القول في الذي ثنى خلق القلم
١٠ فقرات، ج ١ ص ١٧٥
- ج ١ ص ١٧٥
حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شُميل، قال: حدثنا المسعوديّ، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن حرز، عن ابن حصين -وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أتي قوم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلوا عليه، فجعل يبشّرهم ويقولون: أعطِنا، حتى ساء ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم خرجوا من عنده. وجاء قوم آخرون، فدخلوا عليه فقالوا: جئنا نسلّم علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونتفقّه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال: فاقبَلوا البشري إذْ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا، قالوا: قَبِلنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان الله لا شيء غيره، وكان عرشه علي الماء، وكُتِب في الذكر قبل كلّ شيء، ثم خلق سبعَ سموات" . ثم أتاني آت فقال: تلك ناقتُك قد ذهبتْ، فخرجتُ ينقطع دونها السراب، وَلوَددت أني تركتها (١) . (١: ٣٨) .
- (١)في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ثقة اختلط في آخر عمره إلَّا أن النضر بن شميل سمع منه قبل الاختلاط ويتقي حديثه عن عاصم بن بهدلة وسلمة بن كهيل وليس ها هنا كذلك فالإسناد صحيح. وقد توبع عن جامع بن شداد عند الطبري نفسه كما بعد رواية وكما عند البخاري (كتاب بدء الخلق / ح ٣١٩١). عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال (اقبلوا البشري يا بني تميم، قالوا قد بشرتنا فأعطنا) (مرتين) ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشري يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه علي الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض ... الحديث). وفي لفظ آخر للحديث عند البخاري (كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه علي الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء) (صحيح البخاري / كتاب التوحيد / ح ٧٤١٨) وأخرج مسلم في صحيحه (نحو حديث عمران بن حصين هذا) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه علي الماء". (صحيح مسلم / كتاب القدر / ح ٢٦٥٣).
-
حدثني أبو كُريب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن جامع ابن شداد،
ج ١ ص ١٧٦عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" ، فقالوا: قد بشَّرتنا فأعطنا، فقال: "اقبلوا البشري يا أهل اليمن" ، فقالوا: قد قبِلنا، فأخبرْنا عن هذا الأمر كيف كان؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان الله عزَّ وجلَّ علي العرش، وكان قبل كلِّ شيء، وكتب في اللوح كل شيء يكون" . قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، هذه ناقتك قد حلَّت عقالها، فقمت، فإذا السراب ينقطع بيني وبينها، فلا أدري ما كان بعد ذلك (١) . (١: ٣٨) .
- (١)حديث صحيح أخرجه البخاري كما بينا قبل قليل. عود على بدء: والقول الراجح عند الطبري وغيره في هذه المسألة: لقد ذكر الطبري رأيه في هذه المسألة بعد إخراجه لروايات مرفوعة وموقوفة. وخلاصة رأيه أنه يصحح الحديث النبوي الشريف (أول شيء خلقه الله عزَّ وجلَّ القلم). ويقول بأن مفهوم الحديث واضح ودلالته واضحة من غير استثناء شيء من المخلوقات قبل خلقه القلم وأن القلم أول مخلوق من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماءً ولا شيئًا غير ذلك، وانظر تاريخ الطبري (١/ ٣٥ - ٣٦). قلنا: والمعروف أن أئمة الحديث علي جلالة قدرهم قد تفوتهم أحاديث وأحاديث ويرويها غيرهم. فقد أخرج البخاري كما أشرنا حديثًا آخر لم يذكره الطبري رحمه الله. وهو حديث عمران بن حصين السابق وفيه (كان الله ولم يكن شيء غيره. وكان عرشه علي الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض) وفي رواية (ثم خلق السموات والأرض) (صحيح البخاري / ح ٣١٩١ / و / ح ٧٤١٨): قلنا: أما الحافظ ابن حجر فقد صار إلي الجمع بين المتعارضين ظاهرًا إذ قال في الفتح عقب الحديث (٣١٩١): وأما أول ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا (أول ما خلق الله القلم ثم قال: اكتب. فجري بما هو كائن إلي يوم القيامة). فجمع بينه وبين ما قبله بأن أوله القلم بالنسبة إلي ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلي ما منه صور من الكتابة أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق. وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولًا: العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني (فتح الباري ٦/ ٤٣٠ / ط. الفكر). وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: والذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره أن العرش مخلوق قبل ذلك ... ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم. وقال رحمه الله: وقد دلَّ هنا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش علي القلم = = الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجمهور. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين قال: قال أهل اليمن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال: (كان الله ولم يكن شيء قبله). وفي رواية (معه) وفي رواية (غيره). (وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض). وفي لفظ (ثم خلق السموات والأرض) فسألوه عن ابتداء خلق السموات والأرض ولهذا قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فأجابهم عما سألوا فقط، ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر في حديث أبي رزين المتقدم (البداية والنهاية ١/ ٣٢).
- ج ١ ص ١٧٧
وقد قيل إن الأيام سبعة لا ستة.
- * ذكر من قال ذلك:
-
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقِل، قال: سمعت وهب بن مُنبّه: يقول: الأيام سبعة (١) . (١/ ٤٣) .
- (١)صحيح.
-
وكلا القولين -اللذَيْن روينا أحدَهما عن الضحاك وعطاء، من أن الله خلق الأيام الستة، والآخر منهما عن وهب بن منبّه من أن الأيام سبعة- صحيح مؤتلف غير مختلف، وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك في ذلك كان أن الأيام التي خلق الله فيهنَّ الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء والأرض وما فيهنّ إلي أن فرغ من جميعه ستة أيام، كما قال جل ثناؤه {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ، وأن معنى قول وهب بن منبّه في ذلك كان أنّ عدد الأيام التي هي أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة (٢) . (١: ٤٣) .
- (٢)صحيح.
-
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلقَ السموات والأرض يومُ الأحد؛ لإجماع السلَف من أهل العلم على ذلك.
- ج ١ ص ١٧٨
فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك، فإنه إنما استدل -بزعمه- على أن ذلك كذلك؛ لأنّ الله عزّ ذكره فرَغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة، وذلك اليوم السابع، وفيه استوي علي العرش، وجعل ذلك اليوم عيدًا للمسلمين؛ ودليلُه علي ما زعم أنه استدل به علي صحة قوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل علي خطئه فيه، وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من [محكَم] تنزيله، أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فقال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} . وقال تعالى ذكره {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) }.
-
ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله تبارك وتعالى في قوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ} داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكَرَهن قبل ذلك، فمعلوم إذْ كان الله عزَّ وجلّ إنما خلق السموات والأرضينَ وما فيهنَّ في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة - أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهنَّ؛ لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة، كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام، لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل؛ فتبين إذًا -إذْ كان الأمرُ كالذي وصفنا في ذلك- أن أوَّل الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهنّ من خلقه يوم الأحد؛ إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام، كما قال ربنا جل جلاله.
-
فأما الأخبارُ الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه بأنّ الفراغ من الخلق كان يوم الجمعة، فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى (١) . (١: ٤٥/ ٤٦) .
- (١)صحيح.