعرتُ قَطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدًا يبكي من الفرح؛ حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح. ثم قال: يا نبيّ الله، إن هاتينِ راحلتايَ، كنت أعددتُهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقد -رجلًا من بني الدِّيل بن بكْر، وكانت أمّه امرأةً من بني سَهْم بن عمرو، وكان مشركًا- يدلّهما على الطّريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدٌ حين خرج إلّا عليٌّ بن أبي طالب وأبو بكر الصدّيق، وآل أبي بكر؛ فأمّا عليّ، بن أبي طالب فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني- أخبره بخروجه، وأمرَهَ أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يؤدّيَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الودائع التي كانت عنده للنّاس، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بمكة أحدٌ عنده شيء يخشى عليه إلّا وضعه عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لِمَا يُعرف من صدقه وأمانته. فلمّا أجمعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للخروج أتى أبا بكر بن أبي قُحافة، فخرجا من خَوْخَة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عَمدَا إلى غار بثَوْر جبل بأسفل مكة، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أنْ يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارَه، ثم يأتيهما إذا
ج ٢ ص ٦٥أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخَبر، وأمَر عامرَ بن فُهَيرة مولاه أن يرعَى غنمه نهاره، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى بالغار. وكانت أسماءُ بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثًا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدُوه مئة ناقة لمن يردّه عليهم، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم، ويستمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخَبر، وكان عامر بن فُهَيرة مولَى أبي بكر يرعَى في رُعيان أهلِ مكّة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكّة اتّبع عامر بن فهيرة أثرَه بالغنم، حتى يُعفِّيَ عليه؛ حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبُهما الذي استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عِصامًا. فلما ارتحلا ذهبت لتعلّق السُّفرة، فإذا ليس فيها عِصامٌ فحلّت نطاقها، فجعلَتْه لها عصَامًا، ثم عَلّقتها به - فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النّطاقين؛ لذلك -فلما قَرَّب أبو بكر الرّاحلتين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قَرّب له أفضلهما، ثم قال له: اركب فداك أبي وأمّي! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنّي لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهو لك يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة مولاهُ خَلْفَه يخدمُهما بالطريق (١) . (٢/ ٣٧٧ / ٣٧٨/ ٣٧٩) .
- (١)إسناده ضعيف وهو حديث صحيح كما سبق تخريجه في الحديث السابق (٧٠) وفيها: [وجعلت قريش حين فقدوه مئة ناقة لمن يرده عليهم] وهي عند البخاري (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٠٦) بصيغة أخرى من حديث سراقة بن جعشم أنه قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر دية كلِّ واحد منهما لمن قتله أو أسره ... الحديث. قال الحافظ: قوله (دية كل واحد) أي مئة من الإبل وصرّح بذلك عقبة وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزهري وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني: (وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما وجعلوا في النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة ناقة ... الحديث). لم يتطرق الطبري رحمه الله إلى قصة أم معبد إلّا عابرًا من خلال ذكره للقصيدة التي قالها الجن وفيه: جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حَلَّا خيمتي أمّ معبد = = وقد ذكرنا هذه الرواية (٧١) في الضعيف، وقد ذكر أصحاب السير والمغازي أنه - صلى الله عليه وسلم - نزل هو وصاحبه الصديق - رضي الله عنه - في طريق الهجرة بخيمة تسمى (حيمة أم معبد) وخلاصة القصة أنها اعتذرت - صلى الله عليه وسلم - عن إطعامهما لعدم وجود طعام في بيتها وكان لها شاة لا تدر لبنًا لهزالها فمسح عليه الصلاة والسلام ضرع الشاة بيده الشريفة ثم حلب في إناء وشرب منه الجميع -والحديث رواه الطبراني في الكبير (٤/ ٥٦) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٥٨): وفي إسناده جماعة لم أعرفهم. وأخرجه ابن سعد من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي وهو كذاب (الطبقات ١/ ٢٣٠) وأخرجه ابن سيد الناس (عيون الأثر ١/ ١٨٨) وفيه من هو متهم -الكديمي- وطرق الحديث هذه ضعيفة. وأخرج البزار عن حديث قيس بن نعمان السكوني (وهو صحابي - رضي الله عنه -) أنه قال: لما انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال والله ما لنا شاة وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسبه-: فما تلك الشاة؟ فأتى بها. فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها بالبركة ثم حلب عبئًا فسقاه ثم شربوا فقال: أنت الذي يزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم يقولون. قال: أشهد أن ما جئت به حق. ثم قال: أتبعك؟ قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا، فاتبعه بعد. (كشف الأستار ٢/ ٣٠١ / ح ١٧٤٣) وأشار الهيثمي إلى رواية البزار هذه قائلًا (المجمع ٦/ ٥٨): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. ولكن البزار يرى في رواية الصحابي هذه مخالفة لبقية روايات حديث أم معبد فقال: لا نعلم روى قيس عن النبي إلا هذا ولا نعلمه بهذا اللفظ إلا عنه وهو يخالف سائر الأحاديث في قصة أم معبد. ولكن هذا حدث به عبيد بن إياد. وقال الحافظ أخرجها الطبراني من حديث قيس بن النعمان بسند صحيح وسياق أتم. (الإجابة ٥/ ٥٠٦). ولا نريد أن نطيل في ذكر قصة أم معبد ورواياتها لأن الطبري لم يذكرها إلا عابرًا كما ذكرنا ونحن بصدد تحقيق ما ذكره الطبري من الروايات ومن أراد أن يقف على باقي روايات قصة أم معبد المتبقية فليرجع إلى ما كتبه المؤرخ العمري بالتفصيل عن هذه القصة ورواياتها من مقال- فهي لا تقوم بها حجة (صحيح السيرة ١/ ٢١٢ - ٢١٥).
