[سرية عبد الله بن جحش]

٦ فقرات، ج ٢ ص ٨٠

  1. ٧٣ - قال أبو جعفر الطبريّ: ولمّا رَجَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طلب كُرْز بن جابر الفِهريّ إلى المدينة، وذلك في جُمادى الآخرة، بعث في رجب عبدَ الله بن جَحْش معه ثمانية رهْط من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ؛ فيما حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزّهريُّ ويزيد بن رُومان؛ عن عُرْوة بن الزبير بذلك.

    ج ٢ ص ٨٠
  2. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، عن الزهريّ ويزيد بن رُومان، عن عروة، قال: وكتبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له كتابًا -يعني لعبد الله بن جَحْش- وأمره ألّا ينظر فيه حتى يسير يومين؛ ثم ينظر فيه فيَمضي لما أمرَه به، ولا يستكرِه أحدًا من أصحابه، فلمّا سار عبدُ الله بن جحش يومين، فتح الكتاب، ونظر فيه، فإذا فيه: "وإذا نظرتَ في كتابي هذا؛ فسِرْ حتى تنزل نَخْلة بين مكَّة والطَائف؛ فترصَّدْ بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم" فلمّا نظرَ عبدُ الله في الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً؛ ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمضيَ إلى نَخْلة، فأرصد بها قريشًا حتى آتيَه منهم بخبَر، وقد نهاني أن أستكرِهَ أحدًا منكم؛ فمن كان منكم

    ج ٢ ص ٨١يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلِقْ، ومَنْ كره ذلك فلْيرجِع؛ فأمّا أنا فماضٍ لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  3. فمضى ومضى معه أصحابُه، فلم يتخلَّف عنه منهم أحد، وسلَك على الحجاز؛ حتى إذا كان بمَعدِنَ فوق الفُرْع [يقال له بحْران] ، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيرًا لهما كانا يَعْتقبانه، فتخلَّفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقيَّة أصحابه حتى نزل بنخْلة، فمرّت بهِ عيرٌ لقريش تحمل زَبيبًا وأدَمًا وتجارة من تجارة قريش فيها؛ عمرو بن الحضرميّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميَّان، والحكَم بن كَيسان مولى هشام بن المغيرة. فلمَّا رآهم القوم هابوهم؛ وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عُكَّاشة بن محْصَن -وقد كان حلَق رأسه- فلما رأوْه أمنوا، وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب؛ فقال القوم: والله لئن تركتم القومَ هذه الليلة ليدخُلنّ الحرم؛ فليمتنعُنَّ به منكم؛ ولئن قتلتموهم لتقتُلنَّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم؛ ثم تشجَّعوا عليهم، وأجمعوا على قتل مَنْ قدروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم؟ فرمى واقدُ بن عبد الله التميميّ عمرو بنَ الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعِير والأسيرين؛ حتى قدِموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة.

    قال: وقد ذكرَ بعضُ آل عبد الله بن جحش، أنّ عبد الله بن جَحْش، قال لأصحابه: إنّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممَّا غنمتم الخمسَ -وذلك قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس- فعزل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خُمْس الغنيمة، وقسّم سائرها بين أصحابه؛ فلمَّا قدمُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ما أمرتُكم بقتال في الشَّهر الحرام. فوقَّف العير والأسيرين؛ وأبَى أن يأخذ من ذلك شيئًا. فلمَّا قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُقِط في أيدي القوم، وظنُّوا أنَهم قد هَلَكوا، وعنَّفَهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعْتُمْ ما لم تُؤْمَروا به، وقاتلتم في الشَّهرِ الحرام ولم تؤمروا بقتال! وقالت قريش: قد استحلَّ مُحمدٌ وأصحابُهُ الشَّهرَ الحرام، فسفكوا فيه الدّم وأخذوا فيه الأموال، وأسَرُوا فيه الرّجال، فقال مَنْ يردّ ذلك عليهم من

    ج ٢ ص ٨٢المسلمين ممّن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود: تفاءل بذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عمرو بن الحضرميّ قتله واقد بن عبد الله: "عمرو" عمرت الحرب، و "الحضرميّ" حضرت الحرب، و "واقد بن عبد الله" وقدت الحرب؛ فجعل الله عزّ وجلّ ذلك عليهم لا لهم.

  4. فلمَّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله عزّ وجلّ على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: ٢١٧] . فلمّا نزل القرآن بهذا من الأمر وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق، قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير والأسيرين.

  5. وبعثَت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكَم بن كيسان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا نُفْدِيكموهما؛ حتى يَقدَم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقَّاص وعتبة بن غزوان- فإنَّا نخشاكم عليهما؛ فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعُتْبة، ففاداهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم؛ فأما الحكم بن كَيسان فأسلم فحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قتل يوم بئر مَعُونة شهيدًا (١) . (٢: ٤١٠/ ٤١١ / ٤١٢/ ٤١٣) .

    1. (١)إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية عن عروة مرسلًا (٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢) مع بعض الاختلاف. والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير (٢/ ٢٢٩) فحديث سرية عبد الله بن جحش مرسل عند كليهما (الطبري وابن هشام) وأخرجه البيهقي في السنن (٩/ ١٢) عن عروة كذلك مرسلًا- وأحمد (٢١/ ٢٥ / الفتح الرباني) وفي إسناده انقطاع وكذلك ابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥٢) منقطعًا ورواه البيهقي مرسلًا في سننه (٩/ ٥٨) وهذه طرق ضعيفة تتقوى ببعضها وبما أخرجه البيهقي موصولًا بسند رجاله ثقات من طريق سليمان التيمي عن الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه -، وقال البيهقي في السنن عقب هذه الرواية (٩/ ١١): سنده صحيح إن كان الحضرمي هو ابن لاحق- اهـ -. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٨). وأما من المعاصرين فقد ضعف محققا سيرة ابن هشام حديث سرية عبد الله بن جحش، إذ قال الشيخان الجليلان الدكتور همام سعيد ومحمد أبو صعيليك في نهاية تحقيقهما للخبر: فيكون الخبر ضعيفًا (سيرة ابن هشام / الحاشية ٢/ ٢٨٩). أما الشيخ الفاضل سيد بن عباس الحليمي فقد ذكر طرق الرواية وبيّن ضعفها غير رواية البيهقي من حديث جندب بن عبد الله فقال: وإسناده حسن إن كان حضرمي هو ابن لاحق. (الفصول في سيرة الرسول / ٦٠ / الحاشية). = = وقال الأستاذ العمري في صحيح السيرة النبوية: والحديث يرقى بمجموع طرقه إلى الصحيح لغيره (صحيح السيرة ٢/ ٣٤٧ الحاشية). والقول ما قاله العمري والله أعلم.
  6. وأما الواقديّ فإنه زعم أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله بن جحش سَرِيّةً في اثني عشر رجلًا من المهاجرين (١) . (٢: ٤١٠)

    1. (١)صحيح.
    ج ٢ ص ٨٣