- ج ٢ ص ٦٦
٥١ - قال أبو جعفر: وقدِم دليلهُما بهما قُباءَ، على بني عمرو بن عوف، لثْنتَي ليلةً خلَتْ من شهر ربيع الأول، يوم الإثنين حين اشتد الضُّحى، وكادت الشمس أن تعتدل (١) . (٢: ٣٨١) .
- (١)ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد وهو من شطرين. أما الشطر الأول فهو صحيح وهو قوله (وقدم دليلهما بهما قباء على بني عمرو بن عوف) فقد أشرنا سابقًا إلى أنه جزء من حديث = = أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٨) وفي آخره (فقدم قباء علي بني عمرو بن عوف) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي. قلنا: وهو من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث فهو إسناد حسن والله أعلم. أما الشطر الثاني من رواية الطبري: فقد ذكره ابن هشام كذلك بلاغًا (السيرة النبوية ٢/ ١٥٦) ولكن أخرج البخاري في صحيحه كتاب (مناقب الأنصار / ج ٣٩٠٦) عن عروة بن الزبير مرسلًا من حديث طويل، وفيه (فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول) وقال ابن حجر معقبًا: وهذا هو المعتمد (الفتح ٧/ ٢٤٤). وأخرج الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٧٢) (عن عاصم بن عدي - رضي الله عنه - قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فأقام بالمدينة عشر سنين). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٦٣): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
- ج ٢ ص ٦٧
٥٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزُّبَيْر، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: لما سمِعْنَا بمخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، وتوكَّفنا قدومه، كنّا نخرج إذا صلّينا الصبح إلى ظاهِر حَرَّتنا، ننتظرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فوالله ما نَبْرَح حتى تغلبنا الشمس على الظلال؛ فإذا لم نجد ظِلًّا دخلنا بيوتنا، وذلك في أيام حارّةٍ؛ حتى إذا كان في اليوم الذي قَدِم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلسنا كما كنّا نجلس؛ حتى إذا لم يبق ظلٌّ دخلنا بيوتنا، وقدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخلنا البيوت، فكان أوّل مَنْ رآه رجلٌ من اليهود، وقد رأى ما كنَّا نصنع، وإنّا كُنّا ننتظر قدومَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيلة هذا جَدُّكم قد جاء.
قال: فخرجنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في ظلِّ نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سِنِّه وأكثرُنا مَنْ لم يكن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك، قال: وركبه الناس، وما نعرفه من أبي بكر؛ حتى زال الظلّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقام أبو بكر، فأظلّه بردائه، فعرفناه عند ذلك (١) . (٢: ٣٨١/ ٣٨٢) .
- (١)إسناده ضعيف وهو حديث صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه (٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٠٦) عن عروة بن الزبير مرسلًا وفيه: وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة فكانوا يغدون كلّ غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردّهم حرّ الظهيرة فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من = = آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه مبيّضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صامتًا فطفق من جاء من الأنصار -ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُحيِّي أبا بكر حتّى أصابت الشمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك. قال الحافظ معقبًا على سند هذه الرواية عند البخاري: قوله (قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي الزبير في الركب) هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولًا، وقد أفرده الحاكم في وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلًا وصورته مرسل. لكن وصله الحاكم أيضًا من طريق معمر عن الزهري قال: (أخبرني عروة أنه سمع الزبير- به) (الفتح ٧/ ٢٤٣). قلنا: وحديث الحاكم الذي أشار إليه ابن حجر يحكي أصل القصة كما في المستدرك (٣/ ١١) عن الزهري قال: (أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع الزبير يذكر أنه لقي الركب من المسلمين كانوا تجارًا بالشام قافلين من مكة عارضوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر بثياب بيض حين سمعوا بخروجهم فلما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم حر الظهيرة فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطمًا من آطامهم لينظر إليه فبصر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مبيّضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا صاحبكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. اهـ. وللحديث رواية أخرى تصلح في الشواهد وهو ما أشار إليه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٠ - ٦١) وقال: رواه البزار وفيه عبد الله بن أسلم وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره. قلنا: خلاصة القول: الحديث الذي رواه الطبري في قصة انتظار أهل المدينة قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحيح لغيره والله أعلم.
- ج ٢ ص ٦٨
٥٣ - فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسَّس مسجدهم؛ ثم أخرجه الله عزّ وجلّ من بين أظهرهم يوم الجمعة؛ وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنّه مكث فيهم أكثرَ من ذلك. والله أعلم.
- ج ٢ ص ٦٩
ويقول بعضهم: إنّ مقامه بقُباء كان بضعة عشر يومًا (١) . (٢: ٣٨٣) .
- (١)تحدث الطبري هنا عن مدة بقائه في بني عمرو بن عوف بقباء فذكر قولًا في ذلك وهو تعيين المدة بثلاثة أيام ثم خرج من عندهم في اليوم الرابع، والقول الآخر والذي نسبه إلى بني عمرو بن عوف أنه مكث فيهم أكثر وذلك قولًا آخر يحدد مدة بقائه عليه الصلاة والسلام فيهم بضعة عشر يومًا. وقد ذكر الطبري ذلك بلا إسناد، وقد ذكر ابن إسحاق ذلك بلا إسناد أيضًا (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٥٩) دون ذكر الرأي الثالث. ولقد جمع الحافظ ابن حجر أقوال أئمة المغازي والسير في تحديد تلك الأيام في شرحه لحديث عروة المرسل (الفتح ٧/ ٢٤٤) وقال رحمه الله: وبه جزم ابن حبان فإنه قال: (أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس) يعني وخرج الجمعة؛ فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، وكذا قال موسى بن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليالٍ فكأنه لم يعتد بيوم الخروج ولا الدخول، وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين حكاه الزبير بن بكار، وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرب منه كما يذكر عقب هذا ... ثم عقب الحافظ على قول عروة بن الزبير في الحديث نفسه (أي ٣٩٠٦ كتاب مناقب الأنصار) فقال رحمه الله: في حديث أنس الآتي في الباب الذي يليه أنه أقام فيهم أربع عشرة ليلة، وقد ذكرت قبله ما يخالفه والله أعلم. ثم أردف -ابن حجر قائلًا: قال- موسى بن عقبة عن ابن شهاب (أقام فيهم ثلاثًا). قال: وروى ابن شهاب عن مجمع بن حارثة (أنه أقام اثنتين وعشرين ليلة) وقال ابن إسحاق: أقام فيهم خمسًا وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك. قلت (والكلام للحافظ): ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس وأنس من الخزرج وقد جزم بما ذكرته فهو أولى بالقبول من غيره اهـ. (الفتح ٧/ ٢٤٤). وقد أخرج الذهبي من طريق عطاء بن عثمان الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس حديثًا وفيه: (فنزل عليه في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال). (تأريخ الإسلام / السيرة النبوية / ٣٣٤). قلنا: وإسناده ضعيف فهو من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أحاديث منكرة (الضعفاء / ت ١٥٥) وقال مسلم والدارقطني: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة (تهذيب الكمال ١٩/ ٤٤٤ / ت ٤٤٤٦). قلنا: وحديث أنس الذي أشار إليه الحافظ في تعيين مدة بقائه - صلى الله عليه وسلم - أقوى سندًا وأصح من غيره، فقد أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٣٢) وفيه: (لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة نزل في علو المدينة، وفي حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ... الحديث). قلنا: فهذا نص صحيح صريح في تحديد تلك المدة ... وهذا هو الراجح والله أعلم. قال أبو جعفر: واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما استنبيء، فقال بعضهم: كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين، وذكر من قال ذلك.
- ج ٢ ص ٧٠
٥٤ - حدّثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عمرو بن عثمان الحمصيّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، قال: هاجرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأس عَشْرٍ من مُخْرَجه (١) . (٢: ٣٨٤) .
- (١)إسناده حسن.
-
٥٥ - قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل أقام بعدما استنبِيء بمكّة ثلاث عشرة سنة.
- ذكر من قال ذلك:
-
حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا حجاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد -يعني ابن سلمة- عن أبي جَمْرة، عن ابن عبّاس، قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه (٢) . (٢: ٣٨٤) .
- (٢)إسناده صحيح وسنتحدث عنه بعد الرواية (٥٧).
-
٥٦ - حدثني محمّد بن خلف، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدَّثنا حمّاد بن سلَمة، قال: حدَّثنا أبو جَمْرَةَ الضُّبَعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعين سنة (٣) ، وأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة. (٢: ٣٨٤) .
- (٣)إسناده صحيح.
-
٥٧ - حدّثني محمّد بن معمَر، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق، قال: حدَّثنا عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: مكَث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكّة ثلاث عشرة سنة (٤) . (٢: ٣٨٥) .
- (٤)إسناده صحيح، أخرجه البخاري عن روح به (كتاب مناقب الأنصار ح ٣٩٠٣). ومسلم (٤/ ١٨٢٦) رقم (١١٧/ ٢٣٥١) وبزيادة: (وتوفي وهو ابن ثلاث وستين).
-
٥٨ - حدّثني عبيد بن محمد الورّاق، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأربعين سنة، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة (٥) . (٢: ٣٨٥) .
- (٥)إسناده صحيح، أخرجه البخاري عن روح به (ح / ٣٩٠٢) وزاد (فهاجر عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين).
-
٥٩ - وقال بعضهم: كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة:
- ذكر من قال ذلك:
-
حدّثني بذلك الحارث، عن ابن سعد، عن محمّد بن عمر، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عِكْرمة، عن ابن عباس؛ واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صِرمة بن أبي أنس، غير أنه أنشد ذلك:
ثَوَى في قُرَيشٍ خَمْسَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا! (١)
- (١)إسناده ضعيف، وقد أخرجه مسلم (٤/ ٢٨٢٧ / رقم ١٢٣) عن ابن عباس من طريق عمار بن أبي عمار. ورجح ابن حجر رواية البخاري في صحيحه (ح / ٣٨٥١) على رواية مسلم (١٥ سنة) والله أعلم.
-
(٢: ٣٨٦) .
-
٦٠ - حدثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدّثني سعيد بن أبي مريم. وحدّثني عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا أبي، قالا جميعًا: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدّثني أبو حازم، عن سَهْل بن سعد، قال: ما أصاب الناس العدَد؛ ما عدّوا من مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا من وفاته، ولا عدُّوا إلّا من مقدَمه المدينة (٢) (٢: ٣٨٩) .
- (٢)إسناده صحيح وقد أخرجه البخاري عن سهل بن سعد ولفظه: ما عدّوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدّوا إلا من مقدمه المدينة (مناقب الأنصار ح / ٣٩٣٤).
-
٦١ - حدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدَّثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان التأريخ في السّنة التي قدِم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وفيها وُلد عبدُ الله بن الزُّبَيْر (٣) . (٢: ٣٨٩) .
- (٣)إسناده حسن وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبي مريم عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس (المستدرك ٣/ ١٣) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تاريخه (٢/ ١٣٣) وأخرجه البخاري (ح ٣٩٣٤) من حديث سهل بن سعد، وكذلك ما أخرجه الطبري (٢/ ١٣٤) والحاكم (٣/ ١٣) من حديث عبد الله بن عباس وصححه ووافقه الذهبي كما سبق أن ذكرنا والله أعلم. وسنعود إلى هذه المسألة بعد الرواية (١٤٢) إن شاء الله تعالى.
-
٦٢ - حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا يعقوب بن
ج ٢ ص ٧٢إسحاق بن أبي عبّاد؛ قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: كان التأريخ في السنَة التي قَدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، فذكر مثله (١) . (٢: ٣٩٠) .
- (١)إسناده صحيح وهو حديث صحيح كما تقدم. تعليق على الأحاديث (٨٤ - ٩١). لقد ذكر ابن حجر بعضًا من هذه الروايات في الفتح ثم قال: واستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي (الفتح ٧/ ٢٦٩). وقال ابن كثير: اتفق الصحابة -رضي الله عنهم- في سنة ست عشرة ولَيل سبع عشرة أو ثماني عشرة في الدولة العمرية على جعل ابتداء التأريخّ الإسلامي من سنة الهجرة (البداية والنهاية ٣/ ٢٠٤). وقال ابن كثير كذلك: وقد ذكرنا هذا الفصل محررًا بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد، والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي سنة الهجرة وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهو قول جمهور الأئمة (البداية والنهاية ٣/ ٢٠٥).
-
٦٣ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، قال: قدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة يوم الإثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول.
قال أبو جعفر: فإذا كان الأمرُ في تأريخ المسلمين كالذي وصفت، فإنّه وإن كان من الهجرة، فإنّ ابتداءهم إياه قبل مقدَم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة بشهرين وأيام؛ هي اثنا عشر؛ وذلك أنّ أوّل السنة المحرّم، وكان قدومُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة، بعد مُضِيّ ما ذكرت من السنة، ولم يؤرّخ التأريخ من وقت قدومه، بل من أول تلك السنة (٢) . (٢: ٣٩٣) .
- (٢)إسناده ضعيف وهو حديث صحيح، سبق أن ذكرنا أن الطبراني أخرجه في الكبير (١٧/ ١٧٢). ووثق الهيثمي رجاله (المجمع ٦/ ٦٣).